في عالم تتزايد فيه التحديات التي تواجه المنظمات غير الربحية، لا تكفي النوايا الحسنة وحدها لتحقيق الأثر المستدام. فالكثير من الجهات العاملة في هذا القطاع تقع – عن غير قصد – في أنماط متكررة من الأخطاء الاستراتيجية والتنظيمية تعيق نموها وتقلل من فعاليتها، رغم جهودها وتفاني فرقها.
في هذا السياق، تقدم الخبيرة الأمريكية
جيسيكا دافانزا، المتخصصة في الاستراتيجية والاتصال، قراءة نقدية حادة لستة من أبرز هذه الأخطاء، مستندة إلى خبرة تمتد لأكثر من عقدين في تطوير العلامات المؤسسية للمنظمات غير الربحية. نُشر المقال الأصلي على موقع
Round Square Strategy تحت عنوان:
بتاريخ 20 ديسمبر 2021م.
نُقدم في هذا النص ترجمة احترافية كاملة للمقال، مع الحفاظ على مضمونه الأصلي وحقوق مؤلفته، إيمانًا بأهمية تبادل المعرفة وتوسيع أفق الممارسات الجيدة في القطاع غير الربحي العربي.
أغمض عينيك. تخيّل سفينةً في عرض البحر، هيكلها مثقوب بمليون ثقب صغير. كل ثقب مغطى بلصقة جروح رقيقة في محاولة يائسة للبقاء طافية. موجة عاتية واحدة أخرى أو هبّة ريح قوية كفيلة بإغراق السفينة.
الآن افتح عينيك. تلك السفينة تُشبه حال عدد كبير جدًا من المنظمات غير الربحية اليوم. فمع وجود 1.5 مليون منظمة غير ربحية في الولايات المتحدة، تجمع أكثر من 471.44 مليون دولار سنويًا (بحسب بيانات عام 2020)، وتوظف واحدًا من كل عشرة عاملين، من السهل أن تفترض أن "المهام الكبيرة تعني مؤسسات قوية".
لكن اقضِ ساعة واحدة خلف الأبواب المغلقة في كثير من هذه المنظمات، وستجد عددًا لا يُحصى من الجمعيات الخيرية على وشك إطلاق قوارب النجاة.
لوقتٍ طويل جدًا، ظلت المنظمات غير الربحية تتبع نهج "اللصقة المؤقتة" في مواجهة الأمواج العاتية، دون أن تضع حلولًا جذرية تضمن لها مستقبلًا قويًا ومستدامًا.
وفي حين تغيّر العالم جذريًا خلال العقد الماضي — من تطور في سلوك المتبرعين إلى ثورة تقنية وخيرية — كانت استجابة الكثير من المنظمات بطيئة.
واليوم، تتخذ العديد من الجهات الخيرية قراراتها التشغيلية بناءً على إجراءات تقشفية قصيرة المدى، مما يكلّفها على المدى الطويل خسائر أكبر في الصلة بالواقع، والعلاقات، والسمعة، والإيرادات.
فكيف نكسر هذه الحلقة ونعيد توجيه دفة السفينة؟
فيما يلي ستة أخطاء جسيمة ترتكبها المنظمات غير الربحية — وكيف يمكن تجنبها.
1. الخوف من التركيز
بوصفها منظمات قائمة على رسالة، فإن الجهات غير الربحية مبرمَجة بطبيعتها على مساعدة أكبر عدد ممكن من الناس، في أكبر عدد ممكن من الأماكن.
ورغم أن عالمنا في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من الالتزام، إلا أن غياب الانضباط في تنفيذه يجعله ممارسة مؤسسية ضارة.
من كبرى المنظمات غير الربحية الوطنية إلى أصغر الجمعيات المجتمعية، نرى الواحدة تلو الأخرى تضع خططًا تشغيلية لا يمكن تنفيذها أو تحقيقها.
كثير من المنظمات تجمع كل أصحاب العلاقة الممكنين — وكل منهم يحمل أجندة مختلفة أو مشروعًا مفضلًا — لتُركّب خطة من 30 صفحة تعكس كل ما تقوم به المنظمة، وكل ما قد تقوم به يومًا ما.
في محاولة حسنة النية لإرضاء الجميع، تتحول هذه الخطط "الاستراتيجية" إلى خرائط طريق قائمة على التوافق، مليئة بالمسارات والطرقات الجانبية التي يصعب سلوكها جميعًا.
وهكذا، تتوزع الموارد المحدودة مسبقًا على عدد كبير جدًا من المجالات، مما يؤدي إلى تقدم تدريجي متواضع بدلًا من إحداث تغيير جذري فعّال.
ولكي تضع منظمتك غير الربحية على مسار نجاح مؤسسي دائم وأثر مستدام للرسالة، ابدأ أولًا بالتفكير في رؤيتك النهائية وسبب وجودك.
فكّر في نقاط القوة المؤسسية — ومع محدودية الموارد، ما الذي تقوم به بأعلى قدر من الكفاءة والخبرة؟ وأين تتقاطع قدراتك الجوهرية مع أعظم احتياجات جمهورك؟ هنا ينبغي أن تبدأ المحادثة.
قم بتعيين استراتيجي داخلي أو الاستعانة بمستشار خارجي للإشراف على العملية وضمان الموضوعية والمساءلة، مع تشكيل فريق صغير متعدد الوظائف يقود العملية ويوصي بالتوجهات.
وقبل الغوص في كل ما تقوم به، قيّم السوق وادرس السياق الأشمل: ماذا يحدث في البيئة الكبرى؟ وأين تكمن الفرص للتميّز، أو التعاون، أو النمو؟
اجمع آراء أصحاب العلاقة من خلال مقابلات شخصية و/أو بحوث كمية لإثراء الاتجاه المؤسسي — بحيث تُعطى الجماهير المهمة صوتًا مسموعًا، دون أن يُمنح الجميع حق التصويت.
حدد أهدافًا ملموسة قابلة للقياس، وتحلَّ بالشجاعة لتُعطي الأولوية للمبادرات المفصلية، وتُقلل أو تلغي الأنشطة التي لا تقربك من هذه النتائج.
ولا تنسَ أن تنشئ لوحة قياس واضحة ومرئية لجميع الموظفين، حتى يفهم كل فرد موقعه ضمن الصورة الأكبر، ويتمكن من مواءمة أدائه مع الرسالة، وتحسين الجهود بناءً على التقدم المحرز.
2. القيادة بلا قيادة
في هذه الأيام، نكاد لا نجد منظمة غير ربحية إلا وهي تفكر في تغيير قيادي، أو تمر به، أو انتهت منه للتو.
التغييرات المستمرة في المناصب العليا (C-Suite) إلى جانب التحديات المزمنة في تكوين مجالس الإدارة تُرهق المال والدافعية على حد سواء.
ونلاحظ تحديين رئيسيين يتكرران عند الحديث عن القيادة في المنظمات غير الربحية:
أولًا: وجود عدد كبير جدًا من القادة التنفيذيين... لا يقودون
وبشكل خاص، نرى العديد من الرؤساء التنفيذيين مشلولي الحركة عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرار.
الموظفون، والمستفيدون، والمانحون يريدون قائدًا يوجّه السفينة ويحدد المسار بوضوح.
لكن في غياب خطة عمل واقعية، أو التزام راسخ بتنفيذها، نصبح جميعًا مثل من يعاني من دوار البحر وسط تقلبات مستمرة وغموض دائم.
ثانيًا: أحد أكبر التحديات اليوم هو مجالس الإدارة
عملنا مؤخرًا مع منظمة لم يكن في مجلس إدارتها سوى امرأة واحدة، ولا أي عضو من خلفيات عرقية متنوعة، ولا أي شخص يقل عمره عن 50 عامًا.
لكن جمهورها الأساسي كان من الشباب، والمستهدفون بالتبرع يشملون الأمهات والجيل الألفي.
نصف أعضاء المجلس لم يكن لديهم أي حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، ومع ذلك أوكلت إليهم مهمة المصادقة على استثمارات ضخمة في استراتيجيات رقمية متقدمة.
هذه المجموعة — وغيرها كثير — تتولى اتخاذ قرارات مصيرية بشأن مستقبل المنظمة، واتجاهها الاستراتيجي، وميزانيتها، والأهم من ذلك: مصير الأشخاص الذين أُنشئت المنظمة لخدمتهم.
هل يرى أحدكم المشكلة هنا؟
القادة يُعيّنون (أو يُنتخبون في مناصب قيادية تطوعية) ليقودوا.
ليقودوا الفرق، ويفتحوا الأبواب، ويضعوا مصلحة المنظمة فوق مصالحهم الشخصية، ويساهموا في حل أعقد تحديات عالمنا.
ينبغي أن يعكسوا احتياجات من نخدمهم، وأن يُطالبوا بالتنوع والإنصاف والشمول، ويتصرفوا بأصالة، ويعززوا الشفافية، ويرعوا روح التعاون، ويُمهدوا طريقًا واضحًا لتحقيق رسالتنا.
المسألة ليست ترفًا — فالكثير على المحك.
ولذا، يجب أن نبدأ بتعيين قادة يتصرفون كقادة حقيقيين.
علينا أن نأخذ بعين الاعتبار مدى ارتباطهم بالرسالة، وعمق انخراطهم، وقدرتهم على الفهم، والتواصل، وتمثيل المنظمة وقضاياها وجمهورها المستهدف.
3. التواصل الخارجي قبل التماسك الداخلي
عندما تكون الموارد محدودة، قد يبدو الاستثمار في الجمهور الداخلي خيارًا غير بديهي، خصوصًا في ظل كثرة المهام تجاه الجمهور الخارجي.
لكن هذا الاستثمار هو من أهم ما يمكن أن تقوم به المنظمة.
الموظفون هم أكبر مناصريك، وسفراؤك، وأصولك.
هم خط الدفاع الأول في جمع التبرعات، وبناء العلاقات، والتسويق المجتمعي.
ومن دون التزامهم الكامل، واقتناعهم برسالة المنظمة، وقدرتهم على إيصال قصتها، فنحن بالفعل في موقع ضعف يعيق تحقيق أهدافنا.
يُعد التواصل الداخلي ومشاركة الموظفين أمرين أساسيين للنجاح.
يجب أن نضمن أن موظفينا يفهمون ما نقوم به، ولماذا نقوم به، وما هو دورهم في تحقيق ذلك.
-
كيف يمكننا تحسين تجربة الانضمام للمنظمة (onboarding) بحيث نُهيّئ الموظفين للنجاح من البداية؟
-
كيف نعزز هذا التوجيه طوال العام؟
-
ما الذي نفعله للاحتفاظ بالمواهب المتميزة؟
لقد عملنا مع عدة منظمات محلية بلغت فيها معدلات دوران الموظفين 100٪ خلال 18 شهرًا فقط.
الخسائر الناتجة في التكاليف، والإنتاجية، والمعرفة، والعلاقات تعيق قدرة هذه المنظمات على الاستثمار أكثر في رسالتها.
علاوة على ذلك، مع تمثيل جيل الألفية لما نسبته 25٪ من القوى العاملة، يجب أن نشاركهم بطرق ذات معنى تلبي تطلعاتهم.
وذلك من خلال:
وجود خطة واضحة للتواصل الداخلي، وإدارة الأداء، والتقدير، وتعزيز الانخراط المؤسسي لم يعد أمرًا اختياريًا.
إنه ضرورة لا تقبل التأجيل، ولا يمكن دفعها إلى أسفل قائمة الأولويات.
4. فات الأوان على الابتكار
كل شيء في حياتنا وعالمنا — بما في ذلك طريقة التواصل وجمع التبرعات — تغيّر تمامًا عمّا كان عليه قبل عامين فقط.
ومع تطور العالم من حولنا، كانت استجابة العديد من المنظمات غير الربحية ردّة فعل لا مبادرة، في تحديث أدواتها ونهجها.
صحيح أن الجائحة حفّزت بعض الزخم، لكن استراتيجيات الأمس لن تُنتج نتائج الغد.
مانحو اليوم يمكنهم جمع التبرعات لما يريدون، في أي وقت يريدونه.
إنهم يريدون السيطرة، ويريدون التركيز، ويريدون أن يعرفوا أن أموالهم ستُحدث أثرًا ملموسًا — ويريدون أن تكون لهم كلمة في كل ذلك.
ولهذا، لم يكن البقاء على اطلاع بالاتجاهات السائدة، والمشاركة في الحوار الجاري، وفهم احتياجات الجمهور ورؤاه، وتحسين الأدوات والابتكار جزءًا عرضيًا من العمل — بل أصبح جزءًا أساسيًا من نموذج العمل غير الربحي، لا يمكن تجاهله.
5. الأفعال لا تُطابق الأقوال
في جوهر كل منظمة يكمن سبب وجودها وما تمثّله — وعد العلامة المؤسسية (Brand Promise).
يجب أن يمتد هذا الوعد عبر كل ما نقوم به، من طريقة تواصلنا إلى آلية اتخاذ قراراتنا، مرورًا بالبرامج والخدمات التي نقدمها.
ومع تزايد عدد المنظمات غير الربحية، وتقلص حجم التبرعات المتاحة، أصبحت المنافسة شرسة، وهو ما يضع التزامنا بهويتنا ومبادئنا على المحك.
شهدنا مؤخرًا منظمة تُعنى بمساعدة الطلاب على تحقيق إمكاناتهم الكاملة — تقوم بخفض الخدمات الحيوية المصممة لدعمهم.
وشهدنا منظمة صحية غير ربحية تكرّس رسالتها لتحسين جودة حياة المرضى — تُقصي المرضى تمامًا من عملية اتخاذ القرار.
وشهدنا منظمة وطنية تعتمد في وجودها ورسالتها على موظفين ميدانيين — تُلغي مئات الوظائف وتُثقل من تبقّى بمسؤوليات إضافية فوق طاقتهم.
منظمة تلو الأخرى، نراها تُجري تخفيضات وتقليصات وتعديلات شكلية، تركّز فقط على التحدي الآني القصير دون أن تفكر في "الوعد الأكبر" الذي قطعته على نفسها.
هل يمكنك أن تقف أمام مجتمعك وتقول بثقة: نحن نعيش وعدنا المؤسسي؟
اسأل نفسك هذا السؤال كلما واجهت قرارات صعبة بشأن الموارد أو التوظيف أو البرامج.
نعم، يجب أن نوازن بين الدخل والتنفيذ — وهي مهمة ليست سهلة —
لكن الوعد الذي قطعناه لمن نخدمهم يجب أن يكون أكثر من مجرد كلمات رنانة.
6. الاعتقاد بأن "العلامة المؤسسية" تخص فريق الاتصال فقط
وبالحديث عن وعد العلامة المؤسسية، فإن الخطأ الأخير — والذي أصبح شائعًا جدًا — هو لجوء المنظمات إلى استراتيجية العلامة التجارية، أو الاتصال، أو التسويق، كبديل عن خطة عمل غائبة أو ضعيفة.
"لو كان لدينا فقط حملة تسويقية أفضل"
"لو كانت رسائلنا أقوى"
"لو كانت استراتيجيتنا على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر فاعلية"
عندها فقط سنحقق النجاح!
صحيح، كل هذه العوامل مهمة في صناعة قصة واضحة وجذابة تُحرّك الجماهير نحو الفعل.
لكن، الاتصال وحده لن ينقذك.
في غياب رؤية قوية وخطة عمل تدعمها، لن تُقنعك الحملات الذكية بفتح المحفظة.
علاوة على ذلك، لا يملك فريق الاتصال أو العلاقات العامة وحده زمام الاتصال أو "العلامة المؤسسية".
كل شخص — من الرئيس التنفيذي، إلى عامل النظافة، إلى الموظف المتحمس في قسم التقنية — يملك هذه العلامة.
كل واحدٍ منا مسؤول عن فهم قصة المنظمة ونقلها بصدق.
لا وجود لخطوط فاصلة تحدد من المسؤول عن مؤشرات العلامة، أو سمعة المنظمة، أو مدى صِلتها بالجمهور.
التميّز في التسويق مسؤولية جماعية.
وعندما نقبل بهذه الحقيقة، يمكننا العمل سويًا على تقوية الأساس، وصناعة منصة انطلاق نحو النجاح.
ختامًا
لا توجد منظمة غير ربحية محصّنة ضد الوقوع في هذه الأخطاء — فهي غالبًا ما تنبع من النوايا الطيبة، أو الحماس للمهمة، أو ضغط الواقع اليومي. لكن ما يصنع الفارق الحقيقي هو وعي القادة والممارسين بهذه التحديات، واستعدادهم للمراجعة والتصحيح والانطلاق من جديد.
إن إعادة توجيه السفينة نحو المسار الصحيح لا يتطلب معجزات، بل يبدأ بقرارات واعية، واستراتيجيات قابلة للتنفيذ، والتزام حقيقي بوعد الرسالة التي تأسست من أجلها المنظمة.
تدعو جيسيكا دافانزا، من خلال هذا المقال، إلى التوقف، والتفكير، وإعادة البناء من الداخل — لننتقل من العمل بردّ الفعل إلى القيادة الفاعلة، ومن التشتت إلى التركيز، ومن الوعود النظرية إلى أثر ملموس في حياة الناس.
المصدر