في زوايا المؤتمرات، وعلى طاولات الاجتماعات، يتكرر السؤال ذاته:
"لماذا تقل التبرعات؟ لماذا لا نجد الدعم الكافي رغم اتساع الحاجة؟"
والإجابة، كما يرويها مشهد العمل غير الربحي في 2025، لا تكمن فقط في المال، بل في فهم التغيّر.
مقال حديث نُشر على موقع Funds for NGOs بعنوان "Top 10 Emerging Challenges for US Nonprofits in 2025" يقدم قائمة دقيقة بالعقبات الجديدة التي بدأت تفرض نفسها على العمل الخيري والمنظمات غير الربحية.
وفي هذا المقال على منصة "البنك الثالث"، نسلط الضوء على هذه التحديات من منظور سعودي وعالمي، ونكشف كيف أن عدم فهم التحولات البنيوية العميقة، خاصةً في الأجيال الجديدة ومبادئ DEI، هو ما يهدد الاستدامة لا غياب المال وحده.
1. من الشفافية إلى المساءلة العميقة: المتبرع يريد أن يرى
لم يعد المتبرع اليوم يقبل بعبارات عامة مثل "ساهمتم في إنقاذ حياة" أو "كان لدعمكم الأثر الكبير".
المتبرع الحديث – لا سيما من الجيل الألفي (Millennials) والجيل زد (Gen Z) – يريد تفاصيل، وبيانات، وقصص واقعية. يريد أن يرى أثره لا أن يُقال له فقط.
وهذا يتطلب تحوّلًا جذريًا في عقلية الجمعيات، من الإبلاغ العام إلى التوثيق الملموس، ومن لغة الإقناع إلى لغة الدليل.
2. الأجيال تغيّر كل شيء: هل تعرف من هو المتبرع الجديد؟
جيل الألفية وجيل زد ليسا فقط أكثر رقمية، بل أكثر قيمية أيضًا.
هؤلاء لا يتحمسون بالضرورة لمشاريع "المساعدات الغذائية" بقدر ما يتحركون تجاه:
هم لا "يتبرعون"، هم يستثمرون في قضية تشبههم.
وهنا بيت القصيد: المتبرع القادم ليس مَن تُقنعه بالحاجة، بل مَن تثير قضيته الشخصية.
توصيتنا: أعد تعريف "الجهات المستهدفة"، فجيل المتبرعين القادم لا يمكن الوصول إليه بالأدوات القديمة.
3. DEI: التنوع والإنصاف والشمول… ليس خيارًا بل شرط وجود
ربما لم يحظَ مفهوم بمثل ما يحظى به اليوم من تركيز في العالم غير الربحي مثل DEI، اختصارًا لـ:
-
Diversity – التنوع: أن تشمل مؤسستك تنوعًا عرقيًا، عمريًا، فكريًا، وجندريًا.
-
Equity – الإنصاف: أن يُمنح كل شخص ما يحتاجه فعلًا، لا نفس ما يُمنح للآخرين.
-
Inclusion – الشمول: أن يشعر كل فرد بأنه مرحّب به، مسموع، وذو قيمة.
في بيئة مثل السعودية، حيث يوجد تنوع مناطقي، ثقافي، تعليمي، وعمري، فإن عدم تبني DEI يعني ببساطة تجاهل جزء كبير من جمهورك.
الجهات التي لا توظف نساء، أو لا تستهدف الشباب، أو لا تتيح مجالًا لذوي الإعاقة، أو لا تُشرك الأقليات، تفقد تعاطف الأجيال الجديدة تمامًا.
DEI ليس شعارات، بل سياسات داخلية، وبرامج شاملة، ولغة تواصل محترمة.
4. التنافس على التمويل: لا يكفي أن تكون جيدًا… كن مميزًا
مع تزايد عدد الجمعيات والمنظمات، أصبح التمويل أشبه بسوق تنافسية مفتوحة.
لكي تفوز، لا يكفي أن تكون "نافعًا"، بل أن تكون مختلفًا، أصيلًا، وصادقًا في رسالتك.
أهم ما يبحث عنه الممولون اليوم:
-
الوضوح في الأثر.
-
كفاءة الإدارة.
-
رواية قصة حقيقية.
-
شفافية البيانات.
-
ممارسات DEI الحقيقية.
5. التقنية لم تعد رفاهية: إنها لغة القطاع الجديد
-
هل لديك موقع إلكتروني؟
-
هل حملاتك رقمية ومدعومة بإحصاءات؟
-
هل تستخدم الذكاء الاصطناعي في تحليلك؟
-
هل تعرف معنى "تحليل رحلة المتبرع"؟
التحول الرقمي لا يعني فقط "تطبيق ذكي"، بل هو عقلية.
إن لم تكن منظمتك رقمية، فهي في طريقها إلى الاختفاء من خارطة التمويل.
6. تغيّر السياسات: التمويل لم يعد محميًا
أي تغيير في سياسات الضرائب، أو تشريعات الخصوصية، أو لوائح جمع التبرعات يمكن أن يُفقد المنظمات مصادر دعم رئيسية.
ولذلك، يجب أن يكون للقطاع صوت في المشهد القانوني من خلال المناصرة والحوكمة المؤسسية الذكية.
7. الاستدامة المالية: التمويل المشتت أسلم من التمويل الوحيد
الاعتماد على ممول واحد يشبه الوقوف على قدم واحدة.
المنظمات الأكثر استدامة هي تلك التي:
8. البيئة: الجمعيات مطالبة أن تكون خضراء
حتى لو لم تكن جمعيتك بيئية، فإن الممارسات البيئية يجب أن تكون جزءًا من عملياتك.
من طباعة الورق، إلى اختيار الموردين، إلى تنظيم الفعاليات…
الجيل الجديد "يفتش" في كل التفاصيل، ويتبرع للجهات التي تراعي الكوكب.
9. الصحة النفسية: تعب العاملين ليس بطولة
الإرهاق والإجهاد العاطفي سمة شائعة في بيئات القطاع غير الربحي.
ولكن المنظمات الذكية هي التي تبني ثقافة الرعاية النفسية الداخلية لموظفيها ومتطوعيها:
10. الحاجة إلى الابتكار المتجدد
العمل غير الربحي لا يتطور فقط بالأموال، بل بالأفكار الجديدة.
من الجمعية التي تهتم بالقطط في الجوف، إلى التطبيقات التي توصل التبرعات للمتعففين مباشرة…
العالم يتغير، وعلينا أن نتحول معه.
ختام: لا قلة دعم… بل قلة فهم
إذا كنت تقود جمعية، فالسؤال ليس: لماذا قل الدعم؟
بل: هل نفهم كيف تغيرت معايير الدعم؟
التمويل لن يتوقف، لكن سيتوقف عن الذهاب لمن لا يفهم الأجيال الجديدة، ولا يمارس DEI، ولا يتحدث بلغة التأثير الرقمي.
من هنا، تبدأ مهمة "البنك الثالث": تفسير المستقبل بلغة الحاضر.
المصدر الأصلي لفكرة المقال:
Top 10 Emerging Challenges for US Nonprofits in 2025 – Funds for NGOs