في بيئة العمل غير الربحي، التي تُبنى على قيم العطاء والرسالة، يظن كثيرون أن التعب النفسي أمرٌ لا يستحق التوقف عنده. غير أن الواقع يثبت العكس: من يعمل في هذا القطاع معرض بشكل كبير لما يُعرف بالإرهاق العاطفي، وهي حالة نفسية تتسلل بهدوء، ثم تعصف بالفرد على مستوى التفكير والمشاعر والسلوك.
الإرهاق العاطفي لا يُصيب العاملين في الخطوط الأمامية فحسب، بل يتعدى ذلك إلى المديرين، والمخططين، وحتى المتطوعين. وقد يكون من أهم أسباب انخفاض الأداء، واضطراب العلاقات المهنية، والتسرب من القطاع.
تستند هذه المقالة إلى مراجعة طبية منشورة في موقع Medical News Today، وقد خضعت لمراجعة علمية في يناير 2025 من قِبل المختصة النفسية الدكتورة بيثاني جوبي.
ما هو الإرهاق العاطفي؟
الإرهاق العاطفي هو حالة من الاستنزاف النفسي المزمن، تنشأ غالبًا نتيجة التعرض المستمر لضغط عاطفي أو مسؤوليات تفوق قدرة الفرد على التحمل. تتمثل أعراضه في الشعور بالإرهاق الذهني، وانعدام الدافعية، وضعف التركيز، والتشاؤم، والانفصال العاطفي عن الآخرين. وقد يترافق ذلك مع أعراض جسدية مثل اضطرابات النوم، تغيّرات الشهية، آلام الرأس أو المعدة، وتسارع نبضات القلب.
ما يميز الإرهاق العاطفي عن مجرد التعب العابر، هو أنه يتراكم بمرور الوقت ويؤثر بشكل مباشر على جودة العلاقات، والقدرة على اتخاذ القرارات، وكفاءة الأداء الوظيفي.
الفئات الأكثر عرضة للإرهاق العاطفي
رغم أن الجميع قد يمر بلحظات من الضغط، فإن بعض الفئات في القطاع غير الربحي تُعد أكثر عرضة للإصابة بهذه الحالة، ومن أبرزهم:
-
العاملون في المواقف الإنسانية الحساسة مثل تقديم الدعم الاجتماعي أو النفسي أو الإغاثي.
-
من يعيشون تجارب يومية مرهقة دون فترات كافية للراحة أو التقدير.
-
الأشخاص ذوو النزعة الكمالية الذين يسعون لتحقيق نتائج مثالية بشكل دائم.
-
الأفراد الذين يعانون من الوحدة أو ضعف شبكة العلاقات الاجتماعية.
-
أولئك الذين يهملون العناية الذاتية في خضم التزاماتهم المهنية.
دراسات متعددة، منها دراسة منشورة في عام 2022، أظهرت أن الكمالية النقدية الذاتية تُعد مؤشرًا رئيسًا للإرهاق العاطفي لدى الأطباء. كما ربطت دراسة أُجريت عام 2024 بين الإجهاد الذهني الناتج عن التنقل اليومي إلى العمل وبين ازدياد حالات الإرهاق العاطفي لدى الموظفين.
الأسباب الشائعة
الإرهاق العاطفي قد ينتج عن تراكم عوامل حياتية ومهنية، منها:
-
ضغوط مالية مستمرة
-
العمل في بيئات عالية التوتر أو طويلة الساعات
-
تعدد المسؤوليات بين الأسرة والعمل والدراسة
-
التعرض لفقد شخصي أو تغييرات حياتية كبيرة
-
الإحساس بفقدان السيطرة على مجريات الحياة
وفي كثير من الأحيان، لا يعود السبب إلى حدث مفاجئ، بل إلى نمط مستمر من الإنهاك والتجاهل للإشارات النفسية المبكرة.
التأثيرات على الأداء والعلاقات
تُظهر الدراسات أن الإرهاق العاطفي لا يؤثر فقط على الحالة النفسية، بل يمتد إلى العلاقات الاجتماعية والبيئة المهنية. ومن أبرز آثاره:
-
ضعف التواصل العاطفي مع الآخرين
-
انخفاض الحماس تجاه العمل والرسالة
-
تراجع الأداء وزيادة الغياب أو التأخير
-
الانعزال الاجتماعي والشعور بعدم الجدوى
-
تدنّي احترام الذات وكثرة لوم النفس
كل هذه المؤشرات إذا تُركت دون معالجة، قد تدفع بعض العاملين لمغادرة القطاع رغم حبهم له.
استراتيجيات التعامل والوقاية
لا توجد وصفة واحدة تصلح للجميع، لكن هناك مجموعة من الممارسات التي أثبتت فعاليتها في الحد من الإرهاق العاطفي:
-
تقليل مصادر الضغط، وتفويض المهام، والتدرج في الالتزامات
-
تخصيص وقت منتظم للراحة، والتأمل، والأنشطة التي تمنح الفرد شعورًا بالاسترخاء
-
الحفاظ على نمط حياة صحي يشمل الغذاء المتوازن، والنوم الكافي، والنشاط البدني
-
تجديد العلاقات الاجتماعية، والحرص على لقاء الأصدقاء أو الانضمام لمجموعات مجتمعية
-
مواجهة الأفكار السلبية بتفكير منطقي واقعي، دون مقارنة الذات بالآخرين
في بعض الحالات، قد يكون من المناسب طلب دعم نفسي متخصص، سواء من خلال الاستشارة الفردية أو برامج الدعم المؤسسي.
ما الذي يعنيه هذا للقطاع غير الربحي؟
الاعتراف بوجود الإرهاق العاطفي، والعمل على الوقاية منه، ليس رفاهية في بيئة العمل، بل ضرورة لصحة المنظمات واستدامة أثرها. وجود سياسات واضحة للعناية النفسية، وتشجيع الموظفين على أخذ فترات راحة، وتوفير بيئة داعمة، كل ذلك يساهم في حماية المورد الأهم في المنظمات: الإنسان.
إن رعاية القيم لا تتحقق فقط عبر المشاريع، بل أيضًا عبر الاعتناء بمن يحمل هذه القيم يوميًا في الميدان.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
