القائد الذي يحتاجه العقد القادم… ليس كما تعتقد

ع ع ع

لم يعد المستقبل امتدادًا هادئًا للحاضر كما اعتدنا أن نتصوره، ولكنه صار مساحة تُتوارث بسرعة تتجاوز قدرتنا على التنبؤ ومعها تتقاطع جميع التحولات التقنية والاقتصادية والاجتماعية لتنتج واقعًا أكثر تعقيدًا، وأقل يقينًا. 

في هذا المشهد بالذات، وانطلاقا من فكرة مقال جميل نُشر على موقع SSIR لم تعد القيادة في القطاع غير الربحي وظيفة تُدار بالخبرة المتراكمة وحدها، ولا بالاستجابة المتأخرة لما يحدث، بل تحوّلت إلى قدرة على قراءة ما لم يحدث بعد، واتخاذ موقف منه قبل أن يفرض نفسه.

هنا تحديدًا يبدأ التحول الحقيقي: من قيادة تُدير الواقع إلى قيادة تُعيد تشكيله.


يخدعنا الاستقرار

يبدو العالم للوهلة الأولى وكأنه يسير وفق أنماط يمكن تتبعها، لكن هذا الإحساس بالاستقرار غالبًا ما يكون مضللًا نظرا إلى أنّ التحولات الكبرى لا تولد من المسارات التدريجية، هي من لحظات انقطاع مفاجئة تعيد تعريف القواعد بالكامل. وفي القطاع غير الربحي، يظهر هذا الخداع حين تستمر المنظمات في العمل بنفس الأدوات ونفس نماذج التمويل ونفس البرامج، وكأن البيئة من حولها ثابتة.

المشكلة لا تكمن في التكرار بحد ذاته، ولكنها تأتي في الافتراض الضمني بأن ما نجح بالأمس سيبقى صالحًا للغد، وهو افتراض يبدو منطقيًا لكنه في كثير من الأحيان أخطر ما يمكن أن تبني عليه منظمة مستقبلها.


من إدارة الواقع إلى تخيّل الاحتمالات

لا يقف القائد الذي يحتاجه العقد القادم عند حدود قراءة المؤشرات أو تحليل البيانات، هو يتجاوز ذلك إلى بناء تصورات متعددة لما يمكن أن يكون عليه الغد، وهو لا يبحث عن إجابة واحدة صحيحة، في المقابل يتعامل مع المستقبل بوصفه مساحة مفتوحة لاحتمالات متنافسة، لكل منها مساره وتداعياته.

هذا النوع من التفكير لا يمنح القائد يقينًا، لكنه يمنحه جاهزية وبدل أن تتفاجأ المنظمة بالتغير، تكون قد فكرت فيه مسبقًا، واستعدت له بدرجات متفاوتة وهنا يُحوّل هذا الفرق القيادة من رد فعل إلى فعل استباقي.


الحاضر بوصفه نقطة انطلاق

لا تعني القيادة المستقبلية الانفصال عن الحاضر أو تجاهله، مؤكّد أنها تعني إعادة تعريف العلاقة معه. فكل قرار يُتخذ اليوم، وكل نظام يُبنى، وكل مورد يُستثمر، هو في جوهره مساهمة مباشرة في تشكيل ملامح المستقبل ومن هذه النقطة لا يصبح الحاضر مجرد واقع يُدار، ولكنه منصة يُبنى عليها.

يتجلى هذا التحول في القطاع غير الربحي، حين تنتقل المنظمة من التركيز على النتائج السريعة إلى الاستثمار في الأثر طويل المدى، ومن الاكتفاء بتنفيذ البرامج إلى بناء المعرفة المؤسسية التي تجعل تلك البرامج قابلة للتطور والاستمرار.


ما لا يُقال : هو ما يوجّه القرار

في هذا السياق، لا تُبنى كثير من القرارات القيادية فقط على ما هو ظاهر وفي المقابل قد ترنو لنا افتراضات خفية تشكّل طريقة التفكير دون أن تُناقش وقد تكون هذه الافتراضات بديهية إلى درجة لا ننتبه لها، غير أنّها في عالم سريع التغير تستحيل إلى قيود غير مرئية.

بناءًا عليه، لا يكتفي القائد المستقبلي باتخاذ القرار ولكنه يعود خطوة إلى الوراء ليتأمل الأساس الذي بُني عليه هذا القرار ثم يسأل نفسه عمّا إذا كانت تلك المسلّمات ما تزال صالحة، أو أنها أصبحت جزءًا من الماضي الذي نحاول إسقاطه على واقع جديد. وفي هذا السؤال تحديدًا، تتشكل القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون.


اتخاذ القرار في مساحة غير مكتملة

كونها اختبار مستمر للقدرة على التحرك في ظل نقص المعلومات لا تُمارس القيادة في بيئة مستقرة، و لا تترافق معه بيانات كاملة ولا ضمانات كافية، ومع ذلك تظل القرارات مطلوبة، والتأخر في اتخاذها قد يكون أكثر كلفة من الخطأ نفسه. و من هذا المُنطلق، ليس التحدي كامنا في الوصول إلى اليقين، هو في بناء ثقة كافية للتحرك رغم غيابه لأنّ القائد لا ينتظر اكتمال الصورة، هو يتقدم بخطوة محسوبة، مدركًا أن التعلم جزء من المسار، لا نتيجة لاحقة له.


من القيادة إلى النّظام

الاعتماد على قائد واحد يمتلك القدرة على الاستشراف قد يبدو مريحًا في المدى القصير، لكنه يترك المنظمة مكشوفة في المدى الطويل لأنّ المستقبل لا يُدار بعقل فرد، ولكنه يُبنى من خلال منظومة تفكير جماعي تتوزع فيها القدرة على الرؤية والتحليل.

القائد الذي يصمد في العقد القادم بنجاح هو من يدرك أن دوره لا يقتصر على اتخاذ القرار، ويمتد إلى بناء بيئة قادرة على إنتاج قرارات أفضل بمرور الوقت : مثلُ بيئة تتعلم، وتجرب، وتعيد النظر، دون أن تفقد توازنها مع كل تغيير.


الخطأ بوصفه جزءًا من التقدم

في بيئة تتغير باستمرار، يصبح السعي إلى الكمال عائقًا أكثر منه هدفًا. 

في المنظمة التي تخشى الخطأ تتردد في التجربة، والمنظمة التي لا تجرّب تبقى أسيرة لما تعرفه فقط وهنا يتغير دور القائد من تقليل الأخطاء إلى تعظيم التعلم منها وليس الخطأ هو المشكلة، ولكنه عدم الاستفادة منه ومع كل تجربة غير مكتملة، تتشكل معرفة جديدة ترفع من جودة القرار التالي. وبهذا المعنى، يتحول المسار بأكمله إلى عملية تعلم مستمرة، لا إلى سلسلة من النجاحات والانكسارات المنفصلة.


القيادة كطريقة تفكير لا كأداة

لا يمكن اختزال القيادة المستقبلية في نموذج جاهز أو مجموعة أدوات تُطبّق كما هي. إنها أقرب إلى طريقة تفكير تتشكل مع الوقت، وتُختبر في المواقف، وتُعاد صياغتها مع كل تحول. تقوم على الانفتاح، والمرونة، والقدرة على مراجعة الذات، دون التمسك الصلب بما كان صحيحًا في وقتٍ ما.

وهذا ما يجعلها رحلة مستمرة، لا نقطة وصول.


من يبقى ومن يتلاشى

في العقد القادم، لن يكون الفارق الحقيقي بين المنظمات غير الربحية في حجم مواردها، ولكن لنُلق نظرةً في نوعية قيادتها بين من يكتفي بإدارة الحاضر ومن يمتلك القدرة على إعادة تعريفه، و بين من ينتظر التغير، ومن يذهب إليه قبل أن يصل.

القائد الذي سيبقى ليس بالضرورة الأكثر خبرة، ولا الأكثر حذرًا، هو القائد الأكثر قدرة على العيش في مساحة لا تقدم يقينًا، ومع ذلك يواصل التقدم، هو الشخص الذي يرى في الغموض فرصة، وفي التحول مجالًا للبناء، وفي المستقبل مشروعًا يمكن تشكيله لا مجرد انتظار حدوثه.

مقال مُترجم بتصرّف عن موقع SSIR ترجمة غير حصرية مع حفظ الحقوق الأدبية للناشر الأصليّ.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top