في ثلوثية المشوح.. خالد الخضير يستعيد سيرة الأب الذي جعل التعليم مشروع وطن

ع ع ع


في أمسيةٍ عامرةٍ بالوفاء والذاكرة والضوء، استضافت ثلوثية الدكتور محمد المشوح مساء الثلاثاء 28 أكتوبر 2025م رئيس مجلس أمناء جامعة اليمامة الأستاذ خالد بن محمد الخضير، في لقاءٍ خصّص لاستعراض سيرة والده الراحل الشيخ محمد بن إبراهيم الخضير – رائد التعليم الأهلي في المملكة ومؤسس مدارس التربية النموذجية – من خلال كتابه الذي صدر بعنوان «رحلة بين قرنين».

قدم اللقاء وأدار الحوار الأستاذ سهم الدعجاني كاتب الرأي بصحيفة الجزيرة ومدير مركز حمد الجاسر الثقافي والمشرف العام على خميسية حمد الجاسر الثقافية.

تحوّل اللقاء إلى جلسةٍ مفتوحةٍ بين جيلٍ صنع بدايات التعليم الأهلي في المملكة، وجيلٍ يواصل رسالته اليوم عبر مؤسسات تعليمية واقعية ومؤثرة. في ذلك المجلس المفعم بعبق الكتب والمبادرات الثقافية، بدا واضحًا أن الحديث عن الشيخ الخضير لا يقتصر على تاريخ رجلٍ واحد، بل يمتد ليحكي قصة وطنٍ تعلّم بصبره قبل أن يتعلّم بمدارسه.


من مجلس القاضي إلى مجلس العلم

استهلّ اللقاء الدكتور محمد المشوح بقصةٍ وردت في الكتاب تُعدّ جوهر التحول في حياة الشيخ الخضير، حين كان طفلًا يلاحظ اهتمام والده بضيوف المجلس، لكنه أدرك أن الاحتفاء الأكبر كان يُقدَّم لرجلٍ واحد هو “القاضي”. عندها سأل والده عن سرّ التقدير، فأجابه: “لأنه تعلّم”. تلك اللحظة – كما وصفها المشوح – كانت الشرارة الأولى التي جعلت الصبي محمد يدرك أن طريق الرفعة يمر عبر التعليم.

من تلك اللحظة تشكّلت بذرة السعي، فكانت رحلته من رياض الخبراء إلى الرياض رحلة كفاحٍ استغرقت عشرة أيام فوق شاحنة محمّلة بخشب الأثل، في سبيل طلب العلم. كانت المملكة آنذاك على أعتاب نهضةٍ شاملة، والشيخ الشاب جزء من جيلٍ آمن بأن التعلّم واجب وطني قبل أن يكون طريق رزق.


أرامكو… المدرسة الأولى

وفي كلمته التي استعاد فيها فصول السيرة، تحدّث الأستاذ خالد الخضير عن بدايات والده قائلاً:

“كان التعليم بالنسبة له أكبر من وظيفة، كان رسالة حياة. حتى آخر ليلةٍ في عمره، كنا نتعشى معًا وكان حديثه كله عن التعليم”.

يروي الابن أن والده عمل في شركة أرامكو في بداياتها، وهناك تعرّف على بيئة العمل المنظم، وتعلّم الإنجليزية، والتحق ببرامج التعليم المسائي حتى أصبح معلّمًا للعمال السعوديين. من هناك بدأت تجربته في التعليم المؤسسي، ومنها انتقل إلى مشروع الخرج الزراعي حيث أسس أول مدرسة ليلية في المنطقة. كانت تلك التجربة بمثابة مختبرٍ مبكر لفكرة التعليم الأهلي المنظم.


من مقاولات البناء إلى بناء الإنسان

أشار الخضير في حديثه إلى أن والده لم يكن رجل أعمالٍ تقليديًا، بل “بدأ حياته كاتبًا ومعلّمًا، وفتح أول مكتبة في الخرج”. كان يرى في الورق حبرًا للتنمية، وفي الكتاب رصيدًا يتجاوز الأرباح. وحين أسس مدارس التربية النموذجية في الرياض، لم يكن الهدف تحقيق عائدٍ تجاري، بل بناء نموذجٍ مختلفٍ في بيئةٍ كانت لا تزال مترددة في تقبّل فكرة المدارس الأهلية – وخاصة مدارس البنات.

واجه الخضير الأب تحديات مالية صعبة، لكنه تمسك بمبدئه في أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان. يقول ابنه:

“كان أبي يعتقد أن العمل الذي لا يتعبك لا يستحقك، حتى لو كان مربحًا.”


إرث يتجدد بالوقف والتعليم

تحولت مدارس التربية النموذجية إلى مؤسسة تعليمية تضم اليوم أكثر من 35 ألف طالب وطالبة، يعمل فيها أربعة آلاف موظف وموظفة، وتملك نسبة معتبرة من أسهمها أوقاف محمد الخضير التعليمية، التي توسعت لتشمل صيانة المدارس الحكومية، وبناء المرافق التعليمية، ودعم المواهب الطلابية.

وأشار الأستاذ خالد إلى أن العائلة أطلقت مؤخرًا مشروع “مدرسة محمد الخضير النموذجية الحكومية” بالشراكة مع وزارة التعليم، وهي مدرسة نوعية تعتمد أسلوب “التعليم بالمشروعات” وتستهدف الطلاب الموهوبين من الجنسين، لتكون نموذجًا سعوديًا متفردًا يجمع بين الجودة الأكاديمية والمسؤولية الاجتماعية.


مداخلات حفلت بالتحليل والتقدير

شهدت الأمسية مداخلاتٍ ثرية من نخبة الأكاديميين والمفكرين.

فقد وصف معالي الدكتور عبدالواحد الحميد الشيخ الخضير بأنه “رجل استثمر في هوية الوطن قبل أن يستثمر في مؤسساته”، معتبرًا أن تجربته تمثّل نموذجًا لرائد جمع بين التعليم الأهلي والعمل الوقفي.

فيما دعا الحضور خلال مداخلاتهم إلى إعادة طباعة الكتاب واستكمال فصوله لتشمل مرحلة تأسيس جامعة اليمامة بوصفها الامتداد الطبيعي لفكر الشيخ المؤسس.

كذلك أشاد الحضور بما وصفه بـ“ثقافة التساؤل” التي ميّزت الشيخ الخضير منذ صغره، معتبرًا أن السؤال كان أداته الأولى للمعرفة، والإرادة كانت وسيلته لتغيير الواقع.

التعليم كعملٍ غير ربحي

جاءت المداخلات لتؤكد أن تجربة الخضير لم تكن مشروعًا تجاريًا بل نموذجًا مبكرًا للاستثمار الاجتماعي في التعليم، يلتقي في جوهره مع فلسفة القطاع غير الربحي اليوم. فالمدارس التي أنشأها كانت تعيد أرباحها إلى برامجها، والوقف الذي خلّفه تحوّل إلى مؤسسة خيرية تخدم التعليم الحكومي وتدعم الموهوبين.

من هذه الزاوية، يقرأ البنك الثالث إرث الخضير باعتباره نموذجًا سعوديًا أصيلًا يترجم رؤية المملكة في بناء قطاعٍ غير ربحي قائم على التعليم والتنمية البشرية.

بين قرنين… ورؤية تمتد

انتهت الأمسية كما بدأت، بالعلم الذي جمع بين الأجيال الثلاثة. في ختام اللقاء قال خالد الخضير:

“من أراد أن يستثمر في التعليم، فليكن تعليمه نوعيًا، فالدولة قدّمت الأفضل في التعليم العام، ودورنا أن نكمل البناء بالجودة والتميز.”

هكذا بدا أن “رحلة بين قرنين” ليست مجرد عنوان كتاب، بل رحلة وطنٍ بين جيلٍ حمل الأثل على كتفه وجيلٍ يحمل الحاسوب في يده، وبينهما رسالة واحدة: أن العلم هو الطريق الأطول لكنه الأجمل.


تؤكد هذه التجربة أن التعليم الأهلي والوقف المعرفي ليسا بديلين عن العمل الخيري، بل أحد أرقى صوره وأكثرها استدامة. وأن إرث الشيخ محمد الخضير وأسرته يقدم درسًا خالدًا لكل مؤسسة غير ربحية:

الإنجاز العظيم لا يولد من رأس المال، بل من رأسٍ مفعم بالإيمان بأن التعليم هو أعظم الصدقات الجارية.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top