في إطار دور "البنك الثالث" في رصد التجارب العالمية وتقديم قراءة معرفية تُسهم في تطوير القطاع غير الربحي السعودي، تأتي هذه المقالة كترجمة تحليلية لأبرز ما ورد في تقرير منظمة The Wheel حول ميزانية أيرلندا لعام 2025، مع مواءمة محلية تستلهم من التجربة الأيرلندية ما يمكن تطبيقه في بيئة المملكة.
يرصد التقرير سلسلة من التدابير الداعمة للقطاع المجتمعي والتطوعي، منها زيادات مالية واضحة مثل: 1.6 مليون يورو لدعم تنمية المجتمع والتطوع والعمل الخيري، وتعزيز صندوق مراكز المجتمع، وتوسيع برنامج التبرعات، ورفع كفاءة الجهات التنظيمية.
كما شملت الميزانية دعمًا مباشرًا لمواجهة العزلة الاجتماعية، بزيادة 2.5 مليون يورو لبرنامج SICAP، وتخصيص 12.8 مليون يورو لتحسين بيانات الرفاه، إلى جانب دعم إدماج اللاجئين والإسكان الاجتماعي. إلا أن غياب السياسات الشاملة لمكافحة الوحدة واستمرار التفاوتات المهنية في أجور موظفي القطاع تظل من التحديات الملحوظة.
رحّبت المنظمة كذلك بزيادة التمويل لبرامج الشباب والصحة النفسية ورعاية الأطفال، وتوسيع دعم المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى رفع بعض مخصصات الضمان الاجتماعي وتقديم منحة مالية لكل مولود جديد. ومع ذلك، تظل الحاجة قائمة إلى ربط المساعدات بتكاليف المعيشة الحقيقية، وسد فجوات الأجور، وإشراك المجتمعات في جهود الاستدامة.
ويخلص التقرير إلى أن الاستثمار المستدام في هذا القطاع ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية لبناء مجتمعات مرنة، عادلة، وشاملة.
هذه التجربة الدولية تُبرز فرصًا حقيقية يمكن للقطاع غير الربحي السعودي الاستفادة منها، خاصة في ظل ما تتيحه رؤية 2030 من مساحات للنمو، والشراكة، وإعادة تشكيل الدور الاجتماعي للمؤسسات غير الربحية.
ميزانية 2025، التي أُعلن عنها يوم الثلاثاء 1 أكتوبر، تضمنت سلسلة من الإجراءات التي طالب بها أعضاء منظمة The Wheel، كما ورد في مذكرة المنظمة المقدّمة قبل الميزانية بعنوان "المستقبل هو المجتمع".
ومع ذلك، لا يزال هناك المزيد مما ينبغي فعله لدعم منظمات القطاع والأشخاص الذين تخدمهم.
1. دعم القطاع لتحقيق الأثر
أدخلت ميزانية 2025 عددًا من المبادرات لدعم القطاع المجتمعي والتطوعي (القطاع). وتشمل هذه المبادرات:
-
تخصيص 1.6 مليون يورو لدعم القطاع المجتمعي والتطوعي بهدف تعزيز تنفيذ برامج تنمية المجتمع، والعمل التطوعي، والعمل الخيري.
-
زيادة 1 مليون يورو لصندوق الاستثمار في مراكز المجتمع (Community Centre Investment Fund).
-
زيادة بنسبة 12% في تمويل هيئة تنظيم الجمعيات الخيرية (Charities Regulator) لتحسين البنية التحتية التنظيمية.
كما تم توسيع نطاق برنامج التبرعات الخيرية (Charitable Donations Scheme)، مما يعني:
-
أن الجمعيات الخيرية لم تعد مطالبة بأن تكون قائمة منذ سنتين على الأقل للاستفادة من البرنامج.
-
وتم تمديد الفترة الزمنية المسموح فيها باستخدام التبرعات بعد استلامها.
كذلك، شملت الميزانية سلسلة من الدعم لقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة (SMEs)، وأبرزها:
-
رفع حد الإعفاء الضريبي لرواد الأعمال (Start-Up Relief for Entrepreneurs) من 700,000 يورو إلى 980,000 يورو، وهو ما يُعد دفعة كبيرة لأصحاب المشاريع الطموحين.
لكن، وعلى الرغم من هذه التحسينات، لم تشهد بعض القضايا المهمة لأعضاء المنظمة أي تقدم، مثل:
-
عدم زيادة برنامج تعويض ضريبة القيمة المضافة (VAT Compensation Scheme).
-
عدم وجود التزام بوضع استراتيجية شاملة تضمن استدامة القطاع على المدى الطويل.
تعكس تجربة أيرلندا في دعم القطاع المجتمعي والتطوعي عبر ميزانية 2025 أهمية وجود استراتيجية مالية متكاملة ومستدامة تُراعي تنوع احتياجات القطاع وتحدياته المتغيرة. وفي السياق السعودي، يبرز دور المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي كجهة محورية لتعزيز هذه التوجهات، من خلال إيجاد آليات تمويلية مبتكرة، وتوسيع الحوافز الضريبية، ودعم الحوكمة والتخصص في العمل الخيري.
ومع تزايد عدد الجمعيات الأهلية وارتفاع سقف التوقعات المجتمعية، فإن تبني سياسات مشابهة – كإعفاءات ضريبية مستهدفة، أو دعم مباشر لتطوير البنية التحتية التنظيمية – سيسهم في رفع كفاءة الجمعيات، وضمان استدامة أثرها، وتعزيز مساهمتها في مستهدفات رؤية السعودية 2030.
2. مكافحة العزلة الاجتماعية
كما حصل الجهاز المركزي للإحصاء (Central Statistics Office) على زيادة قدرها 12.8 مليون يورو لتوسيع نطاق جمع البيانات حول الرفاه العام، وهي خطوة من شأنها أن تُسهم في توجيه قرارات السياسات المستقبلية.
ومع ذلك، ورغم هذا التقدم، لا يزال هناك غياب لصندوق مخصص لدعم الاندماج الاجتماعي (Social Engagement Fund)، كما لا توجد خطة عمل شاملة لمكافحة الوحدة، وهما مسألتان تواصلان التأثير سلبًا على الفئات السكانية الأكثر هشاشة.
ما ورد في تجربة أيرلندا حول تمويل برامج الإدماج الاجتماعي يعكس إدراكًا متناميًا عالميًا لأثر العزلة على ترابط المجتمعات وجودة الحياة. وفي السياق السعودي، تبرز قضية العزلة الاجتماعية خصوصًا لدى كبار السن، والأرامل، وذوي الإعاقة، والمستفيدين من الضمان الاجتماعي، كمجال حيوي يحتاج إلى تدخلات تكاملية بين الجهات الحكومية والجمعيات الأهلية.
ورغم الجهود المبذولة ضمن مبادرات التمكين المجتمعي والأنشطة التي تقدمها الجمعيات ولجان التنمية الأهلية، إلا أن المملكة لا تزال بحاجة إلى آلية تمويل مستقلة ومستدامة تشبه ما اقترحته التجربة الأيرلندية، عبر "صندوق دعم المشاركة المجتمعية"، يهدف إلى تمويل برامج زيارات الجيران، لقاءات الأحياء، ومبادرات تعزيز التواصل الإنساني في البيئات الحضرية والريفية على حد سواء.
كما أن توجيه هيئة الإحصاء السعودية لتوسيع جمع بيانات الرفاه والعلاقات الاجتماعية – كما فعلت أيرلندا – من شأنه أن يقدّم قاعدة معرفية لصانعي القرار، تساعدهم على تصميم سياسات اجتماعية أكثر استهدافًا، وخاصة في ظل مستهدفات رؤية 2030 المتعلقة بتحسين جودة الحياة وتمكين القطاع غير الربحي من لعب أدوار تنموية.
إن مواجهة العزلة لا تتطلب فقط برامج رعاية، بل ثقافة وطنية تشجّع على اللقاء، والتكافل، والانتماء، وهذا لا يتحقق إلا حين يصبح "الاجتماع الإنساني" هدفًا تنمويًا واضحًا، لا أثرًا جانبيًا للخدمات.
3. بناء مجتمعات شاملة
ركزت ميزانية 2025 بشكل واضح على بناء مجتمعات شاملة، حيث تم تخصيص:
-
50 مليون يورو لفرق الدمج التابعة للسلطات المحلية (Local Authority Integration Teams – LAITs).
-
25 مليون يورو إضافية لصندوق الاعتراف المجتمعي (Community Recognition Fund).
وتهدف هذه التدابير إلى دعم اندماج طالبي الحماية الدولية، بما في ذلك القادمين من أوكرانيا، من خلال تمكين المجتمعات المحلية من احتوائهم وتقديم الدعم اللازم لهم.
كما شملت الميزانية:
-
زيادة التمويل لوكالة Tusla (المعنية برعاية الأطفال والخدمات الأسرية).
-
دعم إضافي للأطفال غير المصحوبين بذويهم، مما يُعد خطوة نحو بناء هياكل اجتماعية أكثر شمولًا وعدالة.
ومع ذلك، ورغم هذه الجهود، لا يزال هناك غياب لأي تحرك نحو الاعتراف بالتعلُّم السابق أو إجراء تقييمات للمهارات لطالبي الحماية الدولية، وهو ما قد يُعيق اندماجهم الكامل على المدى الطويل.
تعكس التجربة الأيرلندية في تمويل برامج الاندماج المجتمعي لطالبي الحماية الدولية توجهًا عالميًا نحو تمكين الفئات القادمة من خلفيات مختلفة للانخراط في النسيج الاجتماعي المحلي، وهي تجربة يمكن استلهامها سعوديًا في إطار بناء مجتمعات شاملة تعزز التعدد والتكافل والتعايش.
وفي السياق السعودي، تتجلى فرص بناء مجتمعات شاملة من خلال:
-
برامج الأسر المنتجة والمجتمعات المحلية التي تقودها الجمعيات الأهلية بدعم من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية.
-
مبادرات التمكين المهني والاجتماعي للنازحين الداخليين، وأبناء المناطق الطرفية، والمقيمين من فئات العمالة النظامية.
-
دعم الأيتام والأطفال غير المصحوبين بذويهم من خلال مؤسسات مثل جمعية إنسان ومؤسسة إخاء.
لكن لا تزال هناك حاجة لتطوير منظومة وطنية تُشبه "فرق الدمج المجتمعي" (كما في أيرلندا)، تعمل على:
-
تعزيز المشاركة المجتمعية للفئات الأقل تمثيلًا.
-
تقديم دعم لغوي ومهني ومعرفي للفئات المنقولة أو العائدة (مثل فئات العائدين من مناطق النزاع، أو الأسر المتنقلة بسبب ظروف اقتصادية أو اجتماعية).
-
ربط التعليم غير النظامي بالتوظيف، من خلال الاعتراف بالخبرات السابقة والمهارات المكتسبة خارج النظم الرسمية، وهي خطوة لم تُفعّل بعد على المستوى المحلي.
إن بناء مجتمع شامل في السعودية لا يقتصر على منح الخدمات، بل يشمل إعادة تصميم آليات الاندماج الاجتماعي وفق قيم إسلامية وإنسانية تكرّم الفرد وتؤمن باختلافه، مع ربط ذلك بالتحول الوطني نحو تمكين القطاع غير الربحي كفاعل رئيس في التنمية والتكافل.
4. تعزيز المجتمع المدني
قدّمت ميزانية 2025 تمويلًا إضافيًا لشبكات المشاركة المجتمعية (Public Participation Networks)، الموجودة في كلٍ من الـ31 منطقة تابعة للسلطات المحلية في مختلف أنحاء البلاد.
كما شملت الميزانية:
-
زيادة تمويل وحدة الجزيرة المشتركة (Shared Island Unit) التابعة لمكتب رئيس الوزراء (Department of An Taoiseach).
-
زيادة قدرها 1.6 مليون يورو في تمويل برنامج PEACE، الذي يركّز على دعم السلام والتماسك المجتمعي.
جميع هذه التدابير تتماشى مع أولويات أعضاء منظمة The Wheel ضمن توصياتهم لميزانية 2025.
تبرز التجربة الأيرلندية في تمويل شبكات المشاركة المجتمعية والبرامج الداعمة للتماسك الاجتماعي كنموذج يمكن الاستفادة منه في السياق السعودي، حيث يشهد القطاع غير الربحي في المملكة تحوّلًا استراتيجيًا بقيادة المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، ويستهدف رفع مساهمته في الناتج المحلي إلى 5% بحلول 2030.
وتتجلى أوجه المواءمة في السعودية من خلال:
-
تعزيز دور مجالس الجمعيات الأهلية في المناطق لتكون منصات تنسيقية تماثل شبكات المشاركة المجتمعية في أيرلندا، مع منحها أدوات التأثير في صنع القرار المحلي.
-
دعم البرامج التي تعزز اللحمة الوطنية والسلام المجتمعي، مثل المبادرات الموجهة لفئات الشباب في المناطق الحدودية، أو برامج حوار الأديان والثقافات، التي تنفذها مؤسسات كـ"سلام للتواصل الحضاري" و"مركز الحوار الوطني".
-
الاستثمار في مبادرات التطوع التخصصي والتكافل المحلي عبر منصات مثل "المنصة الوطنية للعمل التطوعي"، بما يُعيد ربط المواطنين بالمجتمع من خلال أدوار فاعلة.
إن ما تنبهت له أيرلندا من أهمية دعم المجتمع المدني عبر أدوات تنسيقية وتمويلية قابلة للتكرار، هو نفسه ما تسعى المملكة لترسيخه عبر منظومة تمكين غير ربحي تواكب مستهدفات الرؤية الطموحة لمجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح.
5. انتشال الناس من الفقر
-
بدل التدفئة (Fuel Allowance)
-
بدل العيش بمفرد (Living Alone Allowance)
-
منحة دعم مقدمي الرعاية (Carer’s Support Grant)
-
وعدة أنواع أخرى من مدفوعات الضمان الاجتماعي.
كما تم الإعلان عن منحة جديدة بقيمة 450 يورو لكل طفل مولود ابتداءً من ديسمبر 2024، في خطوة تهدف إلى تخفيف الأعباء المالية على الوالدين الجدد.
في التجربة الأيرلندية، تم اعتماد زيادة أسبوعية في مدفوعات الضمان الاجتماعي وصرف منح مالية للفئات الأكثر حاجة، في محاولة لتخفيف حدة الفقر وضغوط المعيشة. ورغم أهمية هذا التوجه، إلا أن التقرير أشار إلى أن الدعم المالي وحده لا يكفي دون استراتيجية شاملة تضمن العدالة والاستدامة.
وفي السياق السعودي، نجد في المنظور الإسلامي تأصيلًا أعمق لمفهوم التكافل، حيث لا يُختزل الفقر في مجرد نقص الدخل، بل يُنظر إليه كحالة اجتماعية تتطلب تفعيل منظومة "النفقة" و"الزكاة" و"الوقف" و"الصدقة الجارية"، بتكامل بين الفرد والدولة والمؤسسات الأهلية. قال رسول الله ﷺ:
«ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم».
وهنا تبرز فرصة نوعية لمؤسسات القطاع غير الربحي في المملكة، تتمثل في التحول من مجرد تقديم المعونة إلى تمكين المحتاج، عبر:
-
برامج التدريب والتأهيل المهني للأسر المستفيدة.
-
تمويل المشروعات الصغيرة من خلال أوقاف تنموية.
-
بناء قواعد بيانات ذكية للفقر المتعدد الأبعاد ترتبط بمنصات الزكاة والضمان.
وفي ظل رؤية السعودية 2030، فإن الدمج بين السياسات الحديثة والمبادئ الأصيلة هو السبيل لبناء شبكة أمان لا تكتفي بحماية الفقير، بل تعيد إدماجه في دورة الإنتاج والكرامة.
6. العمل اللائق وتطوير المهارات في القطاع
وقد رحبت المنظمة أيضًا بـ:
-
زيادة قدرها 3 ملايين يورو لبرنامج الخدمات المجتمعية (Community Services Programme)، لدعم الخدمات المجتمعية التي تُدار محليًا وتلبي فجوات الطلب.
-
الاستثمار في المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي عبر صندوق التدريب الوطني (National Training Fund)، وهو ما يُعد خطوة إيجابية نحو تحديث القوى العاملة في القطاع.
لكن، وعلى الرغم من هذه التحسينات، فشلت الميزانية في معالجة قضية تكافؤ الأجور التي يعاني منها موظفو منظمات القطاع غير الربحي، والذين يؤدون أعمالًا مشابهة أو مطابقة لنظرائهم في القطاع العام.
وتظل الفروقات في الرواتب، خصوصًا في مجالات الإعاقة، خدمات الطفل والأسرة، الإدمان، والتشرد، موضع خلاف لم يُحل بعد.
إن ما تضمنته ميزانية أيرلندا 2025 من تخصيصات لتطوير المهارات في القطاع المجتمعي والتطوعي، يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الاستثمار في رأس المال البشري كعنصر حاسم لاستدامة القطاع غير الربحي. وهي رؤية تتقاطع مع ما أكد عليه المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية، من أن التحول من العمل الخيري التقليدي إلى القطاع المؤسسي المستدام يبدأ من تأهيل الكوادر وتنمية المهارات النوعية.
وفي هذا السياق، يمكن ربط التجربة الأيرلندية بعدد من المبادرات السعودية الرائدة، مثل:
-
برنامج الشراكة مع الجهات الحكومية لإعداد قادة القطاع غير الربحي.
-
مبادرة منصة أثر لقياس الأثر التنموي، التي تستلزم مهارات مهنية دقيقة في الحوكمة، والتمويل، والتواصل المؤسسي.
-
خطة تطوير المهن غير الربحية ضمن مخرجات إستراتيجية تمكين العاملين في القطاع، والتي تعمل على مواءمة المهارات مع الاحتياجات الفعلية للمنظمات.
ومع التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، يبرز التحدي المهني الأكبر في تحقيق التوازن بين تأهيل الكفاءات وبناء هياكل عادلة ومحفزة للموظفين، خاصة في مجالات العمل مع الفئات الأكثر هشاشة، كذوي الإعاقة والأطفال.
لذلك، فإن تجربة أيرلندا في هذا المجال، رغم أهميتها، تُظهر الحاجة إلى ربط تطوير المهارات بسياسات عادلة للأجور، وهياكل تحفيزية منافسة، واستراتيجيات بقاء وظيفي. وهي مسارات يعمل المركز الوطني في المملكة على تعزيزها، في إطار تطوير بيئة ممكنة وجاذبة تُحقق مستهدفات رؤية 2030.
7. بناء مجتمعات صحية
خصصت ميزانية 2025:
-
زيادة قدرها 1.18 مليار يورو لضمان استمرار تقديم مستويات الخدمات الحالية.
-
و240 مليون يورو إضافية كإنفاق رأسمالي مخصص لمشاريع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT) والمشاريع الرأسمالية القائمة.
كما شملت الميزانية:
-
تمويل 160 سريرًا مجتمعيًا.
-
جهودًا لخفض قوائم الانتظار.
-
زيادة الوصول إلى خدمات الطوارئ الصحية.
ورحبت المنظمة كذلك بـ:
-
الزيادات في تمويل الصحة النفسية.
-
دعم خدمات الاندماج الاجتماعي، بما في ذلك خدمات علاج الإدمان المجتمعية.
تُظهر التجربة الأيرلندية في ميزانية 2025 اهتمامًا متصاعدًا بتحسين البنية الصحية المجتمعية، من خلال توسعة الوصول للخدمات، وتحديث البنية التحتية، وزيادة الدعم للصحة النفسية والإدمان. وهي خطوات تتقاطع بذكاء مع ما تبنّته وزارة الصحة السعودية في استراتيجيتها للتحول الصحي، تحت مظلة نموذج الرعاية الصحية الجديد.
ففي المملكة، لم تعد الرعاية الصحية محصورة في نطاق المستشفيات، بل باتت تنطلق من الوقاية، وتعزيز الصحة، والتمكين المجتمعي، كما في مبادرات:
-
صحة مجتمعك التي تستهدف الأحياء بفرق صحية ميدانية.
-
برنامج الرعاية الصحية المنزلية الذي يقدم خدمات متخصصة لكبار السن وذوي الإعاقة.
-
مراكز دعم الإقلاع عن التدخين والتعافي من الإدمان كجزء من الرعاية النفسية الشاملة.
إلا أن ما تسلط عليه التجربة الأيرلندية الضوء يلفت النظر إلى تحدٍ مشترك: الحاجة إلى تعزيز الاستثمار في الصحة النفسية والاجتماعية، ودمجها ضمن منظومة الرعاية الأساسية، لا كمكمل، بل كجزء لا يتجزأ من صحة الإنسان وجودة حياته.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تطوير مراكز الصحة المجتمعية متعددة التخصصات، وتكامل الجهود بين وزارة الصحة والجمعيات الصحية غير الربحية، بما يضمن الوصول العادل والفعّال إلى خدمات الصحة النفسية والعلاج السلوكي والاجتماعي.
إن الصحة في السعودية لم تعد علاجًا فقط، بل جزء من مشروع وطني للارتقاء بجودة الحياة، تتكامل فيه التقنية، والوقاية، والتأهيل، مع تمكين الأفراد والمجتمعات من أن يكونوا شركاء فاعلين في رحلتهم الصحية.
8. توفير السكن للمجتمعات
تضمنت ميزانية 2025 تخصيصًا رأسماليًا بقيمة 3.2 مليار يورو لقطاع الإسكان، ويشمل ذلك:
-
الالتزام ببناء 10,000 وحدة سكنية اجتماعية جديدة.
-
دعمًا موجّهًا للجهات المعتمدة للإسكان (AHBs) لتعزيز توفير السكن الاجتماعي.
كما شملت الميزانية:
-
هدفًا يتمثل في توفير 3,000 وحدة سكنية بأسعار معقولة أو بنظام الإيجار منخفض التكلفة.
-
تخصيص 23 مليون يورو لسكن مخصص لفئة المسافرين (Traveller-specific accommodation).
-
منح تكييفية بقيمة 100,000 يورو لمساعدة كبار السن على تكييف مساكنهم.
وفي جانب التشرد، تم:
-
تخصيص 61 مليون يورو لدعم المشردين وتدابير الحفاظ على الاستئجار.
-
يهدف هذا التمويل إلى تقديم دعم شامل للأشخاص المعرّضين لفقدان مساكنهم، من خلال برامج حماية المستأجرين والوقاية من التشرد، وذلك بالشراكة مع منظمات القطاع.
ففي السعودية، لم يعد السكن مجرد منتج عقاري، بل خدمة تنموية متكاملة تُعنى برفع جودة الحياة وتعزيز الاستقرار الأسري للفئات الأشد حاجة. وقد تمثلت أبرز المبادرات في:
-
توفير مساكن مناسبة للأسر المستفيدة من الضمان الاجتماعي بالتكامل مع الجهات غير الربحية.
-
تمكين الجمعيات الأهلية من إدارة المشاريع السكنية التنموية وتشغيلها بشكل مباشر.
-
منح الأولوية في الدعم السكني للأرامل والمطلقات وكبار السن وذوي الإعاقة ضمن معايير واضحة شفافة.
لكن تظل الحاجة قائمة إلى تطوير سياسات داعمة مشابهة لما ورد في التجربة الأيرلندية، مثل:
-
برامج وقائية ضد التشرد تستبق حالات فقدان المسكن.
-
تمويل مخصص لتكييف المساكن لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.
-
تعزيز الشراكات مع الجمعيات المتخصصة في التسكين والإيواء لضمان الاستدامة التشغيلية.
9. مشاركة الأطفال والشباب
يُعد بناء المجتمعات عملية تبدأ بالاستثمار في الجيل القادم، وقد تضمنت ميزانية 2025 ما يلي:
-
زيادة قدرها 7 ملايين يورو في تمويل برامج العمل الشبابي.
-
توسيع مبادرات مشاركة الشباب ضمن خطة العمل "مشاركة الأطفال والشباب في صنع القرار 2023–2028".
كما شملت الاستثمارات:
-
توسيع برنامج الرعاية النهارية الوطنية (National Childcare Scheme) بتمويل إضافي قدره 160.7 مليون يورو.
-
تمويل إضافي لدعم الأنشطة اللاصفية وخدمات الدعم خارج ساعات الدراسة.
تهدف هذه الاستثمارات إلى:
-
تعزيز إدماج الأطفال والشباب في الحياة المجتمعية وصنع القرار.
-
جعل خدمات رعاية الأطفال أكثر سهولة وتكلفة أقل للعائلات.
وتتجسد هذه الرؤية السعودية من خلال:
-
استراتيجية تمكين الشباب التي تسعى إلى إعداد جيل فاعل في الاقتصاد والمجتمع.
-
مبادرات مثل برنامج "فطن" و"قادة 2030" التي تُنمّي مهارات التفكير القيادي وصناعة التأثير.
-
إطلاق مجالس شباب المناطق التي تُعد نموذجًا سعوديًا متقدمًا لمشاركة الشباب في صنع القرار التنموي على المستوى المحلي.
وفي الجانب الأسري والتعليمي، جاءت برامج مثل:
-
دعم رعاية الأطفال العاملين والأمهات الشابات عبر مركز "تماكُن" ومبادرات القطاع غير الربحي.
-
وتمويل الأنشطة اللاصفية بالتكامل مع المدارس الأهلية والجمعيات التعليمية، بما يسهم في بناء شخصية متوازنة للطالب.
إن ما تحتاجه المرحلة المقبلة هو نقل الشباب من دور المتلقي إلى دور المبادر والمشارك والمؤثر، من خلال تعزيز المنصات الشبابية، وتوسيع نطاق التدريب العملي، وربط السياسات التعليمية والاقتصادية بمسارات التمكين الوطني.
ففي السعودية، لا يُنظر إلى الشباب باعتبارهم "قضية" يجب التعامل معها، بل باعتبارهم طاقة وطنية كبرى، يجب الاستثمار فيها بروح العصر، وإشراكها في صناعة المستقبل الذي يليق بطموح وطنٍ شاب.
10. بناء مجتمعات مستدامة
تضمنت ميزانية 2025:
-
زيادات في المنح المقدمة من هيئة الطاقة المستدامة في أيرلندا (SEAI)، بهدف تحديث المباني السكنية والمجتمعية ورفع كفاءتها الطاقية.
-
دعمًا من صندوق الانتقال العادل التابع للاتحاد الأوروبي (EU Just Transition Fund)، إلى جانب تمويل لبرامج الاقتصاد الدائري، مما يعكس التزام أيرلندا بمساعدة المجتمعات في التحول نحو أنماط حياة مستدامة وتقليل البصمة الكربونية.
ومع ذلك، لم تتضمن الميزانية أي إشارات صريحة إلى عمليات التصميم المشترك (Co-design) أو التعاون مع المجموعات المجتمعية، وهو ما يثير مخاوف بشأن مدى إشراك المجتمعات المحلية في جهود الاستدامة.
إذ إن بناء المجتمعات المستدامة لا يتطلب التمويل فقط، بل يتطلب أيضًا مشاركة فاعلة وحقيقية من المجتمع المحلي في صياغة الحلول وتنفيذها.
تعكس التجربة الأيرلندية في تمويل كفاءة الطاقة والاقتصاد الدائري توجّهًا عالميًا نحو مجتمعات أكثر وعيًا بأثرها البيئي وأكثر استعدادًا للتحوّل نحو أنماط معيشة مستدامة. وفي السعودية، تمثل رؤية 2030 الإطار الأوسع الذي يُترجم هذا التوجّه إلى مسارات عملية، حيث لم تعد الاستدامة مجرد هدف بيئي، بل أصبحت عنصرًا جوهريًا في جودة الحياة والحوكمة المجتمعية.
فبرامج مثل:
-
"البرنامج الوطني لكفاءة الطاقة"،
-
و**"الاستراتيجية الوطنية للبيئة"**،
-
ومبادرات الاقتصاد الدائري منخفض الانبعاثات،جميعها تُجسد التزام المملكة بتحقيق تحوّل شامل نحو استدامة تدمج بين التقنية، والمجتمع، والموارد.
لكن ما يميز التوجّه السعودي هو التأكيد على أن المواطن شريك في هذا التحوّل لا مجرد مستهلك للسياسات، ويتجلى ذلك في:
-
تشجيع المدن الذكية والمجتمعات المحلية منخفضة الاستهلاك.
-
تمكين الجمعيات البيئية والمبادرات الأهلية عبر برامج التمويل المجتمعي.
-
تعزيز المشاركة في صناعة السياسات البيئية من خلال المجالس البلدية والمبادرات التطوعية.
ومع أن التجربة الأيرلندية لم تُفعل أدوات "التصميم المشترك" بوضوح، فإن رؤية 2030 تسير بخطى حثيثة نحو تحقيق التكامل بين المواطن، والمجتمع المدني، والجهات التنفيذية في صياغة الحلول البيئية، لتكون الاستدامة ممارسة يومية تبدأ من الحي، وتُبنى من الداخل إلى الخارج.
إن بناء مجتمع مستدام في السعودية لا يعني تقليل الانبعاثات فقط، بل يعني تحقيق نمط حياة يُراعي الإنسان والمكان، ويشارك فيه الجميع، ويعكس هوية وطنية حديثة ومسؤولة.
تكشف ميزانية أيرلندا 2025 عن توجهٍ واضح نحو دعم القطاع المجتمعي والتطوعي كأحد أعمدة التنمية المستدامة، من خلال تمويلات نوعية شملت الإسكان، والرعاية، وتمكين الشباب، وتطوير المهارات، وتحسين البنية التنظيمية للقطاع. ورغم وجود ثغرات لم تُعالج بعد، خاصة فيما يتعلق بتكافؤ الأجور وربط المساعدات بتكاليف المعيشة، إلا أن التجربة الأيرلندية تقدّم نموذجًا مهمًا لكيفية مواءمة السياسة المالية مع احتياجات المجتمع المدني.
وفي السياق السعودي، تمثّل هذه التجربة فرصة لفهم كيف يمكن للسياسات التمويلية أن تتحول إلى أدوات تمكين حقيقية للقطاع غير الربحي، وتُسهم في تعزيز المشاركة المجتمعية، وبناء مجتمعات أكثر عدالة وتماسكًا. فمع تسارع خطوات رؤية السعودية 2030، بات من الضروري تطوير ممارسات التمويل الحكومي والشراكات الأهلية بطريقة تضمن الاستدامة، وتُحفّز على الابتكار، وتُعيد تعريف دور المجتمع في صناعة التنمية.
إن الرهان الحقيقي ليس على حجم الدعم فحسب، بل على ذكاء توجيهه، وعدالة توزيعه، وفعالية أثره. وهذا يتطلب بيئة تنظيمية مرنة، واستثمارًا مستدامًا في الإنسان، ومؤسسات أهلية مؤهلة وقادرة على قيادة التغيير. فهكذا فقط نبني قطاعًا غير ربحيًا يليق بطموحات وطن، ويكون رافعة حقيقية لرؤيةٍ تصنع المستقبل.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
