في كل مرة تتعطل فيها قاعدة بيانات، أو يتأخر تقرير، أو تُستنزف ساعات العاملين في إدخال يدوي لا ينتهي، نفهم الحقيقة التي تَتجاهلها كثير من المنظمات: التقنية ليست “أدوات” تُشترى… بل هي بنية ثقة تُبنى. ثقة داخلية تجعل القرار أسرع وأدق، وثقة خارجية تُقنع الممول أن الأثر يُدار بعقلية قياس لا بعاطفة نوايا. ومع اقتراب 2026، صار السؤال الأهم: هل نضيف أدوات جديدة؟ أم نعيد ترتيب الأساس الذي تقوم عليه كل أداة : البيانات، الحوكمة، والأمن؟
هذا المقال يقدّم قراءة عربية مركّزة لأبرز أولويات التخطيط التقني في القطاع غير الربحي لعام 2026، مستندًا إلى ما طرحته Grassi Advisors في مادتها المتخصصة، وإلى نتائج تقرير قيادات القطاع غير الربحي 2025–26 المبني على آراء أكثر من 200 قائد عبر القطاع. وقد قامت منصة «البنك الثالث» بترجمة المحتوى وتقديمه للقارئ العربي بما يضمن وضوح المفاهيم وسلامة النقل، مع الإقرار بالمصدر وحفظ كامل الحقوق الأدبية للكاتب أو الجهة الناشرة.
بينما تخطط المنظمات غير الربحية لعام 2026، باتت الاستثمارات التقنية تؤدي دورًا متزايد الأهمية في كيفية تقديم المنظمات لخدماتها، وإدارة المخاطر، وإثبات الأثر. وتكشف نتائج تقرير قيادات القطاع غير الربحي 2025–26 (2025–26 Nonprofit Leadership Report) كيف تتعامل المنظمات غير الربحية عبر القطاع مع تبنّي التقنية، بما يقدّم نقطة مرجعية عملية للقادة عند تقييم أولويات العام القادم.
وعلى مستوى القطاع، تعطي المنظمات غير الربحية الأولوية للأنظمة الأساسية والقدرات التأسيسية التي تحسّن الكفاءة التشغيلية وتُنشئ بيئات بيانات أكثر موثوقية. ومن خلال تعزيز هذه الأسس، يصبح القادة في موقع أفضل لاستخدام البيانات بفاعلية أكبر، واستكشاف تطبيقات عملية للذكاء الاصطناعي (AI)، وتطبيق ممارسات للأمن السيبراني تواكب تطور التقنية.
الصورة تعرض مخططًا بعنوان «الاستثمارات التقنية الحالية والمخطط لها» لدى المنظمات غير الربحية. الفكرة الأساسية أن كل مجموعة أعمدة تمثل مجالًا تقنيًا محددًا، وتُظهر مقارنة بين ما يجري الاستثمار فيه الآن وما هو مخطط للاستثمار فيه خلال الفترة القادمة، مع توزيع النتائج بحسب نوع المنظمة/مجالها (مثل الصحة، العمل الخيري، الخدمات الاجتماعية/المجتمعية، التعليم) إضافة إلى إجمالي القطاع.
وتوضح الصورة أن أولويات الاستثمار تدور حول محورين متلازمين: تقوية الأنظمة الأساسية التي تضبط العمل اليومي وتنتج بيانات موثوقة، ورفع الجاهزية التقنية للتواصل والتمويل وإثبات الأثر. لذلك تظهر مجالات مثل: التقنية الداعمة للمحاسبة والضبط والرقابة وإدارة المخاطر والامتثال، وأنظمة الأمن السيبراني، وأدوات إدارة المشاريع، باعتبارها مكونات “قواعد التشغيل” التي تحسن الكفاءة وتقلل التعثر.
وفي الوقت نفسه، تُبرز الصورة استثمارات تتصل مباشرة بالخدمة والأثر والتفاعل؛ مثل تقنيات المؤتمرات والبث المباشر، وبرمجيات تتبع تاريخ المستفيد/الطالب/العميل (كتوثيق السجلات الصحية أو الدرجات أو التقييمات)، وأدوات الذكاء الاصطناعي. وعلى جانب التمويل وبناء الثقة تظهر أدوات مثل تطبيقات الدفع لجمع التبرعات، وأدوات تحليل البيانات الداعمة للتقارير المالية، وأدوات التواصل عبر الرسائل النصية، وتحسين محركات البحث لزيادة الزيارات وتحسين الظهور، وتوظيف وسائل التواصل للتمويل الجماعي، وأخيرًا تقنيات تعزز الشفافية وتمكّن من متابعة أوجه إنفاق التبرعات. الصورة، بمجملها، تقدم “خارطة خيارات” تقول إن المنظمات لا تنظر للتقنية كترف، بل كوسيلة لضبط العمليات، حماية البيانات، تحسين الخدمة، وتقديم قصة أثر أكثر إقناعًا.
الاستثمارات التقنية الحالية والمخطط لها لدى المنظمات غير الربحية
وفقًا لبيانات الاستبيان لدينا، المستندة إلى آراء أكثر من 200 قائد عبر القطاع، تواصل المنظمات غير الربحية توظيف التقنية لتحسين الكفاءة، وتعزيز الاتساق، ورفع مستوى الوضوح والقدرة على المتابعة في العمليات اليومية وإعداد التقارير. وتُعد أدوات المحاسبة والامتثال وإدارة المخاطر الحلول الأكثر اعتمادًا، بما يعكس تركيزًا واسعًا على مستوى القطاع على الحوكمة والرقابة والإشراف.
وقد قامت كثير من المنظمات أيضًا باستثمارات كبيرة في أنظمة الأمن السيبراني، وحلول تخزين البيانات، وأدوات التعاون الافتراضي، بالتزامن مع انتقالها نحو بيئات تقنية أكثر اتصالًا وتكاملًا. ومع ازدياد التركيز على البيانات والتحليلات، أعطى عدد كبير من القادة أولوية لتطبيق منصات تخطيط موارد المؤسسة المتكاملة (ERP)، مبتعدين عن أنظمة دفتر الأستاذ العام (General Ledger) المستقلة، بما يعزّز الأساس لإعداد تقارير أكثر اتساقًا ويدعم الابتكار المستقبلي.
وتختلف كيفية توظيف هذه البيانات باختلاف الرسالة ونموذج التشغيل:
المنظمات الصحية غير الربحية تستخدم بيانات تاريخ الخدمة وأدوات التحليل وقدرات “ملاحظات الحالة” المؤتمتة لتحسين تنسيق الرعاية.
المنظمات التعليمية توظّف بيانات المشاركة والأداء والتفاعل لتحسين أساليب التعليم، ومتابعة التقدم، وتوجيه تصميم البرامج.
منظمات الخدمات الاجتماعية والمنظمات المجتمعية تطبّق بيانات المستفيد ومؤشرات التفاعل لتقييم فاعلية البرامج، وتخصيص الموارد بكفاءة أعلى، وإثبات الأثر أمام الممولين.
ويعكس هذا التحول تركيزًا أوسع على استخدام البيانات ليس لأغراض التقارير فقط، بل كذلك لتوجيه القرارات، وصقل الخدمات، وتعزيز نتائج الرسالة.
ارتفع تبنّي الذكاء الاصطناعي (AI) بين المنظمات غير الربحية من 31% في عام 2024 إلى 48% في عام 2025، وهو ما يمثل زيادة كبيرة مقارنة بالعام السابق. وخلال العام القادم، تخطط نسبة 19% إضافية من المنظمات لتبنّي الذكاء الاصطناعي، ما يرفع مستوى التبنّي إلى قرابة ثلثي القطاع.
تُظهر الصورة أن أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي تبدأ من الداخل التشغيلي للمنظمة: أدوات ترفع إنتاجية الفريق وتزيد كفاءته عبر أتمتة المهام الإدارية الروتينية. ثم تنتقل إلى واجهة الخدمة والتواصل من خلال روبوتات المحادثة/المساعدين الافتراضيين لتقديم دعم على مدار الساعة، والإجابة عن الأسئلة الشائعة، وإرشاد زوار الموقع أو المتبرعين خلال الإجراءات.
وفي التسويق والتفاعل، تبرز أدوات توليد المحتوى لحَملات البريد الإلكتروني ومنشورات التواصل الاجتماعي والمواد التسويقية، إلى جانب أدوات دعم مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى جانب التمويل، تشمل الاستخدامات تحديد وتحليل فرص المنح أو مصادر التمويل الأخرى، وكذلك أدوات دعم تحسين محركات البحث (SEO) لزيادة الوصول الرقمي.
ثم تنتقل الصورة إلى جانب الحوكمة والرقابة والتحليل المتقدم: أنظمة اكتشاف الاحتيال بالذكاء الاصطناعي لرصد المخاطر والشذوذ والأنشطة الاحتيالية في المعاملات والعمليات المالية، والتقييم التنبؤي للبرامج عبر تحليل بيانات المبادرات السابقة للتنبؤ بأثر وفاعلية البرامج القادمة.
وفي إدارة العلاقات، تظهر أدوات إدارة علاقات المتبرعين لإدارة العلاقات ورعايتها وتتبع التفاعلات وتخصيص التواصل، وكذلك إدارة المتطوعين عبر مواءمة المتطوعين مع الفرص المناسبة بناءً على مهاراتهم واهتماماتهم وتَوفرهم. وتختم الصورة بمجالات تحليلية مؤثرة: تجزئة المتبرعين والتحليل التنبؤي، ومراقبة العلامة والانطباع العام وتحليله (Brand & Sentiment).
أكثر حالات استخدام الذكاء الاصطناعي شيوعًا اليوم تتمثل في أتمتة المهام الإدارية الروتينية، بما يحرّر وقت العاملين ليركّزوا على أعمال أعلى قيمة وأكثر اتصالًا بالرسالة. كما تشير قرابة ربع المنظمات إلى أنها تستخدم روبوتات المحادثة والمساعدين الافتراضيين لتقديم دعم للموقع الإلكتروني، ومساندة المتبرعين، وتوليد محتوى تسويقي، ودعم تحليل الانطباع العام على وسائل التواصل الاجتماعي.
ومع تحسّن جودة البيانات وأساليب عرضها وتصورها (Visualization) لدى المنظمات غير الربحية، بدأت كثير من المنظمات تبني على هذا الأساس عبر تعلّم الآلة (Machine Learning) وهو يعتمد على البيانات التاريخية لاكتشاف الأنماط ودعم التنبؤ، وعبر أشكال مبكرة من الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI)، وهي فئة أحدث من الأنظمة صُممت لتنفيذ مهام متعددة الخطوات اعتمادًا على أهداف محددة مسبقًا.
ومع توفر أسس بيانات أكثر نضجًا وتعقيدًا، بدأ الذكاء الاصطناعي يدعم أنشطة أكثر تركيبًا تقودها الرؤى التحليلية، ومنها:
استراتيجية جمع التبرعات وإدارة المتبرعين، عبر استخدام تعلّم الآلة لتحليل قواعد بيانات المتبرعين ودعم تجزئة أكثر دقة واستهدافًا (Segmentation).
الاتصال والتفاعل العام، من خلال تحليل العلامة والانطباع العام (Brand and Sentiment Analysis) بما يساعد المنظمات على فهم إدراك الجمهور والاستجابة للقضايا الناشئة.
التخطيط البرامجي والتشغيلي، عبر تطبيق البيانات التاريخية لاكتشاف أنماط تُوجّه جهود الوصول للمستفيدين، وتوزيع الموارد، وتصميم الخدمات.
ومع اتساع التبنّي، يتزايد تركيز القادة على ضمان تطوّر الأمن السيبراني والحوكمة والجاهزية الداخلية بالتوازي مع قدرات الذكاء الاصطناعي.
مخاطر سيبرانية حرجة يجب التعامل معها
يكشف تقرير قيادات القطاع غير الربحي لدينا عن فجوة واضحة في مستوى الثقة لدى المنظمات غير الربحية فيما يتعلق بالأمن السيبراني. إذ أفاد 56% من قادة المنظمات غير الربحية بأنهم “واثقون إلى حدٍّ ما فقط” من قدرتهم على حماية البيانات الحساسة، بينما قال 38% فقط إنهم “واثقون جدًا”.
يوضح الشكل «بروتوكولات الأمن السيبراني» مستوى تبنّي ممارسات الحماية لدى المنظمات غير الربحية، مع مقارنة بين إجمالي القطاع وبين ثلاثة مجالات تشغيلية: الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية/المجتمعية والتعليم. ويُظهر أن أكثر الإجراءات شيوعًا هي تفعيل المصادقة الثنائية (63% إجمالًا؛ 68% في الرعاية الصحية؛ 66% في الخدمات الاجتماعية؛ 54% في التعليم) وتقديم تدريب دوري للأمن السيبراني للموظفين (62% إجمالًا؛ 77% في الرعاية الصحية؛ 61% في الخدمات الاجتماعية؛ 62% في التعليم). كما يبين اعتمادًا ملحوظًا على الاستعانة بمزود خارجي لوظائف الأمن السيبراني (47% إجمالًا)، مقابل انخفاض واضح في الممارسات الأكثر تقدمًا مثل اختبارات الاختراق المتكررة (32% إجمالًا) والتي تهبط في قطاع التعليم إلى (15%). ويعرض الشكل كذلك نسبة توظيف خبير أمن سيبراني داخلي (21% إجمالًا). وفي الهامش، يشير إلى أن جزءًا من المنظمات يندرج ضمن “أخرى”، وأن نسبة محدودة أفادت بعدم تطبيق أي من هذه الممارسات.
ورغم أن كثيرًا من المنظمات غير الربحية طبّقت مستويات أساسية من الحماية السيبرانية، فإن الاستبيان يبيّن أن إجراءات الحماية الأكثر تقدّمًا لا تزال غير مطبّقة بصورة متسقة على مستوى القطاع:
تُعد المصادقة الثنائية (Dual-factor Authentication) والتدريب الدوري على الأمن السيبراني من أكثر الإجراءات شيوعًا واعتمادًا، وتمثل الضوابط الأكثر حضورًا اليوم.
ويقارب نصف المنظمات الاستعانة بمصادر خارجية (Outsource) لتنفيذ وظائف الأمن السيبراني، بما يعكس محدودية القدرة الداخلية.
ولا يجري اختبارات الاختراق (Penetration Testing) بانتظام سوى نحو ثلث المنظمات، رغم دورها في كشف الثغرات قبل وقوع الحوادث.
وتشير البيانات إلى أن المنظمات غير الربحية اتخذت خطوات أولى مهمة، لكن كثيرًا منها ما زال في طور بناء المهارات والضوابط وهياكل الحوكمة اللازمة لدعم أنظمة أكثر تكاملًا، وتحليلات متقدمة، وذكاء اصطناعي (AI) بصورة آمنة.
بناء خارطة طريق تقنية لعام 2026
بينما يخطط قادة المنظمات غير الربحية لاستثمارات تمتد عبر البيانات والتحليلات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، تساعد “خارطة الطريق التقنية” على جمع هذه الأولويات في مسار واحد. ومن خلال تقييم الأنظمة الحالية وجودة البيانات وممارسات الحوكمة، يستطيع القادة فهم كيفية ترتيب الاستثمارات القادمة على مراحل بما يقلل المخاطر ويعظم أثر الرسالة.
في نهاية المطاف، لا يُقاس نضج التقنية في المنظمات غير الربحية بعدد الأدوات التي تُشترى، بل بقدرتها على تحويل البيانات إلى قرار، والقرار إلى خدمة أكثر اتساقًا، والخدمة إلى أثر يمكن الدفاع عنه بالأرقام قبل العاطفة. عام 2026 يبدو كعام “الربط” بامتياز: ربط الأنظمة بدل تشتتها، ربط الأمن بالحوكمة بدل أن يبقى ملفًا تقنيًا منعزلًا، وربط الذكاء الاصطناعي بجهوزية داخلية تمنعه من أن يتحول إلى مخاطرة صامتة.
الخطوة العملية ليست قفزة واسعة، بل خارطة طريق متدرجة: تقييم الوضع الحالي بصدق، تقوية الأساسيات التي تحمي الثقة وتضمن جودة البيانات، ثم بناء التحليلات والتطبيقات الذكية على أرضية صلبة. عندها فقط يصبح الذكاء الاصطناعي قيمة مضافة، وتصبح التقارير قصة أثر مفهومة، وتصبح الموارد المحدودة أكثر قدرة على الوصول.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
