لقاء أحدية العبدلي… حين يتحدث أحمد السويلم عن القطاع غير الربحي بلغة الإنسان والحوكمة

ع ع ع

في مساء الأحد 28 سبتمبر، لم تكن أحدية العبدلي مجرد مجلس اعتيادي يتداول فيه الحضور شؤون الثقافة والمعرفة، بل فضاءً مفتوحًا احتضن نقاشًا حول قطاع يشهد تحولات غير مسبوقة في المملكة: القطاع غير الربحي.
الأمسية التي أدارها الدكتور عبيد بن سعد العبدلي، أستاذ التسويق المعروف وصاحب هذا المجلس العريق منذ عام 1992، جمعت وجوهًا من باحثين، إعلاميين، قياديين، ومهتمين، ليستمعوا إلى تجربة أحمد بن علي السويلم، الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.


المجلس… ذاكرة مكان وروح إنسان

لثلاثة عقود ظلّت الأحدية مساحة للحوار الهادئ والمكاشفة، حيث تتقاطع المعرفة مع التجارب الشخصية. حضور السويلم لم يكن مجرد مشاركة رسمية، بل كان امتدادًا لروح المجلس التي تمنح الضيف فرصة أن يتحدث بلغة أقرب للإنسان من لغة التقارير. شكر السويلم المستضيف وأثنى على هذا المنبر الذي "صداها واصل أنحاء المملكة"، كما وصفه أحد الحضور.


قطاع ينمو بسرعة… من الهامش إلى قلب الرؤية

بدأ السويلم حديثه باستعارة لافتة، إذ شبّه القطاع غير الربحي بـ"البنك"، الذي يربط بين من يملكون المال ومن يملكون الأفكار. ثم مضى في رسم لوحة رقمية: من 1600 جمعية فقط في 2017، قفز العدد اليوم إلى أكثر من 6500 جمعية، تعكس شغف المجتمع السعودي بالعطاء.
هذا النمو لم يكن مصادفة، بل نتيجة لاهتمام القيادة التي أسست بنفسها مؤسسات وجمعيات إنسانية، ولإدماج القطاع في رؤية المملكة 2030 بوصفه شريكًا استراتيجيًا في الصحة والتعليم والتأمين والثقافة.


المركز الوطني… من البيروقراطية إلى الكفاءة

حين تأسس المركز في 2019، ثم انطلق فعليًا عام 2022، كان أمامه مهمة مزدوجة: الحماية والتمكين. السويلم استعرض التحول الأبرز: تقليص مدة تأسيس الجمعيات من سنوات طويلة إلى 20 يوم عمل فقط.
كما استعرض منظومة الحوكمة الجديدة التي لا تكتفي بمراجعة أوراق التأسيس، بل تتابع خطط الـ100 يوم، والحسابات البنكية، والتقارير المالية، والزيارات الميدانية. كل ذلك بهدف رفع مستوى الثقة والشفافية، في وقتٍ تواجه فيه بعض الجمعيات هجمات إعلامية وإشاعات متكررة.


"نحن مسلمين سعوديين"… مواجهة الإشاعات بالثقة

بصراحة لافتة، تحدث السويلم عن "الإشاعات الشرسة" التي تلاحق القطاع، مؤكدًا أن الرد لا يكون بالانفعال بل بالشفافية والتوضيح:

"نحن مسلمين سعوديين، وليس من عادتنا أن نقبل بتشويه سمعة العمل الخيري. نريد من المجتمع أن يتواصل معنا مباشرة، وأن يكون شريكًا في التوعية."


منصات جديدة… واعتذارات واجبة

من أبرز ما كشفه السويلم في اللقاء:

  • إطلاق منصة "سمة للمستفيدين"، على غرار "سمة" المالية، لضمان عدالة التوزيع بحيث لا يحصل المستفيد على نفس المساعدة من أكثر من جهة.

  • اعتذاره عن الإشكالات التي رافقت نظام "نوى 2" الجديد، مؤكدًا أن المركز يعالجها بشكل عاجل.

هذه الشفافية في الاعتراف بالأخطاء وتوضيح المسار تعكس، كما رأى بعض الحضور، أن القطاع غير الربحي بدأ يخرج من دائرة "القداسة المانعة للنقد" إلى مساحة المحاسبة والعلنية.


بين الحوكمة والتعطيل

المداخلات لم تكن أقل ثراءً من حديث السويلم نفسه. الدكتور يوسف النملة علّق بحدة على بعض الجمعيات المانحة التي "زاد عدد لوائحها على عدد موظفيها"، معتبرًا أن الإفراط في الحوكمة قد يتحول إلى عبء يعيق الإنجاز.
كانت هذه المداخلة بمثابة جرس إنذار، أن الحوكمة إذا لم تُدار بذكاء قد تنقل القطاع من حماية الاستدامة إلى شلل البيروقراطية.


التطوع… من ساعة مجانية إلى قيمة اقتصادية

أحد أكثر النقاط التي أثارت اهتمام الحضور كانت حديث السويلم عن التطوع. فقد تجاوزت المملكة بالفعل مستهدف رؤية 2030، حيث وصل عدد المتطوعين الفريدين إلى 1.3 مليون بنهاية 2024.
لكن التحدي الجديد ليس في العدد، بل في القيمة الاقتصادية للساعة التطوعية: من 60 ريالًا حاليًا إلى 150، ثم إلى 800 ريال مستقبلاً. هنا، لا يتحدث السويلم عن "مشاركة رمزية"، بل عن رافد اقتصادي موازٍ يستفيد من مؤهلات المواطنين وخبراتهم المهنية.


المنتدى الدولي… موعد في ديسمبر

في ختام الأمسية، أعلن السويلم عن تنظيم منتدى دولي للقطاع غير الربحي في الرياض خلال ديسمبر المقبل، يمتد ثلاثة أيام، ويستقطب خبرات عالمية لاستعراض أفضل الممارسات، في وقت تسعى فيه المملكة إلى تأكيد موقعها كمرجعية إقليمية وعالمية في العمل غير الربحي.


الأحدية… الذاكرة التي لا تشيخ

بقي أن نشير إلى أن اللقاء لم يكن مجرد عرض أرقام أو سياسات، بل لحظة إنسانية عميقة. أحدية العبدلي، بفضل ربانها الدكتور عبيد العبدلي، لا تزال بعد 32 موسمًا، مكانًا تتقاطع فيه الحكايات مع السياسات، والعلم مع التجربة، والإنسان مع الفكرة.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top