التحالف الذكي: طريق ثالث بين العزلة والاندماج

ع ع ع


“اليوم ونحن نخوض غمار التحديات التنموية، لم يعد السؤال من يعمل أكثر… صار السؤال من يعمل مع من، وكيف يعملون.”


لا يكفي أن تعمل وحدك… ولا ينجح أن تندمج بالكامل

بهذه الروح، يتشكل التحول في القطاع غير الربحي عالميًا، ويتجلى بوضوح في المملكة العربية السعودية، حيث لم يعد العمل الخيري نشاطًا هامشيا ولكنه في المقابل ركيزة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تسعى إلى رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي إلى 5%.

وفي السياق ذاته، يشير المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي إلى نمو متسارع في عدد المنظمات غير الربحية، حيث تجاوزت 3,000 منظمة حتى عام 2023، مع استمرار التوسع في التراخيص والممكنات التنظيمية، ويطرح هذا التوسع استفسارا جوهريًا: كيف يمكن لهذا العدد المتزايد من الكيانات أن يعمل بفعالية دون تكرار أو تشتت؟ وهنا، تجد المنظمات نفسها بين خيارين تقليديين: العمل الفردي أو الاندماج الكامل.

غير أنّ بينهما ينبثق مسار ثالث أكثر توازنًا: التحالف الذكي.


لماذا تفشل معظم الشّراكات رغم نواياها الجيدة؟

رغم تنامي المبادرات المشتركة في المملكة، خاصة في مجالات الإسكان والتنمية وتمكين الشباب، إلا أن جزءًا منها لا يحقق الأثر المتوقع. ويرتبط ذلك غالبًا بضعف التصميم الاستراتيجي للتعاون، حيث تغيب الأهداف المشتركة الدقيقة، أو تتباين أولويات الجهات، أو تنعدم الجهة التنسيقية التي تضبط الإيقاع.

وتشير أدبيات العمل غير الربحي ومنها طرح Stanford Social Innovation Review الذي استلهمنا منه فكرة المقال إلى أن غياب “العمود الفقري” للتنسيق، وافتقار الشراكات إلى نظام قياس مشترك، يعدان من أبرز أسباب تعثر المبادرات التعاونية. وفي السياق السعودي، يؤدي هذا الخلل إلى تكرار البرامج وتشتت الموارد، وهو ما يتعارض مع توجهات كفاءة الإنفاق وتعظيم الأثر التي تقودها الجهات التنظيمية.


الاندماج هل هو الحل دائمًا؟

في المقابل، شهد القطاع غير الربحي في المملكة توجهات مدعومة نحو الاندماج المؤسسي، بهدف رفع الكفاءة وتعزيز الاستدامة، خصوصًا في ظل البرامج التحفيزية التي تدعم إعادة هيكلة الكيانات.

غير أن هذا الخيار، رغم أهميته، لا يصلح كحل شامل، خاصة في القطاع الوقفي، حيث ترتبط الأوقاف بشروط الواقفين ونصوصهم، وفق ما تنظمه الهيئة العامة للأوقاف مما يجعل الاندماج الكامل معقدًا من الناحية الشرعية والتنظيمية. كما أن دمج الثقافات المؤسسية، وتعقيد الهياكل الإدارية، قد يؤديان إلى بطء اتخاذ القرار، وهو ما يتطلب البحث عن نموذج أكثر مرونة.


التحالف الذكي: تعريف يتجاوز عبارة “التعاون”

في هذا السياق، يبرز “التحالف الذكي” بوصفه نموذجًا يوازن بين الاستقلال والتكامل، حيث يمكن للجهات خاصة الأوقاف والجمعيات أن تعمل ضمن إطار مشترك يخدم هدفًا محددًا، دون أن تفقد هويتها المؤسسية. و يتماهى هذا النموذج مع توجهات الحوكمة الحديثة في المملكة، التي تؤكد على وضوح الأدوار، وقياس الأثر، وتعزيز الشفافية، كما ورد في أدلة الحوكمة الصادرة عن الجهات التنظيمية.


كيف يعمل نموذج التحالف التعاوني للأثر؟

يقوم هذا النموذج على بنية مترابطة تبدأ بوجود جهة تنسيقية، قد تكون مؤسسة مانحة، أو جهة وسيطة، أو مبادرة وطنية، تتولى إدارة العلاقة بين الأطراف وضمان توافق الجهود.

وفي هذا الإطار، يعتمد النموذج على قياس الأثر بشكل مشترك، وهو ما يتناغم مع توجهات التقارير الدورية والحوكمة التي تشدد عليها الجهات التنظيمية في المملكة، حيث لم يعد كافيًا تقديم نتائج منفصلة، بل أصبح المطلوب إظهار الأثر الكلي الناتج عن تكامل الجهود.

كما يتجلى التكامل في توزيع الأدوار، حيث يمكن لوقف أن يتولى التمويل، وجمعية أن تنفذ البرامج، وشركة أن تقدم الحلول التقنية، ضمن منظومة واحدة، مدعومة بتواصل مستمر يعزز الثقة ويضمن الاستدامة.


متى يصبح هذا النموذج حاجةً ماسّةً؟

مع اتساع التحديات التنموية في المملكة على غرار جودة الحياة، وتمكين الشباب، والتنمية الاقتصادية—لم يعد ممكنًا لأي جهة أن تعمل بمفردها. فهذه القضايا بطبيعتها مركبة، وتتطلب تكاملًا بين الموارد الوقفية، والخبرات التشغيلية، والدعم الحكومي، والحلول التقنية.

ومن هنا، يصبح “التحالف الذكي” ضرورة استراتيجية تتماشى مع مستهدفات رؤية 2030 في تعظيم الأثر الاجتماعي.


التحول الحقيقي: من قوة المنظمة إلى قوة المنظومة

تعكس المؤشرات الوطنية تحولًا واضحًا نحو العمل المنظومي، حيث لم يعد التركيز على أداء المنظمة الفردي فقط، بل على قدرتها على الإسهام ضمن منظومة أوسع وتؤكد تقارير وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية أهمية تعزيز التكامل بين القطاعات لتحقيق التنمية المستدامة، وهو ما يجعل “التحالف الذكي” أداة عملية لترجمة هذا التوجه.


أليس التعاون عنصرًا تنافسيًّا؟

في البيئة السعودية الجديدة، لم يعد التميز مرتبطًا بحجم الموارد فقط، ولكنه بقدرة الجهة على بناء تحالفات استراتيجية فعالة، لأنّ المنظمة التي تستطيع الربط بين الوقف، والتنفيذ، والتقنية، والتواصل، ضمن إطار متكامل، تصبح أكثر قدرة على تحقيق أثر مستدام.

ومن هاهنا، يتحول التعاون من مُعطى تكميلي إلى قدرة تنافسية حقيقية.


ما بين العزلة والذوبان : منفذ ثالث

في نهاية المطاف، لا يمكن للمنظمات غير الربحية في المملكة أن تعتمد على العمل الفردي وحده، كما لا يمكنها أن تتجه جميعها نحو الاندماج الكامل. لكن ما يتضح هو أن هناك طريقًا ثالثًا أكثر توازنًا، ينسجم مع طبيعة القطاع الوقفي، وتوجهات الرؤية، واحتياجات المجتمع.

هذا الطريق لا يقوم على العزلة، ولا على الذوبان، بل على وعي استراتيجي يجعل من التعاون أداة لبناء أثر مشترك ومستدام… وهو ما يمكن تلخيصه في مفهوم التحالف الذكي.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top