ليست كل الأمسيات تمرّ مرورًا عابرًا في ذاكرة المتلقي، فبعضها يترك أثرًا يشبه “النقلة” في طريقة التفكير.
وهذا ما حدث في أمسية التفكير التصميمي كأداة استراتيجية لابتكار برامج الشباب الافتراضية التي قدّمها أستاذي ومعلمي الأستاذ الدكتور ياسر الشهري — أحد العقول الهادئة التي تمارس الفكر بعمق، وتُدرّس الإبداع كمسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مهارة تقنية.
وكانت من تنظيم مركز بحوث ودراسات الشباب "مرشاد" التابع للمجلس التخصصي للجمعيات الشبابية.
بين الأستاذ وطلّابه.. علاقة تتجاوز القاعة
منذ مقاعد الدراسة الجامعية، اعتدت على دقة الدكتور ياسر في الجمع بين النظرية والممارسة.
كان دائمًا يذكّرنا أن الفكر لا يكتمل إلا إذا سار على قدميه نحو الواقع.
وفي هذه الأمسية، أعاد ترسيخ ذلك المبدأ حين تناول “التفكير التصميمي” لا بوصفه مصطلحًا مستوردًا من مدارس الابتكار الغربية، بل كمنهج يمكن أن يُزرع في البيئة السعودية والشبابية ليُثمر فهمًا أعمق لحاجات الإنسان قبل الحلول.
لقد تحدّث بعقل المفكر، وبقلب المربي، وبحكمة من يرى أن الابتكار لا يصنعه الذكاء بقدر ما يصنعه الإنصات.
جوهر الطرح: أنسنة الابتكار
كان محور الأمسية يدور حول فكرة مركزية عبّر عنها الدكتور بوضوح:
“لا تبدأ الحلول من التقنية، بل من الإنسان”.
هذا المبدأ البسيط – الذي هو لبّ التفكير التصميمي – تحوّل في حديثه إلى إطار قيمي متكامل يُعيد ترتيب العلاقة بين المصمم والمستفيد.
فالبرنامج الشبابي في نظره ليس منتجًا نُصمّمه، بل تجربة نعيشها معهم، ونتشارك بناءها.
ولذلك ركّز على مرحلة التعاطف (Empathize) باعتبارها العمود الفقري في أي تصميم ناجح، لأن من لا يتعاطف لا يمكنه أن يبتكر ما يلامس الحاجة الحقيقية.
لقد شعرت، وأنا أستمع إليه، أن الحديث لم يكن عن أداة مهنية، بل عن فلسفة في التفكير الإنساني تدعو المربي وصانع القرار إلى التواضع أمام التجربة البشرية.
من التعريف إلى التطبيق.. التفكير التصميمي في الحقل الشبابي
ما ميّز عرض الدكتور ياسر هو قدرته على تبسيط التعقيد دون إخلال بالعمق العلمي.
قدّم المراحل الخمس (التعاطف، التحديد، توليد الأفكار، النمذجة، الاختبار) كمنظومة مترابطة يمكن لكل جمعية شبابية أو مؤسسة تربوية أن توظفها في تصميم برامجها الافتراضية.
لكن الأهم أنه لم يترك المنهج في بعده الأكاديمي، بل أظهر كيف يمكن توظيفه في سياق التحصين القيمي للشباب، من خلال دمج القيم والأحكام والسلوكيات في تجربة رقمية واحدة تُحفّز الفضيلة بطريقة حديثة وملهمة.
لقد بيّن – بوضوح العالم المتمكن – أن القيم لا تُغرس بالتلقين، بل تُصمّم عبر تجارب تُشعر الشاب بأنه جزء من الفكرة لا موضوعها.
من الجامعة إلى المجتمع.. امتداد المعرفة
تحدث الدكتور الشهري عن التفكير التصميمي كما يحدّث المعلّم عن حياةٍ يؤمن بها.
كان في نبرته ما يعكس التجربة، وفي أمثلته ما يدل على احتكاكه الطويل ببرامج الشباب في الواقع.
أكثر ما لفتني أنه استطاع أن يجسر المسافة بين القاعة الجامعية وميدان العمل غير الربحي، موضحًا أن الجامعات ليست أماكن لتلقين المفاهيم، بل منصات لإنتاج وعي جديد يمكنه أن يقود القطاعات نحو الابتكار والاستدامة.
لقد بدت الأمسية كأنها لقاء بين الفكر الأكاديمي والتطبيق الاجتماعي، حيث استقرت النظرية على أرض العمل التطوعي، فصار التفكير التصميمي ليس أداة تدريبية فحسب، بل مفتاحًا لقيادة التغيير الاجتماعي.
دروس في القيادة والفكر
من بين العبارات التي استوقفتني في الأمسية قوله:
“الفكرة التي لا تُختبر تبقى ظنًّا جميلًا”.
هذه الجملة القصيرة تختصر جوهر العمل المنهجي الذي يتبناه الدكتور الشهري؛
فهو يرى أن المعرفة بلا تجربة هي نصف وعي، وأن التصميم لا يُقاس بجماله النظري بل بقدرته على الصمود في ميدان التطبيق.
ولهذا دعا إلى اعتماد النماذج الأولية (Prototypes)، وتجريبها في بيئات صغيرة قبل التوسع، لتقليل الفشل وتعظيم التعلم.
إنه نموذج للقيادة الفكرية التي تحترم التجربة أكثر من الانطباع، وتؤمن بأن الأفكار العظيمة تبدأ صغيرة ولكنها دقيقة في فهمها للإنسان.
قيمٌ تتجاوز المنهج
لم تكن الأمسية مجرد درس في “كيف نصمم”، بل في “لماذا نصمم”.
فمن خلال حديثه المتوازن، أدركت أن الدكتور ياسر يربط التفكير التصميمي بعمق قيمنا الإسلامية والإنسانية، حين يذكّر أن النية، والإحسان، وفهم الواقع، والرحمة بالناس كلها مداخل لابتكارٍ أكثر أصالة وأقل سطحية.
لقد كان طرحه امتدادًا لمدرسة فكرية ترى أن الإبداع الحقيقي لا ينفصل عن الأخلاق، وأن البرامج الشبابية التي لا تراعي الإنسان كغاية ستظل قاصرة مهما بلغت من التقنية.
أثر اللقاء.. في الفكر والممارسة
بعد الأمسية، أدركت أن التفكير التصميمي ليس مجرد “مهارة أضيفها إلى حقيبتي المهنية”، بل عدسة جديدة أنظر بها إلى العمل غير الربحي بأكمله.
صرنا، نحن العاملين في هذا القطاع، بحاجة ماسّة إلى هذا النوع من التفكير الذي يبدأ من الاحتياج الإنساني وينتهي عند الابتكار المسؤول.
وما فعله الدكتور ياسر في هذا اللقاء هو أنه قدّم لنا منهجًا يحرّر الإبداع من العشوائية، ويجعله ممارسة يمكن قياس أثرها وتطويرها.
ومضة ختامية
حين يغادر الأستاذ القاعة ولا يغادر أثره عقول طلابه، فذلك دليل أنه لم يكن يدرّس مادة، بل يزرع فكرًا.
هكذا هو الدكتور ياسر الشهري:
أستاذ حمل المعرفة بسمت العلماء، وقدّمها بلغة المربين، وتركها تنبت في طلابه معنىً أوسع للابتكار، وأعمق للإنسان.
لقد خرجت من الأمسية أكثر يقينًا أن التفكير التصميمي ليس فقط أداة لتطوير البرامج الشبابية،
بل لغة جديدة لفهم الإنسان وبناء الأمل في عقول الجيل القادم.