الذكاء الاصطناعي وجمع التبرعات ومستقبل المنظمات غير الربحية: ماذا يحمل عام 2026؟

ع ع ع

مع اقتراب عام 2026، لم يعد الذكاء الاصطناعي رفاهية تقنية أو موضوعًا للمؤتمرات فقط، بل أصبح جزءًا متزايد الحضور في عمل المنظمات غير الربحية، خصوصًا في مجالات جمع التبرعات، وكتابة المنح، وتحليل بيانات المتبرعين، ورفع كفاءة الفرق الصغيرة

في هذا المقال نستعرض ملامح هذا التحوّل، وما يفتحه من فرص وما يطرحه من تحديات على صعيد الحوكمة، والمهارات، والتمويل. 

يعتمد هذا النص على مقال منشور في مدونة Julep CRM بعنوان: AI, Fundraising, and the Future of Nonprofits: What 2026 Holds، وقد قمنا في «البنك الثالث» بترجمته ومواءمته مع حفظ الحقوق الأدبية للمؤلف والمصدر الأصلي.

مع اقترابنا من عام 2026، لم يعد الذكاء الاصطناعي فكرة مستقبلية للمنظمات غير الربحية؛ إنّه واقع حاضر، ينمو بسرعة، ويعيد رسم ما هو ممكن داخل هذا القطاع. لسنوات طويلة واجهت المنظمات غير الربحية معادلة قاسية: تمويل محدود، فرق عمل مُرهَقة، وطلب متزايد على الخدمات. اليوم ظهر سؤال جديد على طاولة مجالس الإدارة، ومكاتب تنمية الموارد، وفرق البرامج:

«هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا على إنجاز المزيد بموارد أقل… وبجودة أفضل؟»

الإجابة أصبحت تميل أكثر فأكثر إلى: نعم. لكن هذه الـ«نعم» مشروطة بتخطيط واعٍ، ومعايير واضحة، وعقلية تضع الإنسان في المركز أولًا.


تبنّي الذكاء الاصطناعي في القطاع غير الربحي: نقطة تحوّل

بحسب مشروع AI Equity 2025 فإن 65% من المنظمات غير الربحية تقول إنها مهتمة بالذكاء الاصطناعي. كما أن ما يقارب 90% من المنظمات ذات الرسالة المجتمعية المعلنة تستخدم شكلاً من أشكال الذكاء الاصطناعي، وحوالي ثلاثة أرباعها تقول إنها لاحظت تحسنًا حقيقيًا في الإنتاجية والكفاءة.

مع ذلك، لا تزال رحلة التبنّي في مراحلها الأولى لدى معظم المنظمات. التركيز ينصب غالبًا على الاستخدامات الداخلية مثل: أتمتة كتابة المنح، وبحوث المتبرعين، وتقارير الأثر، وهو ما يظهر بوضوح عند الفرق الصغيرة. أظهرت أبحاث مؤسسة Fast Forward أن المنظمات الأصغر هي الأكثر جرأة في التبنّي، حيث تستفيد من الأدوات الجاهزة ونماذج الذكاء الاصطناعي المخصصة والمُدرَّبة على بيانات متاحة للعامة لتبسيط عملياتها.

لكن مستوى الاهتمام يتجاوز بكثير مستوى الجاهزية. فقط 9% من المنظمات غير الربحية تشعر بالثقة في قدرتها على تبنّي الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة. وثلثها لا يرى بعد كيف يمكن أن يتقاطع الذكاء الاصطناعي مع رسالتها الأساسية. وأقل من نصف هذه المنظمات تمتلك سياسة واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي أو لإطاره الأخلاقي.

ومع ازدياد سهولة الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، بدأت المنظمات في التجريب ودمج الأدوات الجديدة في عملها. معظمها يبدأ بخطوات صغيرة، يراقب النتائج، ثم يوسّع ما يثبت نجاحه.


من الفكرة إلى القدرة: كيف يصنع الذكاء الاصطناعي أثرًا حقيقيًّا؟

المنظمات غير الربحية لا تكتفي اليوم بـ«تجريب» الذكاء الاصطناعي؛ كثير منها بدأ يرى كيف يغيّر هذا التحول طريقة العمل من الجذور. والمثير أن هذا المستقبل لا يخصّ الكيانات الكبرى فقط؛ بل يُشقّ طريقه عبر منظمات صغيرة، مركّزة، قررت أن تبدأ بخطوات بسيطة، وتجرّب، ثم تُوسّع ما ينجح.

خذ مثال Pets for Patriots، حيث استخدمت المديرة التنفيذية بيث زيمرمان أداة ذكاء اصطناعي لتقليص وقت كتابة طلبات المنح بما يقارب 90%. ما كان يستغرق منها يومين كاملين أصبح يُنجَز في بضع ساعات فقط. النتيجة؟ عدد أكبر من الطلبات المقدَّمة، تمويل أكثر، ووقت إضافي يمكن استثماره في الاستراتيجية وبناء العلاقات.

وفي مدرسة Prospect Sierra ساعدت أداة ذكاء اصطناعي فريق العمل على توليد تقارير آنية عن المتبرعين المحتملين، كانت تستغرق سابقًا ساعات من البحث اليدوي. بدل التنقل بين قواعد البيانات وتجميع الملاحظات قطعة قطعة، أصبح باستطاعة فرق تنمية الموارد تركيز جهدها على التواصل الشخصي مع المتبرعين.

أما منظمة Anthos Home المتخصصة في الإسكان في نيويورك، فتستخدم الذكاء الاصطناعي لمواءمة المتقدمين مع الشقق المتاحة بناءً على مزيج معقّد من الاحتياجات، وأنواع القسائم، والقيود الجغرافية. الذكاء الاصطناعي لا يتخذ القرار النهائي، لكنه يقدّم أفضل الخيارات على الطاولة، ليتمكن فريق العمل البشري من التركيز على مساعدة الناس بدل الغرق في الجداول والفرز اليدوي.

هذه الأمثلة ليست مشاريع خيالية أو تجارب فضائية؛ بل نماذج عملية، متاحة، وتزداد تكلفة تبنّيها معقولية يومًا بعد يوم. والأهم أنها تُحقق تحسينات ملموسة في الأثر، والوصول، واستدامة عمل المنظمات.

ما الذي يعيق المنظمات غير الربحية؟

رغم تصاعد وتيرة التبنّي، ما زالت هناك عوائق أساسية تعرقل المسار:


فجوات التمويل:
وفق تقرير AI for Humanity 2025 أفادت 84% من المنظمات غير الربحية بأنها تحتاج إلى استثمارات إضافية لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي. كثير منها أشار إلى زيادة في النفقات بعد البدء في استخدام هذه التقنيات، في حين أن عددًا قليلًا من المانحين يدعم مبادرات الذكاء الاصطناعي بشكل مباشر حتى الآن.


نقص المهارات:
معظم المنظمات غير الربحية لا تمتلك ميزانيات تدريب متخصصة في الذكاء الاصطناعي، ولا فرقًا تقنية مكرّسة لهذا الغرض. توظيف عالم بيانات غالبًا خارج القدرة المالية. ومع ذلك، توجد حلول بديلة مثل الشراكات التطوعية (Pro Bono)، وتدريب الطلاب، وبرامج التبرع بالوقت من مختصين في مجالات التقنية والبيانات.


المقاومة الثقافية:
قد يتوجّس بعض الموظفين من الأتمتة، أو يشعرون بالإرهاق من سرعة التغيير. هنا يأتي دور إدارة التغيير الواعية، وخطط تطبيق شاملة تشرك الفريق، وتشرح الفوائد، وتتيح مساحة للأسئلة والقلق الطبيعي.

والمانحون أيضًا أمامهم عمل يجب إنجازه. فبينما 81% من المؤسسات المانحة تقول إنها تجرب الذكاء الاصطناعي داخليًا، لا تتجاوز نسبة من يمولون أدوات الذكاء الاصطناعي للجهات المستفيدة من منحهم 5%. سدّ هذه الفجوة سيكون حاسمًا إذا أراد القطاع أن يفتح طاقة الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي.


دليل عمل للعام 2026 وما بعده

ماذا ينبغي لقادة المنظمات غير الربحية أن يفعلوا الآن؟


ابدأ صغيرًا… وأثبت القيمة:
اختر مسار عمل واحد فقط. جرّب أداة ذكاء اصطناعي منخفضة المخاطر؛ مثل مساعد في كتابة المنح أو منصة لبحوث المتبرعين. راقب ما يتغير في الوقت، والجودة، والنتائج، ثم ابنِ على ذلك تدريجيًا.


ضع سياسة واضحة لاستخدام مسؤول للذكاء الاصطناعي:
حتى لو كانت بسيطة في البداية. حدّد الحدود، وما هو مقبول وما هو مرفوض، والأدوات المسموح استخدامها، ووعِّ فريقك بهذه الضوابط.


استثمر في «نظافة البيانات»:
نماذج التنبؤ بالذكاء الاصطناعي لا تكون أفضل من جودة البيانات التي تتغذى بها. بيانات المتبرعين والبرامج يجب أن تكون نظيفة، موحّدة، وقابلة للاستخدام التحليلي.


أشرك المجتمع والمستفيدين:
اطلب التغذية الراجعة من الأشخاص الذين تخدمهم منظمتك. تأكد من أن أدوات الذكاء الاصطناعي تعكس احتياجاتهم، ولغاتهم، وتجاربهم المعيشة، لا أن تفرض عليهم منطقًا بعيدًا عن واقعهم.


ابنِ فريق الذكاء الاصطناعي بطرق مبتكرة:
فكّر في المتطوعين، والدعم التقني التطوعي، أو الشراكات مع الجامعات وبرامج طلاب التقنية والبيانات، كبوابة دخول أولية من دون أعباء مالية كبيرة.


صارح المانحين بما تحتاجه:
قدّم الذكاء الاصطناعي لا بوصفه «تكلفة إدارية إضافية»، بل كعامل مضاعِف للبرامج والأثر. اربط طلبك بأمثلة واضحة عن كيف يساهم في تعظيم الفاعلية، ورفع الكفاءة، وتحسين الاستدامة على المدى البعيد.


أداة قوية لتعزيز الكفاءة

الذكاء الاصطناعي ليس حلًا سحريًا لكل شيء… لكنه أيضًا ليس مجرّد ضجيج عابر. 

بالنسبة للمنظمات غير الربحية، يمثّل واحدة من أقوى الأدوات منذ عقود لدفع الابتكار المرتبط بالرسالة، وتخفيف الأعباء الإدارية، وتعظيم الأثر في الواقع، خصوصًا في أوقات شحّ الموارد.

المنظمات التي ستزدهر في 2026 وما بعدها ليست بالضرورة الأكبر حجمًا، بل الأكثر قدرة على التكيّف.
هذه الجهات لا تسأل فقط: 

«هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في كتابة منحة أفضل؟»
بل تطرح سؤالًا أعمق:
«كيف يمكن أن نعيد تخيّل نموذج عملنا كله لو كانت المعرفة متاحة بوفرة، والتنفيذ فوريًّا تقريبًا؟»

هذا المستقبل ليس بعيدًا خمس سنوات؛ إنه يُصنع اليوم، روبوت دردشة بعد آخر، وطلب منحة بعد آخر، وتوفيق ذكي بين مستفيد وبرنامج في كل مرة.


السؤال الأهم:
هل ستكون منظمتك من بين من استعدّ لهذا التحوّل… أم من يراقبه من بعيد؟

في ضوء هذا التحول يبدو الذكاء الاصطناعي أقلّ شبهاً بـ«خيار إضافي» وأكثر قرباً من كونه بنية تحتية جديدة للعمل غير الربحي. السؤال لم يعد: هل سنستخدم هذه الأدوات أم لا؟ بل: كيف نستخدمها بما يحمي رسالتنا، ويحترم المستفيد، ويعزّز ثقة المانحين بدل أن يعرّضها للاهتزاز. المنظمات التي تبدأ مبكرًا في تنظيم بياناتها، ووضع سياسات واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وبناء شراكات معرفية وتقنية واعية، ستكون الأقدر على تحويل هذه الموجة إلى فرصة لتعظيم الأثر لا إلى مصدر ارتباك جديد.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top