لم يعد الوقف فكرة بعيدة تُستدعى في أواخر العمر، ولا وصية تُكتب حين يقترب الإنسان من ترتيب ما بعد الغياب: ثمة جيل جديد بدأ ينظر إلى العطاء الممتد بوصفه جزءًا من سؤال أكبر: ما الذي يستحق أن يبقى منّا؟ وكيف يمكن للمال، حين يُدار بوعي، أن يتحول إلى معنى نافع لا ينقطع؟
ينطلق هذا المقال من طرح منشور في منصة Charity Digital حول علاقة جيل الألفية وجيل إكس بالعطاء عبر الوصايا، مع إعادة صياغته بما يناسب النقاش الخيري والوقفي، ويفتح زاوية قريبة من واقع المنظمات التي تبحث عن ثقة الجيل الجديد: كيف نخاطب أشخاصًا لا يريدون سماع الوعود فقط، وإنما يريدون رؤية الأثر، وفهم الطريق، والاطمئنان إلى أن ما يتركونه سيصل إلى الناس بوضوح وكرامة؟
من الوصية إلى معنى الأثر
تظهر في السنوات الأخيرة مؤشرات لافتة على تغيّر علاقة الأجيال الأصغر سنًا بفكرة الوصية والعطاء الممتد لأنّ جيل الألفية وجيل إكس أخذا يفكران في المستقبل بطريقة أكثر تنظيمًا، لا من زاوية حماية الأسرة وحدها، وإنما من زاوية المعنى الذي يمكن أن يمتد بعد الحياة الشخصية.
وقد منحت الجائحة هذا السؤال حضورًا أكثر إلحاحًا : كثيرون، ومن بينهم فئات عمرية لم تكن تفكر سابقًا في الوصية، وجدوا أنفسهم أمام هشاشة الحياة، وأمام سؤال لا يخلو من القلق والمسؤولية من قبيل: ماذا سيحدث للعائلة إذا وقع الأسوأ؟ وما الذي يمكن أن يبقى من القيم التي نؤمن بها حين تنتهي قدرتنا على الفعل المباشر؟
وتشير أبحاث حديثة إلى أن الفئات العمرية الممتدة بين جيل الألفية، ممن تتراوح أعمارهم بين 26 و41 عامًا، وجيل إكس، ممن تتراوح أعمارهم بين 42 و57 عامًا، أصبحت أكثر استعدادًا للتفكير في ترك هبات خيرية ضمن وصاياها و هذا التحول يأتي ضمن نمو أوسع متوقع في العطاء عبر الوصايا بعد الجائحة.
وتقدّر مؤسسة ليغاسي فورسايت (Legacy Foresight) أن الدخل السنوي المتأتي من هذا النوع من العطاء قد يصل إلى 4.2 مليار جنيه إسترليني خلال السنوات الأربع المقبلة، مع معالجة التراكم الكبير في الوصايا الذي خلّفته الأزمة الصحية.
لذلك، لم يعد السؤال أمام المنظمات الخيرية: هل يهتم الجيل الجديد بالعطاء الممتد؟ السؤال الأعمق هو: كيف يمكن مخاطبته بلغة يفهمها، بقيمة يثق بها، ثم بأثر يشعر أنه امتداد حقيقي لما يريد أن يتركه خلفه؟
الأجيال الجديدة والعطاء الممتد
تكشف أبحاث أجرتها الوكالة الإبداعية دبليو بي إن سي (WPNC) أن ما يقارب نصف جيل الألفية وجيل إكس، بنسبة 44%، فكّروا في التبرع لمنظمة خيرية من خلال الوصية، وتستند هذه النتيجة إلى استطلاع شمل 500 شخص من هاتين الفئتين العمريتين.
اللافت أن معظم من تتراوح أعمارهم بين 26 و57 عامًا لم يكتبوا وصاياهم بعد، وهو ما يمنح المنظمات الخيرية مساحة واسعة لبناء علاقة مبكرة مع هذه الأجيال، قبل أن تتشكل قراراتها النهائية حول المال، والأسرة، والأثر الذي ترغب في تركه.
ففي جيل إكس، لم يكتب 70% وصاياهم بعد، بينما ترتفع النسبة بين جيل الألفية إلى 87%، وفقًا لنتائج البحث وتعني هذه الأرقام أن العمل الخيري لا يقف أمام جمهور حسم اختياراته، وإنما أمام جمهور لا يزال في مرحلة التفكير وتكوين القرار.
وتتسع الفرصة أكثر حين نعرف أن 9% فقط من جيل إكس، و3% فقط من جيل الألفية، الذين اختاروا بالفعل الجهة الخيرية التي يرغبون في ترك هبة لها ضمن وصاياهم: أي أن مساحة التأثير لا تزال كبيرة، وأن الثقة لم تُمنح بعد لجهة بعينها.
هنا يظهر السؤال الأصعب: هل تجيد المنظمات الخيرية الوصول إلى هذه الفئات؟ تشير نتائج دبليو بي إن سي إلى أن الأداء ما يزال أقل من الممكن إذ قال نحو ثلث جيل الألفية وجيل إكس إنهم لم يشاهدوا من قبل أي إعلان أو رسالة تواصلية حول العطاء عبر الوصايا.
وترى غيل كوكسون، مديرة التسويق والعطاء عبر الوصايا في دبليو بي إن سي، أن السبب الأرجح، خصوصًا مع جيل الألفية، هو أن هذه الفئة لا تُستهدف أصلًا بحملات التسويق الخاصة بالعطاء الممتد. ومن هنا تحتاج المنظمات الخيرية إلى طرق مختلفة لمخاطبة هذا الجمهور؛ لا بوصفه بعيدًا عن الفكرة، وإنما بوصفه جمهورًا لم تُفتح معه المحادثة بعد.
خدمة كتابة الوصية مجانًا
تُظهر نتائج البحث أن تقديم خدمة مجانية لكتابة الوصية قد يكون من أكثر المداخل فاعلية للوصول إلى الأجيال الأصغر سنًا في موضوع العطاء الممتد، فقد أبدى أكثر من ثلث جيل الألفية اهتمامًا بسماع عرض من هذا النوع من جهة خيرية، كما أبدى نحو ربع جيل إكس اهتمامًا مشابهًا.
أما من كتبوا وصاياهم بالفعل، فقد قال 36% منهم إنهم كانوا يستخدمون خدمة مجانية لكتابة الوصية تقدمها منظمة خيرية لو علموا بوجودها، في المقابل تكشف هذه النتيجة أن المشكلة لا تكمن دائمًا في ضعف الرغبة، فقد تكون في غياب العرض المناسب، أو ضعف ظهوره، أو تقديمه بلغة لا تصل إلى الجمهور في اللحظة الصحيحة.
وتشير دبليو بي إن سي إلى أن عددًا من المشاركين أوضحوا، عند سؤالهم بتفصيل أكبر، أنهم سيكونون مستعدين لترك هبة خيرية في وصاياهم مقابل الحصول على إرشاد موثوق في كتابة الوصية.
وتعلّق غيل كوكسون على ذلك بأن تسويق العطاء عبر الوصايا ظل، في كثير من المنظمات الخيرية، موجّهًا إلى كبار السن؛ لأنهم الأكثر احتمالًا لكتَابة وصاياهم، والأقرب إلى التفكير في مصير أصولهم بعد الوفاة.
غير أن ما بعد الجائحة كشف تحولًا جديدًا، حيث ارتفع وعي الأجيال الأصغر بالتخطيط للمستقبل، وبفكرة كتابة الوصية على وجه الخصوص، وتعد كوكسون هذا التحول فرصة كبيرة أمام المنظمات الخيرية لعرض قضيتها وبناء علاقة مبكرة مع جيل الألفية وجيل إكس، قبل أن تستقر اختياراتهم النهائية.
وفي السياق الخيري والوقفي، تفتح هذه الفكرة بابًا مهمًا للتفكير إذ لم يعد الحديث عن الوصية أو الوقف شأنًا متأخرًا في العمر، مع إمكانية أن يصبح جزءًا من ثقافة التخطيط المبكر للأثر؛ حيث يفكر الإنسان في ماله، وفي المعنى الذي يريد أن يبقى بعده، وفي الطريق الذي يجعل هذا المعنى نافعًا ومنظمًا وقابلًا للاستمرار.
نقل الحديث إلى الفضاء الرقمي
توصي مبادرة ريممبر أ تشاريتي (Remember A Charity)، وهي تحالف خيري متخصص في تعزيز العطاء عبر الوصايا، بأن تنقل المنظمات الخيرية هذا النقاش إلى الفضاء الرقمي، من أجل فتح حوار أكثر راحة وشفافية حول موضوع ما يزال يُنظر إليه في كثير من البيئات بوصفه حساسًا أو مؤجلًا أو غير مريح.
تمنح وسائل التواصل الاجتماعي المنظمات فرصة للحديث عن العطاء الممتد مع جمهور يعرفها أصلًا ويقدّر رسالتها، ولهذا تدعو المبادرة إلى توظيف المقاطع المُصوّرة بصورة أكبر، لا على أنها أداة ترويجية عابرة، وإنما كوسيلة لسرد القصص، وشرح الأثر، وتقريب الفكرة من الوجدان.
هذا المدخل مهم خصوصًا مع الأجيال الأصغر سنًا، كونها أجيال تعيش في الفضاء الرقمي، وتتعاطى مع القضايا الكبرى من خلال الصورة، والقصة، والتجربة الإنسانية، وكلما استطاعت المنظمة أن تنقل الحديث عن الوصية أو الوقف من لغة قانونية جافة إلى قصة أثر حي، اقتربت من بناء علاقة عاطفية ومعرفية مع هذا الجمهور.
الدليل على الأثر
لا يكفي أن تطلب المنظمة من الجمهور أن يترك أثرًا ممتدًا، بل بالأحرى عليها أولًا أن تُظهر أن أثرها الحالي يستحق أن يُمدَّد و من هاهنا تصبح المواقع الإلكترونية وقنوات التواصل الاجتماعي منصات حاسمة لعرض نتائج العمل الخيري بلغة واضحة، وأرقام مفهومة، وقصص إنسانية مقنعة.
وتشير أبحاث من الولايات المتحدة إلى أن أكثر من خُمس المتبرعين من جيل الألفية يرغبون في الاطلاع على تقارير الأثر قبل التبرع، بينما يبحث أكثر من ربعهم عن هذه المعلومات في حسابات المنظمات الخيرية على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تميط هذه الأرقام اللثام عن عدم اكتفاء الجيل الجديد بالثقة العامة، ولكن رغبته تطورت في الكشف عما تغيّر فعلًا، وأين ذهبت الموارد، وكيف تحوّلت النية الخيرية إلى نتيجة ملموسة.
في هذا المعنى، يصبح تقرير الأثر أكثر من وثيقة سنوية، إنه لغة ثقة ورسالة ضمنية تقول للمتبرع المحتمل: هذا ما نفعله اليوم، وهذا ما يمكن أن يستمر غدًا إذا اخترت أن تجعل عطاءك ممتدًا.
دراسة حالة: منظمة Guide Dogs
من النماذج اللافتة في هذا المجال منظمة غايد دوغز (Guide Dogs)، التي جمعت بين مسارين مهمين: تقديم خدمة مجانية لكتابة الوصية، وعرض أدلة واضحة على أثر عملها عبر الإنترنت.
تتيح المنظمة لمَناصريها خدمة مجانية سواء كانوا يكتبون وصية من البداية، أو يرغبون في تعديل وصية قائمة والأهم أنها تقدم هذه الخدمة بطرق متعددة تناسب اختلاف الأجيال؛ فمن يفضّل اللقاء المباشر يمكنه الاستفادة من محامٍ، ومن يفضل الحلول الرقمية يستطيع إنجاز ذلك عبر الإنترنت.
وفي جانب الأثر، تعرض المنظمة معلومات مختصرة وسهلة الفهم حول كيفية إنفاق أموالها.
على سبيل المثال، توضّح أن 54 بنسًا من كل جنيه تنفقه يذهب إلى توفير كلاب الإرشاد وخدمات البالغين للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، كما تستخدم المقاطع المُصوّرة بكفاءة في التسويق للتبرّع عبر الوصايا، وتعرض عبر موقعها قصصًا ملهمة لأشخاص تغيّرت حياتهم بفضل خدماتها.
تكشف هذه التجربة درسًا بالغ الأهمية للمنظمات الخيرية والوقفية: الجيل الجديد لا يريد أن يسمع عن الخير كوعود عامة هو يريد أن يرى طريق المال إلى الأثر، وأن يشعر أن وصيته أو وقفه لن يذهب إلى صندوق مجهول، وإنما إلى قصة يمكن تخيّلها، ونتيجة يمكن الوثوق بها، وأثر يمكن الاطمئنان إلى امتداده.
الوقف بوصفه ذاكرة نافعة للمستقبل
لم تعد فكرة الوقف تنتمي إلى خاتمة الحياة، وإنما إلى لحظة الوعي التي يبدأ فيها الإنسان بسؤال أعمق: ما الأثر الذي يستحق أن يستمر بعدي؟ هنا يتجاوز العطاء معناه المالي المباشر، ويتحوّل إلى اختيار حضاري بين ما يُستهلك وينتهي، وما يُصان وينمو ويعود نفعه على الناس.
لا تنجذب الأجيال الجديدة إلى الخطاب الخيري العام بقدر انجذابها إلى الوضوح، والشفافية، والدليل، والقصة الصادقة، هي أجيال تريد أن تعرف أين يذهب العطاء، ومن ينتفع به، وكيف ينتقل من نية نبيلة إلى أثر قابل للرؤية والقياس. ولذلك، فإن المنظمات الخيرية والوقفية التي تكسب ثقة هذا الجيل هي الأكثر قدرة على شرح أثرها، وتبسيط أدواتها، وبناء علاقة طويلة مع جمهور يفكر في الخير بعقل جديد وحساسية مختلفة.
بهذا المعنى، لا يكون الوقف مجرد أصل ثابت، وإنما ذاكرة نافعة للمستقبل ولا تكون الوصية إجراءً مؤجلًا، وإنما قرارًا مبكرًا بأن يبقى للإنسان نصيب من الخير حين تنقطع قدرته على العمل، وكلما نجحت المؤسسات في تحويل هذا المعنى إلى تجربة موثوقة وواضحة، صار العطاء الممتد جزءًا من ثقافة الحياة، لا مجرد ترتيب لما بعدها.
تنويه: نُشر هذا المقال مترجمًا بتصرف عن منصة Charity Digital، مع إعادة صياغة تحريرية تناسب سياق القطاع الخيري والوقفي، ولا تُعد هذه الترجمة حصرية.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
