من سدّ الذرائع إلى فتحها: قراءات شرعية في قرارات غير ربحية

ع ع ع

في كل مؤسسة غير ربحية، هناك قرارات تُتخذ قبل أن تُكتب، وحدود تُرسم لا في اللوائح، بل في الضمير.
فحين يضع القادة أيديهم على مشروع جديد، أو مبادرة جريئة، لا تكون المعضلة في الإجراءات، بل في سؤالٍ داخليّ:
هل هذا الفعل سيفتح بابًا للخير، أم منفذًا لمفسدة؟

هنا يظهر أحد أعمق المفاهيم التي شكّلت الوعي الإسلامي في فهم الواقع:
سدّ الذرائع وفتحها.

فـ"الذريعة" ليست إلا وسيلة، طريق، فكرة قد تؤدي إلى شيء أعظم منها.
وفي الفقه، سُدّت الذرائع أحيانًا خوفًا من الوصول إلى الحرام، وفُتحت أحيانًا أخرى إذا أدّت إلى مصلحة راجحة.
لكن هل هذا المفهوم محصور في الجوامع؟
أم أنه يعيش اليوم في كل لجنة تنفيذية؟ في كل مداولات الجمعيات؟ في كل شراكة نُفكّر في قبولها أو رفضها؟

ما نحاول طرحه في هذا المقال ليس تكرارًا لقاعدة أصولية، بل قراءة جديدة لها في ضوء تحديات القطاع غير الربحي،
حيث القرارات لا تُقاس فقط بنصوص اللوائح، بل بمآلاتها على الناس، والثقة، والمجتمع.


حين تصطدم النية الطيبة بجدار القرار

في عالم العمل غير الربحي، القرارات لا تُتخذ في غرف اجتماعات باردة، بل تُولد من توترٍ بين رغبةٍ في الخير، وخوفٍ من الانزلاق.
كل يوم، نُحاصر بأسئلة لا تُقال:

  • هل هذا الأسلوب في جمع التبرعات مناسب؟

  • هل نُظهر أرقامنا؟ أم نخشى أن يُساء فهمها؟

  • هل نُدخل شركة تجارية معنا في مشروع ذي طابع قيمي؟

ليست الأسئلة جديدة، لكن طريقة التفكير فيها هي التي تُحدد وجهتنا.
وهنا، تبدأ حكايتنا مع قاعدة ظننا يومًا أنها تخص الفقهاء، بينما هي تسكن كل قرار إداري نتخذه دون أن نشعر.

سدّ الذرائع... حين نحذر من أنفسنا

ليست كل ذريعة تُغلق خوفًا من حرام، بعض الذرائع تُغلق خوفًا من الجرأة.

في بعض الجمعيات، تُمنع فرق الإعلام من تصوير المشاريع، خشية أن يُقال إننا نُتاجر بآلام الناس.
وفي أخرى، يُمنع الموظف من التفاعل المباشر مع المستفيدين، حتى لا يُتهم بالمحاباة أو الاستغلال.
تبدو هذه التعليمات حكيمة… حتى تتراكم، فتُصبح الجدران عالية، وينكفئ الأثر تحت مظلة الاحتياط.

في الظاهر، نحن نحمي العمل.
وفي الباطن، نحن نسجنه باسم الخوف.
لا أحد يُنكر أن بعض الأبواب يجب أن تُغلق، لكن هل أُحكمنا إغلاقها حتى لم نعد نرى النور؟
في لحظة ما، يتحول سد الذرائع من حكمة نادرة إلى حيلة جاهزة لكل تبرير.

والأخطر: أن تغلق بابًا ظننته يفضي إلى الشر، في حين أنه كان الممر الوحيد إلى الخير.

القرارات التي لا تتنفس الشجاعة، تختنق بالتردد، ولو وُلدت من نية حسنة.


فتح الذرائع... حين يجرؤ الخير على المرور من نفق الشبهة

هناك قرارات لا تجد لها سندًا في القوالب المعتادة، لكنها حين تقع، تُغير قواعد اللعبة.
وفي العمل غير الربحي، لا تتخذ دائمًا القرار المثالي، بل القرار الضروري… ذلك الذي يحمل ملامح المغامرة، لكن يُراد به أثر لا يُنكر.

تخيّل جمعية تقبل دعمًا مشروطًا من جهة ذات حضور تجاري ضخم، بشرط استخدام أساليب تسويقية مبتكرة.
القرار يُربك المجلس، وتظهر الهمسات:

"هل نخون مبادئنا؟ هل نُشوّه صورتنا؟"
لكن لو نظرنا بعمق، لوجدنا أن الوسيلة تُدار بحكمة، والنية محكمة، والنتيجة المحتملة تُغري بالتحمّل.

أحيانًا، تحتاج المؤسسة غير الربحية أن تتجاوز قلقها، وتدخل بشجاعة إلى منطقة "الممكن"، حيث النية الخالصة تقود التكتيك الذكي.

ومن الأمثلة:

  • التعاون مع مؤثرين لا ينتمون تمامًا إلى محيط الجمعية القيمي، لكنهم قادرون على إيصال الرسالة لجمهور جديد.

  • تخصيص موارد لتطوير محتوى إبداعي قد يبدو غير تقليدي لكنه يخلق وعيًا أوسع، وشراكات غير متوقعة.

الذريعة هنا ليست في الأصل مباحة، لكنها تؤدي إلى مصلحة معتبرة.
والمعركة ليست بين "الحرام والحلال"، بل بين الخوف من النقد، والثقة بحسن التقدير.

من لا يفتح بعض الذرائع بحكمة، سيبقى أسير الأسوار التي بناها بنفسه حول الأثر.


بين الخوف والشجاعة... تصاغ فلسفة القرار غير الربحي

ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح، وبعض القرارات تُتخذ بدروع الخوف لا بسيوف الشجاعة.
وفي القطاع غير الربحي، أخطر ما نُصاب به هو هشاشة في تقدير الأثر.

حين يُصبح السؤال الأول في كل اجتماع:

"هل هناك شبهة؟"
بدلًا من:
"هل هناك أثر؟"
فنحن لا نحكم بشرع الله، بل بشرع الخوف.

سد الذرائع مهم، وفتح الذرائع مشروع، لكن الأهم: من هو الذي يملك البوصلة؟

في مجلس الإدارة، تُتداول تقارير، وتُراجع ميزانيات، وتُناقش فرص.
لكن قلّ من يسأل:

  • هل هذا القرار يُعزز الثقة في المجتمع؟

  • هل يُنقذ مستقبل المبادرة؟

  • هل يُرضي القيم الجوهرية للجمعية، لا صورتها الخارجية فقط؟

القرار العظيم لا يحتاج فقط إلى حجج، بل إلى شجاعة عقل، ونقاء قصد، وجرأة قلب.
تمامًا كما أن الفتوى لا تصدر من حافظٍ للنص فقط، بل من عارفٍ بالواقع.

القرار العظيم ليس هو الآمن دائمًا… بل الذي يُضيء طريقًا لم يكن يُرى لولا نور البصيرة.


بوابات الخوف وممرات الأثر

القرار ليس أزرارًا نضغطها، ولا بنودًا في لائحة نختبئ خلفها.
القرار، في العمل غير الربحي، بوصلة أخلاقية قبل أن يكون إجراءً إداريًا.
ولأن الطريق إلى الأثر ليس معبّدًا دائمًا، سنحتاج أحيانًا أن نغلق أبوابًا، ونحتاج أحيانًا أكثر أن نفتح نوافذ في جدران لم تُصمَّم للضوء.

حين نغلق بابًا خوفًا من فتنة، فليكن ذلك بعد نظر، لا بعد ارتباك.
وحين نفتح نافذة نحو شراكة أو مخاطرة محسوبة، فلتكن يدنا على قلب الهدف، لا قلب السمعة.

في النهاية، ليست الذرائع هي ما يُسقط الجمعيات، بل الجمود الملبّس بلبوس الحكمة، والخوف الذي يُلبس نفسه لباس الورع.

وما بين سد الذرائع وفتحها، هناك فئة نادرة من القادة، لا تحكمهم فتوى جاهزة، ولا تُغريهم شجاعة متهورة،
بل يعرفون كيف يقرأون النص، ويُعيدون كتابته بلغة الأثر.

ما يُحرك عجلة العمل الخيري ليس كثرة الحذر، بل وضوح البصيرة، ونُبل المقصد، وجرأة محسوبة تفتح ممرات الخير، ولو عبرت من نفقٍ ضيق.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top