إعادة تصميم الأوقاف من أجل التغيير الاجتماعي العميق

ع ع ع

خلال أعمال التوثيق والاطلاع المستمر التي يجريها فريق البحث والترجمة في البنك الثالث | موسوعة الإثراء المعرفي للقطاع غير الربحي، اطّلع الفريق على ورقة سياسات صادرة عن مؤسسة كريتيريون (Criterion Institute)، وهي جهة بحثية أمريكية مرموقة تُعنى بإعادة تخيّل دور المال كأداة للتغيير الاجتماعي والتحوّل في الأنظمة الاقتصادية.
وقد وجد الفريق أن محتوى هذه الورقة يمسّ قضايا جوهرية تتقاطع مع التحديات والتطلعات التي يعيشها القطاع الوقفي وغير الربحي في المملكة العربية السعودية.
وعليه، تم العمل على ترجمتها وتحريرها بما يتوائم مع السياق المحلي، ويُراعي الخصوصية النظامية والثقافية، مع الحفاظ على روح التحليل الأصلية، وإخراجها في قالب معرفي يخدم صُنّاع السياسات، والممارسين، والباحثين في هذا المجال الحيوي.

يلعب القطاع غير الربحي دورًا أساسيًا في دعم التنمية المجتمعية وتعزيز التكافل الوطني، من خلال سدّ الفجوات التي قد لا تغطيها الجهات الحكومية أو السوق، وتقديم مبادرات تسهم في تحسين جودة الحياة وتمكين الفئات المختلفة.
وعلى الرغم من هذا الدور الحيوي، فإن كثيرًا من الجهات العاملة في هذا القطاع تعمل بموارد محدودة، وتعتمد على جهود المتطوعين، وتُدير أنشطتها بأقصى قدر من الكفاءة ضمن الإمكانات المتاحة.
وتُعد محدودية الموارد من أبرز التحديات التي تُقيّد قدرة هذه الجهات على تحقيق أهدافها ورسالتها على المدى الطويل.
من هذا المنطلق، تقدم مؤسسة Criterion Institute هذه الورقة لدعم المنظمات غير الربحية، والجهات المانحة، وكل المعنيين، في تحليل كيف يمكن للأوقاف أن تتحوّل من مجرد أداة تمويل تقليدية إلى رافعة استراتيجية لتعظيم الأثر وتعزيز الاستدامة بما يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.

ما هو الوقف؟
الوقف هو أصل مخصّص يُقدَّم عادة على شكل تبرع، هبة، أو تخصيص مالي دائم، بهدف دعم جهة ما بتمويل مستدام وطويل الأمد يساند أنشطتها المرتبطة برسالتها المجتمعية أو التنموية. يُدار الوقف بوصفه صندوقًا دائمًا، حيث يُستثمر رأس المال الأساسي—ويُعرف بالـ "Principal"—بينما تُستخدم فقط العوائد الناتجة من هذا الاستثمار، مثل الأرباح، الفوائد، أو المكاسب الرأسمالية (Capital Gains)، في تمويل البرامج والمبادرات.
يظل رأس المال محفوظًا دون مساس، بهدف الحفاظ على ديمومة الوقف واستمرارية أثره عبر الأجيال. وتكمن الأهمية المحورية للوقف في كونه مصدرًا ماليًا منتظمًا وقابلًا للتنبؤ، مما يمنح الجهة المستفيدة—سواء كانت مؤسسة غير ربحية، أو جامعة، أو جهة خيرية—الاستقرار المالي اللازم للتخطيط الاستراتيجي، والتنفيذ الفعّال، والقدرة على مقاومة التقلبات الاقتصادية والتمويلية.

كيف تعمل الأوقاف؟
تُدار الأوقاف عادةً بوصفها أموالًا مقيّدة (Restricted Funds)، أي أنها تخضع لشروط وضوابط تحدّد كيفية استثمارها وإنفاق عوائدها، وغالبًا ما يضع هذه الشروط الواقف أو الجهة المانحة عند التأسيس. ويُمنع في أغلب الحالات التصرف في أصل الوقف أو سحبه، بل يُترك ليستمر في توليد العوائد الاستثمارية التي تُستخدم في دعم الأنشطة المستهدفة.
تُستثمر أموال الوقف—وفق سياسة محددة—في أدوات مالية متنوعة مثل الأسهم، والسندات، والعقارات، بهدف تحقيق نمو مستدام في رأس المال. ويُقتصر الإنفاق على الأرباح، الفوائد، أو المكاسب الرأسمالية (Capital Gains) الناتجة عن هذه الاستثمارات، التي تُوظف بدورها في تمويل البرامج، تقديم المنح، أو دعم المبادرات ذات الصلة برسالة الجهة المستفيدة.
عادةً ما تُشرف على إدارة الوقف جهة وصاية معتمدة أو مجلس نظارة (Board of Trustees)، يتمتع بصلاحيات قانونية وإدارية تضمن الالتزام بالشروط الأصلية للواقف، وتُنفذ عمليات التوزيع المالي بما يتماشى مع الأنظمة المحلية والأهداف الاستراتيجية للمؤسسة الوقفية.

مكونات الوقف
تتشكّل الأوقاف عادةً من 4 مكونات أساسية تمثّل الأساس الذي تُبنى عليه استدامتها واستقرارها المالي:
1. رأس المال (Principal):
هو الأصل المالي الأولي الذي يُقدّم عادةً من خلال تبرعات، وصايا، أو منح كبرى، ويُخصّص ليبقى محفوظًا دون مساس. يُستثمر هذا الأصل—بشكل دائم أو طويل الأجل—ليشكّل مصدرًا ثابتًا للعوائد المالية التي تُموّل أنشطة الجهة الوقفية.
2. عوائد الاستثمار (Investment Returns):
تُوظَّف أموال الوقف في محافظ استثمارية متنوعة تشمل الأسهم، السندات، والعقارات، بهدف توليد دخل منتظم من الأرباح، الفوائد، أو المكاسب الرأسمالية. وتشكل هذه العوائد المورد الرئيسي الذي تعتمد عليه الجهة في تمويل برامجها وأنشطتها.
3. سياسة استخدام العوائد (Use of Funds Policy):
تُحدّد الجهات الوقفية سياسات إنفاق واضحة تقوم على سحب نسبة سنوية محدودة من العوائد—عادةً بين 4% و5%—لتمويل التكاليف التشغيلية أو البرامج. بينما يُعاد استثمار ما تبقى من العوائد لتعزيز رأس المال وموازنة آثار التضخم.
4. القيود (Restrictions):
تتضمن بعض الأوقاف شروطًا مُلزمة من الجهة المانحة أو الواقف تحدّد أوجه استخدام العوائد، مثل تخصيصها لأغراض تعليمية، بيئية، أو اجتماعية. أما الأوقاف غير المقيّدة (Unrestricted Endowments) فتوفر للجهة الوقفية مرونة أوسع في توجيه الموارد حسب المستجدات والاحتياجات الفعلية.

آلية عمل صندوق الوقف
تقوم صناديق الأوقاف على نموذج تمويلي متسلسل يوازن بين حماية رأس المال وتعظيم الأثر طويل الأمد. ويمكن تلخيص المراحل الرئيسة لعمل الوقف في ثلاث خطوات مترابطة:
1. الهبة (Gift):
تنطلق عملية الوقف من تقديم تبرع أو هبة مالية تؤسّس رأس المال الأساسي للصندوق، وغالبًا ما تأتي من أفراد، مؤسسات، أو واقفين يرغبون في دعم هدف محدد باستدامة.
2. الاستثمار (Invest):
يُدار رأس المال باستراتيجية استثمارية تهدف إلى تنميته على المدى الطويل، مع الحفاظ عليه دون سحب مباشر. وتُستثمر الأموال عادةً في أدوات مالية متنوعة، بما يتماشى مع درجة المخاطرة المقبولة وأهداف الوقف.
3. الإنفاق (Grant):
تُخصص نسبة محددة من عوائد الاستثمار سنويًا لدعم البرامج أو الأنشطة المحددة في سياسة الوقف، بينما يُعاد استثمار ما تبقى من العوائد لتعزيز النمو المستقبلي للصندوق وضمان استمراريته.
يعكس هذا النموذج فلسفة الوقف القائمة على التمويل الدائم (Permanent Capital)، إذ يتيح للمنظمات تنفيذ أنشطتها بثبات واستقلالية، دون الاعتماد المستمر على مصادر تمويل طارئة أو موسمية.

لماذا تُعد الأوقاف مهمة؟
تُعد الأوقاف من الأدوات الاستراتيجية التي تلجأ إليها العديد من الجهات العاملة في القطاع غير الربحي لتعزيز استقرارها المالي على المدى البعيد. فهي تتيح للمنظمات بناء مصدر تمويل دائم، يقلّل من الاعتماد على التبرعات الموسمية أو المنح قصيرة الأجل، ويمكّنها من تنفيذ رسالتها وبرامجها في مواجهة التقلبات الاقتصادية والسياسية.
وتشير البيانات الحديثة إلى أثر ملموس للأوقاف في تعزيز الاستقرار المالي؛ إذ أظهرت دراسة نُشرت عام 2023 عن "المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية" (National Bureau of Economic Research) في الولايات المتحدة، أن المنظمات التي تمتلك أوقافًا تواجه تقلبات أقل في دخلها بنسبة تصل إلى 40٪ مقارنةً بالمنظمات التي لا تمتلك أوقافًا.
من هذا المنطلق، لم تعد الأوقاف مجرد وسيلة تمويل بديلة، بل أصبحت دعامة مؤسسية تُعزز من مرونة المنظمات وقدرتها على التخطيط بعيد المدى، وتمنحها استقلالية أكبر في توجيه مواردها نحو تحقيق أثر مستدام.

السمات الرئيسية: أنواع الأوقاف حسب تصنيف UPMIFA
بحسب قانون الإدارة الحكيمة الموحدة للأموال المؤسسية (Uniform Prudent Management of Institutional Funds Act – UPMIFA)، المعتمد في الولايات المتحدة، تُصنَّف الأوقاف إلى ثلاثة أنواع رئيسية، تختلف فيما بينها من حيث درجة التقييد المفروضة على استخدام رأس المال والعوائد:
1. الوقف الحقيقي (True Endowment):
وهو وقف دائم أو أبدي يُقدَّم عادةً كهبة مقيّدة من أحد المانحين، ويُلزم بالحفاظ على جزء ثابت من الأصول (غالبًا مبلغ معين أو نسبة مئوية) كرأس مال لا يجوز المساس به. ويُسمح فقط بإنفاق العوائد الناتجة عن استثمار هذا الأصل على الأغراض المحددة في شروط الوقف.
2. الوقف الشبه دائم (Quasi-Endowment):
ويُعرف أيضًا بـ "صندوق يعمل كوقف" (Funds Functioning as Endowments)، ويتكون من أموال غير مقيّدة أو احتياطيات تُخصّص بقرار من مجلس الإدارة. تملك الجهة الوقفية صلاحية استخدام جزء من أصل الوقف عند الضرورة، ما يجعله أكثر مرونة، لكنه لا يُصنّف كوقف دائم بالمعنى الفني الدقيق.
3. الوقف المؤقت (Term Endowment):
وهو وقف يُحدد لفترة زمنية معينة أو حتى تحقق شرط مسبق (مثل بلوغ المستفيد عمرًا معينًا أو استكمال مشروع محدد). وبعد انتهاء المدة أو تحقق الشرط، يمكن تحويله إلى وقف دائم أو تصفيته حسب ما تم الاتفاق عليه عند التأسيس.
رغم أن هذا التصنيف يوفر إطارًا مفيدًا لتحليل الأوقاف حسب مستوى القيود والمرونة، إلا أنه لا يُعد ملزمًا أو ساريًا في البيئة النظامية السعودية، حيث تُنظَّم الأوقاف وفق أنظمة الهيئة العامة للأوقاف، والتي تستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية والنظام السعودي.

الفرق بين "الوقف" و"صندوق الاحتياطي"
رغم أن الوقف وصندوق الاحتياطي يشتركان في كونهما أدوات مالية تُستخدم لدعم استقرار المنظمات غير الربحية، إلا أن بينهما فروقات جوهرية تتعلّق بالوظيفة، والسيولة، والأفق الزمني، وحدود التصرف في الأصول.
أولًا: صندوق الاحتياطي
يُعد صندوق الاحتياطي (Reserve Fund) أحد أنواع "صناديق الطوارئ"، ويُخصص لمواجهة الالتزامات أو النفقات غير المتوقعة. وهو وعاء مالي يتميز بسيولة عالية، غالبًا ما يكون محتفظًا به نقدًا أو في صورة أصول يمكن تسييلها بسرعة.
يمكن استخدام هذا الصندوق كليًا أو جزئيًا، ويكون لمجلس الإدارة أو الهيئة الإشرافية صلاحية تقديرية واسعة في كيفية ووقت استخدامه، بما في ذلك إمكانية السحب من أصل الصندوق نفسه. وقد يُستثمر أو لا، تبعًا لسياسات الجهة.
ثانيًا: الوقف
في المقابل، يُنشأ الوقف (Endowment) بهدف تحقيق تمويل مستدام طويل الأجل. وتُقيّد أصوله بشروط صارمة تمنع التصرف فيها أو تسييلها، سواء كانت تلك الشروط منصوصًا عليها من قبل الواقف أو بموجب الأنظمة المنظمة للوقف.
يُستثمر رأس مال الوقف (الأصل الأساسي) وتُستخدم فقط العوائد الاستثمارية الناتجة عنه في تغطية النفقات المحددة، مع الالتزام بالمحافظة على رأس المال وتنميته عبر الزمن لضمان الاستمرارية عبر الأجيال.

مقارنة موجزة:

العنصر

الوقف

صندوق الاحتياطي

السيولة

منخفضة (لا يجوز تسييل الأصل)

عالية (نقدي أو قابل للتسييل)

حدود الاستخدام

تُستخدم العوائد فقط

يُمكن استخدام الأصل والعوائد

الأفق الزمني

طويل الأمد أو دائم

قصير أو متوسط الأجل

الغرض

تمويل مستدام ومستقر

مواجهة الطوارئ والنفقات غير المتوقعة

سلطة التصرف

مقيّدة بشروط الوقف

تقديرية لمجلس الإدارة أو الجهة المشرفة


خلاصة:
الاحتياطي المالي أشبه بـ "وسادة أمان" مؤقتة تُستخدم عند الحاجة.
أما الوقف، فهو التزام مؤسسي طويل الأجل يهدف إلى تأمين مصادر دخل دائمة ومستقرة تسهم في تحقيق الأثر المستدام.

فهم الأوقاف في سياق القطاع غير الربحي
أولًا: الأثر على العمليات التشغيلية
تُعد الأوقاف من أبرز الأدوات التي تُسهم في تعزيز الاستقرار المالي للمنظمات غير الربحية، من خلال توفير تدفق مالي ثابت وموثوق. وتنعكس هذه الاستدامة المالية في تقليل الاعتماد على مصادر التمويل الخارجية، والتخفيف من ضغوط جمع التبرعات المستمر، الذي قد يُنهك الفرق التنفيذية، ويؤدي في بعض الحالات إلى ما يُعرف بـ "انحراف الرسالة" (Mission Creep)، حيث تطغى متطلبات التمويل على التركيز الأساسي للبرامج والأهداف الجوهرية.
يمكّن الوقف الجهات المستفيدة من بناء خطط استراتيجية طويلة الأمد، تعزز من قدرتها على التنبؤ والجاهزية في مواجهة الأزمات الاقتصادية والتقلبات السوقية، مما يدعم مرونة القرار المؤسسي ويمنحها استقلالًا تشغيليًا أكبر.
ثانيًا: استراتيجيات الاستثمار
لضمان تحقيق الأهداف التنموية والاستدامة المرجوة، يتطلب الأمر من المنظمات اعتماد سياسات استثمارية متوازنة ومدروسة بعناية. ومن أبرز الممارسات الفاعلة في إدارة أموال الأوقاف:
تنويع الأصول (Asset Diversification): من خلال توزيع الاستثمارات بين الأسهم، وأدوات الدخل الثابت مثل السندات، والأصول البديلة كالعقارات وصناديق الاستثمار الخاصة.
الاستثمار المستدام (Environmental, Social, and Governance – ESG): وذلك بدمج معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والإدارية في قرارات التوظيف المالي، لضمان مواءمتها مع القيم المؤسسية.
إعادة التوازن الدوري (Portfolio Rebalancing): عبر مراجعة دورية لتوزيع المحفظة الاستثمارية بما يتناسب مع تغيّرات السوق ومستوى المخاطر المعتمد.
ومن الملاحظ أن الأوقاف لا تقتصر على تمويل البرامج فقط، بل تتيح للمنظمات فرصة توجيه مواردها نحو استراتيجيات استثمارية تتماشى مع رسالتها، فيما يُعرف بـ "الاستثمار الموجه نحو الأثر" (Impact-Aligned Investing).
وقد أشارت دراسة صادرة عن مجلس المؤسسات الخيرية (Council on Foundations) في عام 2023، إلى أن المحافظ الاستثمارية المرتبطة بالأثر تُحقق عوائد قريبة من تلك الناتجة عن استراتيجيات الاستثمار التقليدية.
ويؤكد هذا أن الأوقاف يمكن أن تحقق في آن واحد هدفين رئيسيين: الاستدامة المالية وتعزيز الأثر الاجتماعي، دون تنازل عن أي منهما

سياسات الإنفاق من عوائد الوقف
تُعد سياسات الإنفاق من العوائد الاستثمارية واحدة من الركائز التنظيمية الأساسية في إدارة الأوقاف، إذ تهدف إلى تحقيق التوازن بين تلبية الاحتياجات المالية الحالية للمنظمة، والحفاظ على رأس المال لضمان استمرارية التمويل عبر الأجيال.
غالبًا ما تتبنى المؤسسات الوقفية نهجًا ماليًا يُعرف بـ "قاعدة 4–5%" (4–5% Spending Rule)، والتي تتيح سحب نسبة تتراوح بين 4% إلى 5% سنويًا من متوسط قيمة الوقف خلال فترة تمتد عادةً من ثلاث إلى خمس سنوات. ويُستخدم هذا المبلغ في تغطية التكاليف التشغيلية أو تمويل البرامج وفقًا لأهداف الجهة المستفيدة.
تهدف هذه القاعدة إلى توفير مصدر دخل يمكن التنبؤ به، دون المساس برأس المال الأساسي، وذلك عبر استهداف عوائد استثمارية تفوق معدل السحب السنوي. فعلى سبيل المثال، إذا كان لدى منظمة غير ربحية وقف بقيمة 10 ملايين دولار، بعائد سنوي يبلغ 7%، فإن مجموع العوائد يقدّر بـ 700 ألف دولار. وفقًا للقاعدة، يتم تخصيص 400 إلى 500 ألف دولار (4%–5%) للإنفاق المباشر، بينما يُعاد استثمار المبلغ المتبقي (200–300 ألف دولار) لتعزيز النمو طويل الأمد للمحفظة الوقفية.
ومن أجل تعزيز استقرار التمويل، تعتمد العديد من المؤسسات على ما يُعرف بـ آليات التسوية (Smoothing Mechanisms)، حيث يُستند في حساب الإنفاق السنوي إلى متوسط متحرّك لقيمة الوقف خلال عدد من السنوات السابقة، بدلًا من الاعتماد على تقييم سنة واحدة فقط.
تُسهم هذه المنهجية في تقليل التقلبات المالية الناتجة عن تذبذب الأسواق، وتحول دون التخفيضات الحادة في الميزانية خلال فترات الركود، مما يمكّن المنظمات من التخطيط الاستراتيجي بثقة أكبر.
وقد أصبح هذا النموذج – الذي يجمع بين الحذر المالي والاستدامة – معيارًا معتمدًا بين المؤسسات الكبرى، لا سيما في مجالات التعليم العالي والعمل الخيري، ويُنظر إليه بوصفه من أفضل الممارسات (Best Practices) في إدارة الأوقاف. إذ يُمكّن المنظمات من المواءمة بين الحفاظ على الأثر الاجتماعي والالتزام بالاستدامة المالية على المدى الطويل.

الأوقاف كأداة للاستدامة في العمل التنموي
منذ مطلع الألفية الجديدة، لوحظ تراجع ملحوظ في معدلات التبرع لدى عدد من المجتمعات، حيث انخفض عدد الأسر المساهمة في العمل الخيري بأكثر من 20 مليون أسرة في بعض الدول. وفي الوقت نفسه، شهدت بعض الأدوات التمويلية مثل صناديق التبرعات المُدارة من قبل المانحين (Donor-Advised Funds) نموًا كبيرًا في أصولها، إذ بلغت 251.5 مليار دولار في عام 2023، لكن هذا النمو لم يقابله بالضرورة زيادة في حجم الدعم الفعلي للمنظمات الميدانية، مما أسهم في ضغط مالي متزايد على الجهات العاملة في القطاع التنموي.
في ظل هذه التحديات، تُبرز الأوقاف نفسها كأداة استراتيجية تضمن للمنظمات غير الربحية مصدرًا مستقرًا ومستدامًا للتمويل، يمكنها من مواصلة أعمالها دون أن تكون رهينة لتقلبات أولويات المانحين أو التحولات في البيئة التمويلية. فبخلاف التبرعات قصيرة الأجل، يتيح الوقف تمويلًا طويل الأمد ينسجم مع الأهداف الجوهرية للمنظمة.
وقد اتجهت العديد من المؤسسات الكبرى حول العالم إلى تعزيز أوقافها لخدمة أهداف تنموية طويلة المدى، مثل دعم التعليم، أو رعاية الفئات الأكثر احتياجًا، أو تمكين المجتمعات المحلية. وتُظهر هذه التجارب الدولية كيف يمكن للوقف، حين يُدار وفق حوكمة رشيدة واستثمار فعّال، أن يسهم في تحقيق الاستقرار المالي وتعزيز الأثر التنموي للجهات العاملة في الميدان.

اعتبارات تتعلق بالأوقاف في دعم الاستدامة والتمكين المجتمعي
هناك حجج معتبرة تؤكد الدور المحوري الذي يمكن أن تؤديه الأوقاف في تعزيز قدرة المنظمات غير الربحية على تحقيق أهدافها التنموية:
التمويل المستدام: تُعد الأوقاف مصدرًا موثوقًا لتمويل البرامج على المدى الطويل، وهو ما يمنح الجهات غير الربحية مرونة واستقلالية أكبر، ويخفّف من الاعتماد المفرط على التبرعات الموسمية أو المنح قصيرة الأجل. فوقف بحجم مناسب قد يغطي جزءًا كبيرًا من النفقات التشغيلية أو البرامجية، مما يضمن استمرارية الجهة في أداء رسالتها بكفاءة.
التحوط من تقلبات التمويل: تساهم الأوقاف في حماية المنظمات من آثار تذبذب المساهمات السنوية من المانحين، خاصة في فترات الركود الاقتصادي أو تبدل الأولويات. ومع ذلك، يجب التنبه إلى أن فاعلية الأوقاف في هذا الجانب تظل مرتبطة بأداء الأسواق المالية، ما يجعل التحوط غير مضمون في جميع الأحوال.
تعزيز الثقة المؤسسية: يعطي وجود الوقف إشارة واضحة للمانحين على أن المنظمة ملتزمة برؤية طويلة الأمد، وتسعى لبناء هيكل مالي مستقر. هذا يعزز مكانتها داخل المجتمع، وقد يُشجّع المانحين الكبار على دعمها باعتبار الوقف وسيلة لترسيخ الأثر وترك إرث مستدام.
موازنة الشمول المجتمعي: من التحديات المرتبطة بنمو الأوقاف أن بعض الأفراد قد يشعرون بأن تبرعاتهم الصغيرة لم تعد مؤثرة، مما قد يؤثر على التفاعل المجتمعي. لذا، ينبغي أن تواصل المنظمة إشراك جميع فئات المجتمع والتواصل معهم بفاعلية، حتى مع توسّع مصادر التمويل المؤسسي

نقاشات استراتيجية حول جدوى الأوقاف في المنظمات غير الربحية
على الرغم من الدور الحيوي الذي يمكن أن تؤديه الأوقاف في تعزيز الاستدامة المالية، إلا أن ثمة تحديات استراتيجية تستدعي تأملًا جادًا من قبل صناع القرار في المنظمات غير الربحية:
ارتباط فعالية الأوقاف بأداء الأسواق
لا يمكن فصل عوائد الأوقاف عن حالة الأسواق المالية. ففي حين أن العوائد التاريخية للأسواق في الثمانينيات والتسعينيات تراوحت بين 6٪ و7٪، تُقدَّر اليوم بـ 3٪ إلى 4٪ فقط بحسب تقديرات حديثة. وتشير دراسة لمعهد سلون للإدارة في معهد MIT إلى أن متوسط العائد الصافي على استثمارات الأوقاف بعد خصم المصاريف الإدارية بلغ نحو 5.3٪، وهو أقل من المتوسط التاريخي لعوائد الأسهم. كما أن تبرعات الأفراد للمنظمات غير الربحية ترتبط غالبًا بأداء السوق، ما يعني أن الوقف لا يوفر دائمًا حاجز أمان فعال ضد تقلبات التمويل.
تكاليف إدارة مرتفعة تتطلب كفاءة تنظيمية عالية
يتطلب تحقيق أقصى استفادة من الأوقاف موارد مالية وبشرية متمكنة في مجالات الاستثمار والإدارة. فالأوقاف الصغيرة أو المتوسطة قد لا تملك القدرة على توظيف مديري استثمار محترفين أو بناء هياكل حوكمة فعالة، مما قد يؤدي إلى تآكل العوائد أو ضعف الأداء الاستثماري. كما أن إدارة الوقف تتطلب تواصلًا مختلفًا مع المانحين، يتجاوز جمع التبرعات التقليدي إلى بناء علاقات قائمة على الأثر طويل الأمد.
تحوّل في استراتيجيات التمويل والتواصل
غالبًا ما تُموّل الأوقاف من خلال عدد محدود من التبرعات الكبيرة، وهو ما قد يؤدي إلى انحسار التفاعل مع شبكة الداعمين التقليديين الذين يسهمون بمبالغ صغيرة. لذلك، ينبغي موازنة هذا التوجه مع الحفاظ على المشاركة المجتمعية وتنوع مصادر الدعم، بما يحفظ الهوية المجتمعية للمنظمة.
مخاوف من تجميد الموارد مقابل احتياجات آنية
من أبرز الانتقادات الموجهة للأوقاف أنها تُجمّد الأموال لمستقبل مجهول، في حين تواجه المجتمعات احتياجات فورية ملحّة. لذلك، يجب أن تكون للمنظمة رؤية استراتيجية واضحة، وتواصل شفّاف مع جمهورها لتفسير جدوى الوقف وكيفية إدارته بما يحقق التوازن بين الحاضر والمستقبل.
تآكل القوة الشرائية بمرور الوقت
بفعل التضخم وتقلّب العوائد الاستثمارية، قد تنخفض القيمة الفعلية للأموال الموقوفة بمرور الزمن، ما يتطلب اعتماد سياسات مالية مرنة تعزز من النمو الحقيقي للأصول وتضمن بقاء الأثر في المدى الطويل.
الوقف ليس الحل الأنسب دائمًا
تعتمد مناسبة الأوقاف على حجم المنظمة، وطبيعة رسالتها، ومدى نضجها المؤسسي. فبعض الجهات ذات الأهداف القصيرة أو المتغيرة قد تجد في الوقف عبئًا تنظيميًا غير ملائم. لذا، ينبغي أن يُنظر إلى الوقف بوصفه أحد أدوات الاستدامة، لا بديلاً وحيدًا عنها.
توصية تطبيقية:
في ظل تطلعات "رؤية السعودية 2030" لتعزيز الاستدامة والتمكين المالي للقطاع غير الربحي، ينبغي على المنظمات الأهلية في المملكة تقييم جدوى تأسيس الأوقاف ضمن استراتيجيتها العامة لا كخيار رمزي، بل كأداة تمويلية طويلة الأجل تُبنى وفق معايير استثمارية احترافية وحوكمة شفافة. ويُوصى بما يلي:
عدم التسرع في إنشاء الوقف دون جاهزية مؤسسية، تشمل القدرة على التخطيط الاستثماري، وإدارة العلاقات مع المانحين الكبار، والتعامل مع التحديات النظامية والتنظيمية ذات الصلة.
الربط بين أهداف الوقف والبرامج ذات الأثر طويل الأجل، وتجنب إنشاء أوقاف لا تتماشى مع طبيعة الأنشطة أو لا تلبّي احتياجات المرحلة.
الاستفادة من دعم الهيئة العامة للأوقاف، بما في ذلك الأدلة التنظيمية والمنصات التقنية والتمويل المشترك.
إشراك المجتمع والجهات المستفيدة في قرار تأسيس الوقف، لضمان اتساقه مع التطلعات التنموية المحلية وتعزيز الثقة في أدائه.
بهذا النهج المتدرج، يمكن للأوقاف أن تتحول من نموذج مالي جامد إلى أداة استراتيجية فاعلة تعزز مرونة المنظمة وتوسّع أثرها المجتمعي في المملكة.

تحليل القوة في بنية الأوقاف
تُعد ديناميات القوة (Power Dynamics) عنصرًا جوهريًا في كل مرحلة من مراحل إنشاء وإدارة الأوقاف، حيث يظهر التفاوت في النفوذ والتأثير ضمن أربع مراحل أساسية:
أولًا: مرحلة تصميم الوقف
تتعلّق هذه المرحلة بمن يضع الرؤية التأسيسية للوقف، ويحدد غاياته وشروطه، ومدى إشراك العاملين والمجتمعات المستفيدة في القرار. غالبًا ما يتولّى المانحون أو الواقفون هذا الدور، مما قد يؤدي إلى تثبيت توجهات طويلة الأمد تقلّل من قدرة المنظمات التنفيذية على التكيّف أو إعادة التقييم. وتُطرح هنا أسئلة محورية حول:
الجهة التي تحدد الرؤية بعيدة المدى للوقف.
درجة إشراك الممارسين في القضايا الاجتماعية ضمن مرحلة التأسيس.
وجود أو غياب آليات مرنة تسمح بتعديل الغايات وتوجيهات الإنفاق.
ثانيًا: مرحلة إدارة الاستثمارات
تُظهر هذه المرحلة من يمتلك القرار في اختيار أدوات الاستثمار، وتحديد معايير المخاطرة والعائد، ومدى توافق الاستراتيجية الاستثمارية مع القيم الأساسية للجهة الوقفية. وغالبًا ما تتولى هذه المهمة جهة خارجية أو فريق متخصص، وقد تفتقر العديد من المنظمات إلى الكفاءات الضرورية لمراعاة اعتبارات مثل المساواة الاجتماعية. وتُثار هنا أسئلة جوهرية حول:
من يضع السياسات الاستثمارية ومن يراجعها.
كيف تُحتسب المخاطر، وهل تُدمج بها اعتبارات العدالة أو الحوكمة البيئية والاجتماعية.
مدى تمثيل مصالح المجتمع المستفيد في قرارات الاستثمار.
ثالثًا: مرحلة جمع التبرعات لصالح الأوقاف
في هذه المرحلة تتحدد طبيعة العلاقة بين الجهة الوقفية والمانحين، حيث يعتمد بناء الأوقاف غالبًا على عدد محدود من التبرعات الكبرى، ما يُعيد تشكيل توازنات النفوذ داخل المنظمة. ويتطلب هذا التحول وعيًا بالتحديات المرتبطة بـ:
تأثير التمويل المتمركز على رسالة المنظمة ومرونتها.
تغيّر الروابط مع القواعد المجتمعية التقليدية.
قدرة المنظمة على إدارة علاقات التمويل طويلة الأجل ضمن أطر حوكمة عادلة.
رابعًا: مرحلة إنفاق عوائد الوقف
يُمثل هذا الجانب أكثر نقاط الاحتكاك وضوحًا في موازين القوة، إذ تُحدّد سياسات الإنفاق مسبقًا في كثير من الأوقاف بطريقة قد تُقيد قدرة المنظمات على الاستجابة للاحتياجات المتغيرة. ويُسائل هذا الوضع:
مدى إشراك الجهات المستفيدة في وضع سياسة الإنفاق.
حدود الصلاحية الممنوحة للإدارة التنفيذية.
كفاءة قنوات التغذية الراجعة (feedback loops) في تعديل الإنفاق وفق مستجدات الواقع الاجتماعي.

أولًا: تصميم الوقف
عادةً ما يبدأ تصميم صندوق الوقف بمساهمة كبيرة من واقف رئيسي (أو مجموعة واقفين) لديهم اهتمام بدعم رسالة الجهة غير الربحية، مع التركيز على الاستدامة والأثر بعيد المدى المرتبطين بفكرة الوقف.
وفي بعض الحالات، يتدخل هؤلاء الواقفون في صياغة الرؤية المستقبلية للوقف، وقد يضعون شروطًا مقيّدة لكيفية استخدام عوائده، مما يؤدي إلى تثبيت خيارات استراتيجية منذ البداية تُقلّص من قدرة الجهة الوقفية على إعادة التقييم أو التكيّف مع الظروف المتغيرة.
هذا الوضع يطرح أسئلة حيوية لفهم ديناميات القوة في مرحلة التصميم، منها:
من يضع الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد للوقف؟
هل هي نابعة من الفاعلين الاجتماعيين والمجتمع المحلي؟ أم أنها تُفرض من جانب الواقفين؟ وما مدى تأثير ذلك على مرونة الجهة المنفذة؟
كيف يُشرك الممارسون والمختصون في المجال الاجتماعي ضمن عملية التأسيس؟
وهل يتم تمكينهم فعليًا ليكون لهم دور حقيقي في رسم التوجهات، أم يُكتفى بمشورتهم كجزء شكلي من الإجراءات؟
ما هي هياكل الحوكمة التي تُوضع منذ البداية؟
وهل تُمكّن هذه الهياكل من استيعاب التغيرات، وإعادة توجيه الوقف بناءً على المعرفة المتجددة من الميدان؟
هل توجد آليات راجعة (Feedback Mechanisms) تسمح للموظفين والمجتمعات المستفيدة بالمشاركة في اتخاذ القرارات المستقبلية حول الوقف، أو مراجعة أولوياته بناءً على المستجدات؟

ثانيًا: إدارة استثمارات الوقف
تتفاوت ديناميات التأثير في إدارة استثمارات الوقف بحسب الجهة المسؤولة عن اتخاذ القرار؛
ففي بعض الحالات، تتولى شركات خارجية متخصصة إدارة المحافظ الوقفية، بينما تعتمد جهات أخرى على فرق داخلية من داخل الكيان الوقفي ذاته.
وتُظهر البيانات أن 62٪ من الجهات غير الربحية لا تستعين بمديرين خارجيين محترفين، مما يعني أن قرارات مالية محورية تُتخذ أحيانًا دون إشراف متخصص، وقد يؤثر ذلك على جودة الأداء الاستثماري.
وتعتمد كفاءة توظيف أموال الوقف على عدد من العناصر، منها:
الجهة المشرفة على القرارات، والضوابط المفروضة على رأس المال الموقوف، إضافة إلى السياسات الاستثمارية، وإدارة المخاطر، وآليات التنفيذ والمتابعة.
تشكل هذه العناصر مجتمعة هياكل حوكمة قد تؤدي إما إلى تمركز القرار لدى فئة محدودة، أو إلى نماذج أكثر شمولًا تراعي التوازن المجتمعي، وعدالة توزيع الفرص، وتمثيل وجهات النظر المتنوعة.
غير أن الواقع يشير إلى أن كثيرًا من ممارسات إدارة الاستثمارات تسير بمعايير سوقية تقليدية، لا تُعير اهتمامًا كافيًا لتمثيل التنوع المجتمعي في قيادة الصناديق الاستثمارية، كاستبعاد الصناديق التي يديرها أشخاص جدد – والتي ترتفع فيها نسبة المشاركة النسائية – أو تجاهل البيانات التفصيلية حول أثر الاستثمار على فئات المجتمع المختلفة.
ومن هذا المنطلق، فإن المواءمة بين فلسفة الوقف واستراتيجياته الاستثمارية تتطلب وعيًا منهجيًا متقدّمًا، ورؤية تتسق مع رسالة الوقف، إلى جانب وجود أدوات مالية متخصصة، وخبرات قادرة على تقييم الأثر المجتمعي للاستثمار، وهي موارد قد تكون بعيدة المنال عن كثير من الجهات غير الربحية محدودة الإمكانات.
أسئلة تحليلية لفهم ديناميات القرار في إدارة استثمارات الوقف:
من يحدد معايير قياس الأداء الاستثماري؟ وما المؤشرات والسياسات التي تُستخدم لتقدير العوائد والمخاطر؟
ما طبيعة السياسات الحاكمة لإدارة الأصول؟ ومن وضعها؟ وهل تراعي خصوصية القطاع غير الربحي وأهداف الوقف الشرعي والاجتماعي؟
من الجهة المسؤولة عن نتائج الأداء المالي؟ وهل توجد آليات واضحة للمساءلة والمراجعة؟
من الأطراف المشاركة في اتخاذ القرارات الاستثمارية؟ وهل تُمثل مصالح الجهة الوقفية بواقعية وشمول؟
كيف تُدمج الاعتبارات المجتمعية المتنوعة عند تحليل الخيارات الاستثمارية؟ وهل تراعي التوازن والعدالة في التمثيل؟
هل تتضمن سياسات المخاطر تقييمًا يُراعي تباين الخبرات وتنوع نماذج الإدارة، ومنها الصناديق الناشئة أو المدارة من كفاءات وطنية شابة؟
إلى أي مدى تتسق استراتيجيات الاستثمار وإدارة المخاطر مع الرسالة الجوهرية للوقف، لا سيما فيما يتعلق بخدمة المجتمع بعدالة واستدامة؟

ثالثًا: جمع التبرعات لصالح الأوقاف
يختلف جمع التبرعات لصالح الأوقاف بشكل جذري عن جمع التبرعات التشغيلية من الأفراد، رغم أن التبرعات الفردية تظل في كثير من الأحيان المصدر الأساسي لإيرادات منظمات القطاع غير الربحي.
وتشير تقارير شركة "Global Philanthropic" إلى أن الاتجاه نحو تأسيس الأوقاف يتطلب تحوّلًا استراتيجيًا في أساليب جمع التبرعات، يُركّز على استقطاب عدد أقل من المانحين ذوي المساهمات الكبيرة بدلاً من الاعتماد على قاعدة واسعة من المتبرعين الصغار.
ورغم أن هذا التحوّل قد يبدو حياديًا من الناحية المالية، إلا أنه يُنتج أنماطًا جديدة في توزيع النفوذ والقرار داخل المنظمة، وقد يؤدي إلى تغير في علاقتها مع مجتمعها المحلي، ومع جمهورها التقليدي من الداعمين.
أسئلة تحليلية لفهم ديناميات التحوّل في جمع التبرعات لصالح الأوقاف:
كيف يمكن أن تتأثر رسالة المنظمة أو أولوياتها الاستراتيجية إذا أصبح الاعتماد الأكبر على التبرعات الكبرى المخصصة للوقف؟ وهل قد يؤدي ذلك إلى توجيه غير مباشر للبرامج نحو ما يفضّله كبار المانحين؟
ما الآثار المحتملة على سمعة المنظمة وموقعها في المجتمع إذا شعر الداعمون الأفراد بتراجع الحاجة لمساهماتهم الصغيرة؟ وهل يؤدي ذلك إلى انكماش القاعدة المجتمعية للمنظمة على المدى البعيد؟
هل تمتلك المنظمة البنية التحتية، والكفاءات البشرية، والموارد الفنية اللازمة لإدارة التحول إلى نموذج التمويل الوقفي بكفاءة ومهنية؟
كيف يؤثر وجود وقف فاعل على العلاقة المستقبلية مع الجهات المانحة؟ وهل يعزّز الثقة باستدامة المنظمة، أم قد يُفسَّر من بعض الجهات على أنه يقلل من حاجتها للدعم؟

رابعًا: إنفاق عوائد الوقف
يُعد إنفاق عوائد الاستثمار من أبرز الجوانب التي تظهر فيها توازنات القوة داخل البنية الوقفية، لكونه المجال الأكثر حساسية من حيث التطبيق العملي لتوجهات الوقف، والأوضح في إبراز الفجوة بين من يضع السياسات ومن يطبقها.
فبحكم طبيعتها، تُعد الأوقاف أموالًا مقيدة بشروط وضوابط محددة، وغالبًا ما يتم تثبيت تلك الشروط من قِبل "الواقف المؤسس" خلال مرحلة التأسيس الأولى، مما يخلق قيودًا صارمة على الجهة الوقفية،
وقد يُقيد من قدرتها على اتخاذ قرارات مرنة تتوافق مع الواقع المتغير، أو مع الأولويات الجديدة التي قد تفرضها المستجدات الاجتماعية أو الاقتصادية.
وفي غياب هياكل حوكمة تتيح مراجعة دورية للسياسات، قد تُصبح تلك القيود أداة تُجمّد القرار داخل المنظمة، وتحدّ من دور القيادات التنفيذية في توجيه الموارد نحو الاحتياج الأجدر أو الأنفع.
أسئلة تحليلية لفهم ديناميات القوة في إنفاق عوائد الأوقاف:
إلى أي مدى أسهمت الجهة الوقفية والمجتمع الذي تخدمه في صياغة سياسة الإنفاق المعتمدة في وثائق الوقف الأساسية؟
هل تتمتع سياسة الإنفاق بالمرونة الكافية لتمكين القيادة التنفيذية من اتخاذ قرارات مدروسة، أم أنها مُقيّدة بنصوص جامدة لا تسمح بالتكيّف مع التحولات؟
ما الآليات الراهنة التي تضمن وجود تغذية راجعة (Feedback Loops) بين مجالس الإدارة أو اللجان المتخصصة، بحيث تُراجع سياسات الإنفاق بناءً على التجربة العملية والتغيرات في البيئة المؤسسية والمجتمعية؟

اعتبارات في تصميم الأوقاف
تتميّز الأوقاف بقدرتها الفريدة على دعم الاستدامة المالية للجهات غير الربحية، إذ تتيح لها قاعدة صلبة للتخطيط والنمو والتركيز على رسالتها، لا سيما في البيئات شديدة التقلب أو شحيحة الموارد.
غير أن الوقف، رغم قيمته المالية، ليس أداة محايدة من منظور ديناميات السلطة؛ فكل قرار يُتخذ في مرحلة التأسيس – من تحديد الأهداف إلى وضع القيود – ينطوي ضمنًا على إجابات عن أسئلة عميقة تتعلق بمن يحدّد الأولويات، ومن يتحكم في الموارد، وقيم من هي التي تُرسّخ في مستقبل الجهة المستفيدة.
أولًا: من يُشكّل ملامح المستقبل؟
غالبًا ما تعكس قرارات تصميم الأوقاف تفضيلات أصحاب رأس المال (الواقفين أو الممولين) أكثر مما تعكس معرفة الجهات العاملة ميدانيًا، وتُبنى الشروط والضوابط في ضوء تصورات خاصة عن المخاطر والعائد، قد لا تتسق مع احتياجات المجتمعات المستفيدة أو تحوّلات الواقع.
ثانيًا: الوقف والديمومة مقابل التكيّف
الطبيعة "الدائمة" للوقف تمنحه قوة استثنائية في الاستمرارية،لكنها قد تعيقه عن التكيف مع التغيرات الاجتماعية أو المؤسسية.
فالتثبيت المبكر للغايات وآليات الصرف قد يمنع المنظمة من إعادة تخيّل دورها استجابة للواقع المتغير.
ثالثًا: قرارات بنيوية لا تُراجع بسهولة
القيود والحوكمة وسياسات الإنفاق والاستثمار توضع غالبًا في البدايات، لكنها – في غياب آليات مراجعة فعّالة – قد تُقيّد المنظمة لعقود، وتمنعها من التحديث والتطوير بما يتماشى مع رسالتها الحقيقية.
رابعًا: المفارقة الكبرى – الاستدامة مقابل السيادة
باسم "الاستدامة"، قد تتنازل الجهة غير الربحية – دون وعي – عن سيادتها على مستقبلها.
وقد يتحوّل الوقف إلى أداة تركّز النفوذ لدى أصحاب المال، وتُقصي العاملين والمجتمعات من دوائر القرار، حتى لو كانت النية الأصلية للواقف نية خيرية.
خامسًا: خطر إعادة إنتاج التفاوتات
إذا لم تُصمم الأوقاف بعناية ومساءلة، فقد تُعيد – بشكل غير مقصود – إنتاج البُنى الإقصائية نفسها التي تسعى الجهة غير الربحية إلى مواجهتها.
ومن هنا، تأتي الحاجة الملحة لهياكل حوكمة عادلة، وللالتزام بالمراجعة والتكيّف المستمر.

دعوة للتأمل والتحرّك
حين ندرك أن الوقف لا يحدد فقط ما الذي يمكن تمويله، بل يحدد أيضًا من يمتلك القرار، تتحوّل عملية تصميمه من إجراء إداري إلى لحظة فارقة في تشكيل مستقبل المنظمة وهويتها.
فلا يكفي أن نبني من أجل "الاستمرار"، بل لا بد أن نبني من أجل "المرونة" و"العدالة".
نحتاج إلى هياكل حوكمة قابلة للمراجعة، تسمح بإعادة التقييم والتحديث مع تغيّر الزمن وتجدّد الفاعلين، خصوصًا في المنظمات التي تعمل عند خطوط التحول الاجتماعي العميق.
على الممولين والمانحين وأصحاب الأصول أن يتعاملوا مع الوقف ليس بوصفه أداة استثمارية، بل بوصفه عقدًا طويل الأمد لتقاسم السلطة، يتطلب تصميمًا يراعي التنوع في الرؤى، ويُدرج آليات مستدامة للتعلّم وإعادة الضبط.
فحين يُصمَّم الوقف بروح الانفتاح، يُصبح أكثر من مجرد وسيلة لحفظ الأموال، ويتحوّل إلى منصة تُمكّن المجتمعات من النمو معًا، وتُعيد توزيع السلطة بما يُعزز الاستدامة الحقيقية.
إن القيمة العميقة للوقف لا تكمن في "ما يحفظه"، بل في عدالة المستقبل الذي يفتحه.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top