في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، لم تعد النماذج التقليدية وحدها كافية لفهم جذور التحديات أو تقديم حلول فعالة لها. وهنا يظهر دور "رواد الأعمال الاجتماعيين" الذين يتصرفون ـ بعبارة المؤلفين ـ كـ"أشخاص غير عقلانيين": يرفضون التسليم بالواقع كما هو، ويصرون على تغييره مهما بدا ذلك غير منطقي.
في هذا الكتاب الصادر عن كلية هارفارد للأعمال عام 2008، يقدّم جون إلكينغتون وباميلا هارتيغان رحلةً تحليلية عبر أكثر من خمسين تجربة عالمية لأشخاص أُطلق عليهم وصف "المجانين" في البداية، قبل أن يُعترف بهم لاحقًا كصُنّاع نماذج وأسواق جديدة.
في هذه المراجعة التي أعدّها "البنك الثالث"، نسلّط الضوء على جوهر الكتاب، ونستعرض النماذج والممارسات التي يمكن تكييفها أو إلهام القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية بها، ضمن سعيه نحو استدامة أكبر، وتأثير أعمق، ونماذج أكثر مرونة وابتكارًا.
من يصنع التغيير؟ أولئك الذين يرفضون الواقع.
حين قال جورج برنارد شو إن "العقلاني يتكيف مع العالم، أما غير العقلاني فيُصرّ على تكييف العالم معه؛ ولذلك، كل التقدم يعتمد على غير العقلانيين", لم يكن يدرك أن هذه المقولة ستصبح حجر الزاوية في أدبيات ريادة الأعمال الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين.
3 نماذج لإعادة بناء السوق من أجل الناس
يقترح المؤلفان تصنيفًا عميقًا لرواد الأعمال الاجتماعيين، ينقسم إلى ثلاثة نماذج رئيسية، كل منها يعكس رؤية مختلفة لعلاقة المنظمات غير الربحية بالسوق والتمويل:
1. المنظمات غير الربحية ذات النفوذ (Leveraged Nonprofit Ventures)
تعتمد على التمويل الخيري أو الحكومي، لكنها تستخدمه بذكاء لتوسيع التأثير.
مثال: Barefoot College (الهند)
مؤسسة أنشأها بانكر روي، تعتمد على تدريب نساء أميات في القرى النائية على تركيب أنظمة الطاقة الشمسية بأنفسهن، دون شهادات ولا مؤهلات رسمية، بل بالاعتماد على المعرفة المجتمعية. كانت الفكرة مجنونة في نظر الكثيرين، لكنها أصبحت نموذجًا عالميًا لتوطين التقنية وتمكين المجتمعات.
2. المنظمات الهجينة (Hybrid Ventures)
تجمع بين الإيرادات الذاتية والتمويل غير الربحي، وتخلق نماذج تجارية تلائم المجتمعات.
مثال: Rubicon Programs (أمريكا)
منظمة بدأت كجهة تدعم إعادة تأهيل المشردين وذوي التحديات الذهنية، ثم تحولت إلى مشغل اقتصادي يملك مخابز، ومراكز تنسيق الحدائق، ويُوظف المئات سنويًا. المشروع يدر دخلًا بالملايين لكنه لا يفقد بوصلته الاجتماعية.
مثال: Aravind Eye Care (الهند)
نموذج طبي ثوري يعالج أكثر من 60% من المرضى مجانًا، ويعتمد في تمويله على شريحة تدفع مقابلاً رمزيًا. بفضل الكفاءة التشغيلية والتميّز في إدارة التكاليف، أصبح المستشفى يقدم أكثر من 2.8 مليون عملية سنويًا، بميزانية ذاتية، ونموذج يُدرس في هارفارد ومعهد الهند للتقنية.
3. الأعمال الاجتماعية (Social Business Ventures)
تُدار كشركات ربحية، لكن هدفها الرئيسي هو التأثير الاجتماعي أو البيئي.
مثال: Sekem (مصر)
أطلقها الدكتور إبراهيم أبو العيش، وأصبحت منظومة متكاملة تضم الزراعة الحيوية، المصانع، المدارس، مركزًا للطب البديل، ومشاريع تصديرية للاتحاد الأوروبي. المشروع لا يعيش على التبرعات، بل على العوائد الناتجة من جودة منتجه، وعمق رسالته المجتمعية.
مثال: La Fageda (إسبانيا)
شركة ألبان في كتالونيا توظف مرضى نفسيين. بدأت كفكرة يعتبرها المجتمع “غير واقعية”، لكنها اليوم تنافس شركات مثل "دانون" و"نستله"، وتوفر بيئة عمل تُخرج المستفيد من دور "المريض" إلى دور "المنتج الفخور".
مثال: Whole Foods (الولايات المتحدة)
سلسلة متاجر أسسها جون ماكي، تُعد من أنجح الشركات البيئية، وتطرح مفهوماً متقدمًا لـ"الرأسمالية الواعية"، حيث تُراعي الشركة مصالح المزارعين، والبيئة، والمستهلك، وتحقق في الوقت ذاته أرباحًا مجزية.
ليس كل "جنون" انتصارًا سريعًا
كيف يُفيد هذا الكتاب العاملين في القطاع غير الربحي؟
تجاوز منطق “الخدمة” إلى “النموذج”
الكتاب يدعو إلى الانتقال من مجرد تقديم المساعدات إلى بناء حلول يشارك فيها المستفيدون، ويملكون أدواتها.
التمويل ليس الغاية، بل الأداة
كل النماذج الناجحة لم تبدأ بوفرة تمويلية، بل بفكرة جريئة ثمّ نضجت باتجاه التمكين المالي الذاتي.
القيادة غير التقليدية هي حجر الأساس
لم يكن أي من مؤسسي هذه المشاريع “قائدًا نظاميًا”. بل كانوا جميعًا أشخاصًا “غير عقلانيين” بالمعايير السائدة.
من السعودية إلى الهند: هل يمكن أن نُعيد إنتاج هذه النماذج محليًا؟
-
برامج مثل مشروع سكن أو مراكز التنمية الأسرية، يمكن إعادة تصميمها لتتبنى نماذج هجينة مستدامة، تربط بين التدريب المهني وسوق العمل.
-
الجمعيات الصحية والمجتمعية قادرة على تبني نماذج تشبه Aravind، مثل تقديم خدمات مجانية بتمويل ذاتي جزئي.
-
الجمعيات الزراعية في الجنوب والغرب السعودي يمكن أن تستلهم من Sekem في التحول إلى سلاسل إنتاج متكاملة ذات أثر بيئي واقتصادي.
اللاعقلانيون ليسوا مجانين… بل سابقون لعصرهم
في السياق السعودي، ما أحوج القطاع غير الربحي اليوم إلى "لاعقلانيين نابهين"، يتجاوزون منطق التقليد، ويعيدون رسم العلاقة بين المجتمع والتمويل، بين الخدمة والتمكين، وبين الحاجة والابتكار.
من أراد أن يكون جزءًا من الحل، لا يكفي أن يُنفّذ… بل عليه أن يبتكر.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
