الاستثمار الاجتماعي: نموذج جديد لازدهار القطاع غير الربحي في المملكة

ع ع ع

في ظل رؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى بناء اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي، يبرز القطاع غير الربحي كعنصر محوري في هندسة التنمية الشاملة. ومع صعود هذا القطاع بفضل المبادرات الاستراتيجية والدعم الحكومي، بات من الضروري إعادة التفكير في أدوات التمويل التي يستخدمها.

وهنا يظهر الاستثمار الاجتماعي كأحد أهم أدوات المرحلة، لأنه يجمع بين تحقيق الأثر وضمان الاستدامة المالية، ويضع العمل الخيري على سكة النمو طويل الأمد.


ما هو الاستثمار الاجتماعي؟

الاستثمار الاجتماعي هو توجيه الأموال نحو مشاريع أو كيانات تهدف إلى تحقيق أثر اجتماعي و/أو بيئي إيجابي، إلى جانب عائد مالي مستدام. ويُعد أحد أنواعه البارزة عالميًا هو "الاستثمار المؤثر" (Impact Investing)، الذي يُعرف بأنه:

"استثمار يُقصد به إحداث أثر اجتماعي وبيئي إيجابي قابل للقياس، إلى جانب تحقيق عائد مالي." – الشبكة العالمية GIIN

بخلاف النماذج التقليدية التي تضع الربح في المركز، فإن هذا النموذج يُعيد صياغة الأولويات، ليكون الأثر هو البوصلة، والعائد هو المحرك.


البيئة السعودية: نضج السياسات واتساع الفرص

تعيش المملكة تحوّلًا جذريًا في فهم التمويل الاجتماعي. حيث أطلقت الحكومة العديد من المبادرات، مثل مركز تنمية القطاع غير الربحي، الذي يعمل على تعزيز كفاءة واستدامة القطاع، وتوفير ممكنات داعمة مثل التدريب، الشراكات، والاستشارات.
كما سلطت حلقة بودكاست عنان من مسك الضوء على أهمية نماذج التمويل الاجتماعي، وضرورة دمج أدوات السوق في عمل القطاع غير الربحي.

فرص الاستثمار الاجتماعي في السعودية

رؤية 2030 خلقت فرصًا واسعة للاستثمار الاجتماعي في مجالات استراتيجية، متقاطعة مع مستهدفات برامج مثل "برنامج التحول الوطني"، و"برنامج تنمية القدرات البشرية"، و"برنامج جودة الحياة"، و"برنامج تطوير الصناعات الوطنية والخدمات اللوجستية". ومن أبرز هذه المجالات:

أولًا، قطاع التعليم والتدريب:

يمثل ركيزة أساسية لتمكين الإنسان، من خلال تمويل مبادرات تعليمية رقمية، ومدارس مجتمعية متنقلة، ومراكز تأهيل مهني للفئات غير المخدومة، إلى جانب برامج ريادة الأعمال للشباب.

ثانيًا، قطاع الصحة العامة:

يشمل فرصًا مثل إنشاء عيادات متنقلة، وتمويل الخدمات الوقائية في المجتمعات، ودعم التقنيات الصحية، وتحسين جودة الحياة للأشخاص ذوي الإعاقة.

ثالثًا، تمكين المرأة والشباب:

مجال واسع يشمل تمويل برامج المهارات والتوظيف، ودعم الأسر المنتجة، والمشاريع الصغيرة التي تقودها النساء، والحاضنات المجتمعية لريادة الشباب.

رابعًا، البيئة والاستدامة:

ويشمل مشاريع الطاقة المتجددة (مثل الألواح الشمسية في القرى النائية)، وإعادة التدوير، والتقنيات البيئية، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وإدارة الموارد المائية.

خامسًا، قطاع الرياضة المجتمعية:

حيث يمكن تمويل مراكز رياضية أهلية، ومساحات ممارسة رياضية في الأحياء، وأنشطة ترفيهية تدمج الرياضة بالصحة النفسية، انسجامًا مع جودة الحياة.

سادسًا، القطاع الثقافي والترفيهي:

يمكن الاستثمار في المقاهي الثقافية والمساحات الإبداعية المفتوحة التي تُعد منصات لاحتضان الشباب، وتشجيع الحوار المجتمعي، والتعبير الفني.

سابعًا، الأمن الغذائي والأسر المنتجة:

دعم مشاريع الطبخ المجتمعي، والمطاعم ذات النمط الاجتماعي، وتمويل إنتاج الأسر، وأسواق الحرف التقليدية، بما يعزز الاقتصاد المحلي ويولّد وظائف مستدامة.

ثامنًا، الخدمات اللوجستية المجتمعية:

من خلال تطوير حلول نقل مجتمعية لكبار السن والطلاب وذوي الاحتياجات، واستثمار تطبيقات ذكية في إيصال الأدوية أو المنتجات للأحياء ذات الاحتياج.

تاسعًا، التقنية المجتمعية:

دعم الابتكار في التطبيقات التي تخدم التعليم المفتوح، أو تسهّل وصول ذوي الدخل المحدود للخدمات، بما يتكامل مع الاقتصاد الرقمي المستهدف في الرؤية.

كل مجال من هذه المجالات يُمثل فرصة حقيقية لمستثمرين اجتماعيين يرغبون في دمج الأثر بالعائد، وتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في المملكة.


دروس من العالم: ماذا تقول التجربة الدولية؟

بحسب تقارير GIIN، فإن الاستثمار المؤثر يشهد نموًا متسارعًا:

  • 35.5 مليار دولار استثمرتها 225 جهة في عام واحد.

  • أكثر من 11 ألف مشروع تم تمويله.

  • 87% من المستثمرين أبلغوا أن العوائد كانت "مطابقة أو متفوقة على التوقعات".


نماذج عالمية ملهمة:

من النماذج العالمية الملهمة في مجال الاستثمار الاجتماعي:

  • مؤسسة بيل وميلندا غيتس: وهي مؤسسة وقفية عالمية تركز على دعم مشروعات في مجالات الصحة، والتعليم، والزراعة.

  • JPMorgan Chase: بنك استثماري أمريكي أنشأ وحدة تمويل اجتماعي لدعم الإسكان والتنمية المجتمعية وريادة الأعمال.

  • LeapFrog Investments: شركة تستثمر في الأسواق الناشئة، خصوصًا في خدمات التأمين والشمول المالي، وقد استفاد من مشاريعها أكثر من 200 مليون شخص.

  • Omidyar Network: شبكة استثمار اجتماعي أسسها مؤسس eBay، وتركز على مجالات مثل التقنية، الشفافية الحكومية، والتعليم.

  • Christian Super: صندوق تقاعد أسترالي يدير استثماراته بما يتوافق مع القيم الأخلاقية، ويستثمر في الطاقة وتمكين المرأة والزراعة المستدامة.

  • Root Capital: مؤسسة تمويلية غير ربحية تركز على دعم التعاونيات الزراعية الصغيرة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا.

  • Triodos Bank: بنك هولندي يعمل فقط على تمويل المشاريع الأخلاقية والمستدامة مثل التعليم والطاقة النظيفة.

  • Ford Foundation: مؤسسة وقفية أمريكية خصصت مليار دولار للاستثمار الاجتماعي في العدالة الاجتماعية والمساواة.


كيف يمكن للمؤسسات غير الربحية في السعودية الاستفادة؟

1. تحديد الأهداف بوضوح

  • تحديد المشكلات الاجتماعية أو البيئية التي تعالجها المؤسسة.

  • تصميم نموذج استثماري يحقق الأثر ويضمن الاستدامة.

2. بناء الشراكات

  • التعاون مع الحكومة والقطاع الخاص والمانحين.

  • الاستفادة من خدمات مركز تنمية القطاع غير الربحي.

3. قياس الأثر

  • استخدام أدوات قياس معتمدة مثل IRIS وSROI.

  • تقديم تقارير شفافة للممولين والمستفيدين.

4. التعلّم من النماذج

  • محليًا: مثل مبادرة "مجتمع بلا فقر" ومشروع الطاقة الشمسية في المناطق النائية.

  • دوليًا: دراسة مؤسسات مثل Ford وRoot Capital.


التحديات: واقعية ولكن قابلة للحل

من التحديات الشائعة التي تواجه الاستثمار الاجتماعي: ضعف الوعي المجتمعي حول هذا النوع من الاستثمار، نقص الخبرة المتخصصة في تصميم المشاريع الاستثمارية ذات الأثر، وارتفاع التكلفة الأولية للتنفيذ.

أما الحلول فتشمل إطلاق حملات توعية، وتوفير برامج تدريبية ومهنية من قبل مركز تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى بناء شراكات تمويلية ذكية مع الجهات الحكومية والخيرية.


الأوقاف السعودية كبيئة حاضنة للاستثمار الاجتماعي

يشير ملف برنامج الاستثمار الاجتماعي، الصادر عن هيئة الأوقاف، إلى أن الأوقاف تمتلك موقعًا مثاليًا لاحتضان نماذج التمويل الاجتماعي، خصوصًا في مجالات مثل التعليم والصحة والتقنية.


ختامًا: من المِنَح إلى المنهج

الاستثمار الاجتماعي ليس مجرد وسيلة تمويل، بل هو منهج عمل جديد يدمج القيم بالعائد، ويُعيد تعريف دور القطاع غير الربحي كشريك في التنمية، لا مجرد منفّذ.

اليوم، لا نسأل "كيف نحصل على تمويل؟" بل: "كيف نبني نموذجًا يستثمر في الأثر ويُحقق الاستدامة؟"

وبفضل البيئة الداعمة، والوعي المتنامي، وتراكم الخبرات، يمكن للمملكة أن تصبح نموذجًا عالميًا في استثمارات الأثر الاجتماعي، والمساهم الأكبر في تحويل العمل الخيري إلى عمل تنموي مستدام.




تم إعداد هذا المقال من فريق تحرير "البنك الثالث"، مع حفظ الحقوق الفكرية للمصادر التالية:

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top