لم يعد الوقف في التجارب الخيرية الحديثة أصلًا ماليًا محفوظًا في دفاتر الاستثمار، ولا وعاءً ساكنًا تُستخرج منه العوائد ثم تُنفق في أوجه الخير، إذ يتقدم اليوم تصور أعمق يرى أن المال الموقوف جزء من رسالة المؤسسة بقدر ما هو أداة لتمويلها. من هذه الزاوية، لا يصنع الوقف أثره عند توزيع الريع فقط، بل حين يختار أين يستثمر، وأي قطاعات يدعم، وأي مستقبل يساعد على تشكيله.
تتضح ملامح هذا التحول في تجربة بريطانية حديثة جمعت عددًا من المؤسسات الخيرية حول سؤال يبدو ماليًا في ظاهره، لكنه قيمي في جوهره: ماذا لو وُجّه جزء من الأصول الاستثمارية نحو محفظة لا تقيس نجاحها بالعائد المالي وحده، وإنما بما تتركه من أثر طويل المدى على الأجيال القادمة؟ عند هذه العتبة تغادر إدارة الوقف معناها المحاسبي الضيق، لتدخل في اختبار أوسع يتعلق بقدرة المال الخيري على الانسجام مع الغاية التي أُنشئ من أجلها.
ورغم أن المبلغ المطروح في هذه التجربة يصل إلى خمسين مليون جنيه إسترليني، فإن أهمية الخبر لا تكمن في الرقم بحد ذاته، بل في طريقة النظر إلى الأصول الخيرية بوصفها مساحة تأثير لا تقل وزنًا عن المنح والبرامج والمبادرات. فالمال الذي تستثمره مؤسسة خيرية لا يتحرك في فراغ؛ إنه يمنح ثقته لقطاعات، ويغذي نماذج اقتصادية، ويدعم اختيارات قد تكون منسجمة مع رسالة المؤسسة، وقد تحمل في داخلها تناقضًا صامتًا مع القيم التي تعلنها.
وتزداد أهمية هذه الفكرة عند قراءتها من زاوية سعودية، لأن الوقف في ثقافتنا ليس مفهومًا وافدًا ولا ممارسة حديثة تبحث عن شرعية اجتماعية، بل هو أحد أعمق أشكال العلاقة بين المال والمعنى في تاريخ المجتمع. لذلك لا يبدو السؤال المعاصر متعلقًا بالمحافظة على الوقف وحدها، وإنما بكيفية جعل الأصل الوقفي نفسه يعمل بانسجام مع مقاصده؛ بحيث لا يكون نجاح الاستثمار محصورًا في تنمية الريع، بل ممتدًا إلى صيانة الرسالة وعدم مناقضة الغرض الذي حُبس المال لأجله.
هنا تظهر المفارقة التي ينبغي ألا تمر بهدوء: قد تنفق مؤسسة وقفية من ريعها على معالجة مشكلة اجتماعية، بينما تضع جزءًا من أصلها الاستثماري في قطاعات تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج المشكلة ذاتها. حين يحدث ذلك، لا يعود السؤال متعلقًا بكفاءة الاستثمار وحدها، بل بسؤال الأمانة؛ لأن الوقف لا يُسأل عمّا وزّعه من خير فقط، بل يُسأل كذلك عمّا فعله ماله قبل أن يصل إلى مرحلة التوزيع.
وقد وضعت التجربة البريطانية مديري الاستثمار أمام تحدٍّ مختلف عن المعتاد، إذ لم يُطلب منهم تصميم محفظة تحقق عائدًا مناسبًا ضمن مخاطر محسوبة فحسب، بل طُلب منهم التفكير في الأجيال القادمة بوصفها طرفًا حاضرًا في القرار. وبذلك لم تعد لغة العائد والمخاطر والتوزيع القطاعي كافية وحدها، لأن السؤال الاستثماري صار متصلًا بالسكن والتعليم والصحة النفسية والبيئة والعزلة الاجتماعية، وبكل ما يمكن أن يجعل مستقبل الشباب أقل ثقلًا بالمشكلات وأكثر قدرة على الحياة.
ومن خلال هذا التحول يتضح الفارق بين الاستثمار التقليدي والاستثمار المؤثر دون حاجة إلى شرح نظري طويل. الاستثمار التقليدي يسأل عن المكان الأنسب لوضع المال حتى يعود بأفضل نتيجة مالية ممكنة، أما الاستثمار المؤثر فيضيف سؤالًا أشد حساسية: ماذا يصنع المال أثناء رحلته إلى الربح؟ وليس المقصود أن يتحول الوقف إلى مغامرة عاطفية أو أن يتنازل عن سلامة الأصل، وإنما أن تتسع المهنية الاستثمارية لتشمل أثر المال لا عائده وحده.
ولم تقف المبادرة عند حدود الخبراء ومديري الأصول ومجالس الأمناء، إذ أدخلت صوت الشباب في عملية التقييم من خلال لجنة حملت اسم “لجنة الأجيال القادمة”. كان هذا الحضور مهمًا لأنه نقل الشباب من موقع المتلقي أو المستفيد إلى موقع الشريك في مساءلة المال الخيري، وجعلهم جزءًا من النقاش حول ما ينبغي أن تفعله الأصول الوقفية حين تتحرك داخل الأسواق، لا حين توزع عوائدها بعد انتهاء السنة المالية.
ومن زاوية العمل غير الربحي المحلي، تبدو هذه النقطة جديرة بتأمل واسع؛ فكثير من المنظمات والأوقاف تتحدث عن الشباب بوصفهم مستفيدين أو متطوعين أو جمهورًا للحملات، غير أنها نادرًا ما تمنحهم موقعًا داخل الأسئلة الاستراتيجية الكبرى المتعلقة بالاستثمار والمستقبل. وحين يُسأل الجيل الجديد عن نوع المستقبل الذي يريد أن تموله المؤسسات الخيرية، فإن الإجابة لا تبقى محصورة في البرامج والأنشطة، بل تمتد إلى طبيعة القطاعات التي تستحق الدعم، وإلى طريقة قراءة التحولات الاجتماعية والاقتصادية من عين من سيعيش نتائجها بعد سنوات طويلة.
وقد كشفت أسئلة الشباب في التجربة البريطانية أن الجيل الجديد لا يتعامل مع العمل الخيري باعتباره نية حسنة تكفي بذاتها، وإنما ينظر إليه من خلال قدرته على تجنب التناقض بين الخطاب والممارسة. لذلك امتدت اهتماماته إلى المناخ والسكن والتعليم والصحة النفسية والعزلة الاجتماعية وعدم المساواة، وهي موضوعات قد يختلف ترتيبها بين بلد وآخر، لكنها تحمل رسالة واحدة قابلة للفهم في السياق السعودي: المؤسسة الخيرية لا تُسأل اليوم عما تنفقه فقط، بل تُسأل أيضًا عما تستثمر فيه.
وتمنح التجربة بعدًا آخر حين نلاحظ أنها لم تعرض الاستثمار المؤثر كواجهة اتصالية أو عنوان دعائي، وإنما كمسار تنافسي مفتوح دُعيت فيه شركات إدارة الاستثمار إلى تقديم تصوراتها ومناقشتها أمام جمهور أوسع من المؤسسات والمهتمين والشباب. بهذا المعنى خرجت إدارة المال الخيري من صورتها التقليدية المغلقة، حيث تُدار القرارات بلغة فنية لا يفهمها إلا المختصون، إلى فضاء أكثر قابلية للمساءلة، تصبح فيه الأرقام مدخلًا للنقاش لا ستارًا يحجب أسئلة القيم.
ولا يعني استحضار هذه التجربة أن الأوقاف السعودية مطالبة بنقل النموذج كما هو، لأن لكل بيئة نظامها ومقاصدها وطبيعة أصولها وحساسياتها الشرعية والتنظيمية. غير أن الدرس الأعمق قابل للتوطين بوضوح، ويتمثل في قدرة الوقف على بناء إطار استثماري يوازن بين حماية الأصل، وتحقيق العائد، ووضوح الأثر، وانسجام المحفظة مع الغرض الوقفي. هذه البداية لا تحتاج دائمًا إلى مبادرة ضخمة بقدر ما تحتاج إلى سؤال جاد داخل لجنة الاستثمار: هل تعكس محفظتنا القيم التي نقول إننا نحملها؟
وفي الأدبيات الغربية يُستخدم مصطلح “الأصول الوقفية” للدلالة على الأموال طويلة الأجل التي تملكها المؤسسات الخيرية وتستثمرها لضمان استمرار رسالتها، وهو معنى يختلف في خلفيته القانونية والفقهية عن الوقف في التصور الإسلامي، لكنه يلتقي معه في الفكرة العامة القائمة على أصل يبقى وعائد يخدم منفعة عامة. لذلك لا نقرأ هذه التجارب بوصفها نماذج جاهزة للاستنساخ، وإنما بوصفها أسئلة تساعدنا على مراجعة موقع الاستثمار داخل العمل الوقفي: هل بقي عند حدود المحافظة، أم أصبح شريكًا في صناعة الأثر؟
وتاريخ الوقف في الحضارة الإسلامية يمنح هذا السؤال عمقًا إضافيًا، فقد كان الوقف أداة لبناء المستقبل قبل أن تظهر اللغة الحديثة للاستدامة والاستثمار المؤثر. لقد موّل التعليم والرعاية والمياه والضيافة والخدمات العامة، وصنع علاقة واسعة بين المال والمنفعة العامة، ومع تعقد الاقتصاد وتنوع أدوات الاستثمار صار التحدي الجديد متمثلًا في قدرة الوقف على الاحتفاظ بروحه المقاصدية داخل أسواق معقدة، بحيث لا تصبح المحافظ الاستثمارية عالمًا منفصلًا عن رسالة الوقف، وإنما امتدادًا لها.
ولا تتحقق هذه النقلة بالشعارات أو اللغة الوجدانية، وإنما بسياسات استثمار مكتوبة، ومعايير واضحة، ومراجعة دورية، وشفافية أكبر مع أصحاب العلاقة، وإدخال صوت الخبراء والمستفيدين حين يكون ذلك مناسبًا. كما تحتاج إلى إعادة تعريف العائد نفسه، لا بوصفه رقمًا يظهر في نهاية السنة المالية، وإنما منظومة نتائج تشمل العائد المالي، والأثر الاجتماعي، والسمعة المؤسسية، والثقة العامة، والاتساق الأخلاقي بين ما تقوله المؤسسة وما تفعله بأموالها.
حين وصلت التجربة البريطانية إلى مرحلة اختيار مدير استثمار للمحفظة بعد منافسة بين جهات متخصصة، لم تكن القيمة الحقيقية محصورة في اسم الجهة الفائزة، وإنما في المنهج الذي جعل المنافسة مفتوحة، وأشرك الشباب، واختبر المقترحات علنًا، وربط رأس المال الخيري بسؤال المستقبل. وهذا المنهج يمنح المؤسسات المالكة لأصول طويلة الأمد درسًا يتجاوز تفاصيل السوق البريطاني، مفاده أن الحفظ وحده لم يعد كافيًا حين تكون المؤسسة قادرة على تحويل رأس مالها إلى قوة واعية للتأثير.
ومن منظور الحوكمة، لا يبدو الاستثمار المسؤول ترفًا فكريًا، بل علامة على نضج المؤسسة. فالوقف الرشيد لا يسأل عن مقدار ما ربحه فقط، بل يسأل كذلك عما صنعه ماله في الطريق إلى ذلك الربح، لأن الربح الذي يأتي محمولًا على أثر يناقض الرسالة ليس نجاحًا كاملًا، مهما بدا مطمئنًا في القوائم المالية.
ومع أن هذه الفكرة طموحة، فإنها لا تلغي الحذر ولا تضعف الانضباط المالي ولا تدعو إلى اندفاع غير محسوب. على العكس من ذلك، هي ترفع سقف المهنية؛ لأن الجمع بين العائد والأثر يتطلب قدرة أعلى على التحليل، وفهمًا أعمق للقطاعات، وقياسًا أدق للمخاطر، ومساءلة أكثر جدية لمديري الأصول. ومن ثم لا يكون الاستثمار المؤثر تنازلًا عن الاحتراف، وإنما ترقية له من إدارة الأرقام إلى إدارة المعنى الكامن خلفها.
وفي السياق السعودي، حيث يتسع الحديث عن الاستدامة المالية وتنمية القطاع غير الربحي وتطوير الأوقاف، تستحق هذه الفكرة أن تتحول إلى نقاش مؤسسي لا إلى إعجاب عابر بتجربة أجنبية. المطلوب ليس أن تصبح كل الأوقاف صناديق استثمار مؤثر بالمعنى العالمي، وإنما أن ينشأ وعي جديد يرى أن أموال الوقف ليست خارج الرسالة، وأن أثر الوقف لا يكتمل ما لم تُدار أصوله بوعي قيمي واستراتيجي يليق بطول عمره وعمق مقصده.
أما الأجيال القادمة، فهي لا تنتظر من المؤسسات الخيرية عاطفة طيبة وحدها، وإنما قرارات أكثر حكمة في إدارة الموارد التي ستصل آثارها إلى زمنهم. والوقف في جوهره ليس مشروعًا قصير النفس، بل وعد طويل الأمد يحبس فيه الإنسان مالًا حاضرًا ليبني به خيرًا ممتدًا، لا ينتهي عند حدود جيله ولا يضيق بحسابات زمنه.
من هذا المعنى تنبثق الفكرة الأهم: الوقف الذي يصنع المستقبل لا يكتفي بأن يبقى، وإنما يسأل كيف يبقى، وأين ينمو، ومن يخدم، وما الأثر الذي يتركه وهو ينمو. وحين يصبح رأس المال الوقفي أكثر وعيًا بمن سيأتي بعدنا، فإننا لا نحافظ على المال وحده، بل نحافظ على المعنى الذي من أجله وُجد المال.
أُعدّ هذا المقال بتصرف تحريري موسّع مستندًا إلى خبر منشور في Civil Society Media، مع الاستفادة من بيانات مبادرة Endowments Investing Challenge وتحديثاتها اللاحقة.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
