بعد عام مضطرب مرّ على العمل غير الربحي، لم يدخل عام 2026 بوصفه صفحة جديدة منفصلة تمامًا عما قبله، وإنما جاء محمّلًا بآثار تحولات كبيرة مست التمويل والبرامج والقدرة التشغيلية داخل المنظمات، إذ يشير المقال الأصلي إلى أن التغيرات الحادة في السياسات العامة والتطور التقني المتسارع والاقتصاد غير المستقر ستظل تؤثر في أداء المنظمات خلال هذا العام كذلك.
هذا المقال مستفاد فكريًا من مادة منشورة في The Chronicle of Philanthropy بعنوان 5 Trends That Will Shape Fundraising in 2026، وقد أُعيدت صياغته وتحريره وتكييفه بما يناسب سياق القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية، مع حفظ الحق الأدبي للكاتب ثم للمصدر الأصلي. ومن هنا فإن السؤال لم يعد هل سيتغير جمع التبرعات أم لا، بل كيف يمكن للمنظمات أن تفهم مبكرًا القوى التي تعيد تشكيله، ثم تبني استجابتها قبل أن تصبح متأخرة عن المزاج التمويلي الجديد.
أولًا: الذكاء الاصطناعي لن يبقى أداة هامشية
منذ ظهور ChatGPT على نحو واسع في 2022، أخذ الذكاء الاصطناعي ينتقل من كونه تجربة جانبية إلى كونه جزءًا من العمل اليومي، وهذا ما ترصده المقالة بوضوح حين تشير إلى اتساع استخدامه داخل المنظمات غير الربحية في مهام تمتد من البحث عن المانحين المحتملين إلى كتابة طلبات المنح، كما تلفت إلى أن عددًا متزايدًا من المتبرعين بات يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بدلًا من محركات البحث التقليدية، وهو ما قد يقلل من الزيارات المباشرة للصفحات الرئيسية ومواقع التبرع.
وفي هذا السياق لم تعد القضية مجرد استخدام أداة جديدة، بل صارت قضية حضور رقمي مختلف، لأن المنظمة التي لا تتعلم كيف تظهر داخل نتائج وأجوبة الذكاء الاصطناعي قد تجد نفسها أقل ظهورًا حتى لو كانت قوية في محركات البحث بالمعنى التقليدي، ولهذا أخذت منظمات كثيرة تبحث عن طرق لإتقان ما سمته المقالة تقنيات البحث عبر الذكاء الاصطناعي من أجل توجيه المؤيدين إلى مواقعها وصفحات التبرع الخاصة بها.
ومع أن القطاع غير الربحي لم يشهد بعد موجة استبدال واسعة للموظفين بسبب الذكاء الاصطناعي كما حدث في بعض الشركات التقنية، إلا أنه يسجل في المقابل بوادر أكثر حساسية تتمثل في استخدام بعض الجهات الكبيرة لأدوات جمع تبرعات ذاتية التفاعل مع المانحين، بينما يصر المدافعون عن هذه الأدوات على أنها لا تستبدل البشر بل تنجز ما لا يملك الفريق البشري الوقت الكافي لإنجَازه.
غير أن هذه النقطة تصبح أشد تعقيدًا حين نضعها بجوار بيانات الوظائف، حيث أن أكثر من 20 ألف موظف في منظمات غير ربحية فقدوا وظائفهم في العام السابق، كما يشار إلى وجود 1.1 مليون أمريكي خارج سوق العمل إجمالًا، لذلك يظل السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان قادة المنظمات سيعيدون النظر في دور الذكاء الاصطناعي مستقبلًا، ومع ذلك يرجح المقال أن استخدامه سيزداد على الأقل لسد الفجوات وتخفيف العبء عن الموظفين المرهقين.
ليست المسألة أن الذكاء الاصطناعي سيأخذ مكان العاملين في تنمية الموارد فورًا، وإنما الأرجح أنه سيعيد توزيع الأدوار داخل الفريق، بحيث يتفرغ الإنسان لما يحتاج إلى علاقة وثقة وحس تقديري، بينما تتولى الأداة ما هو تكراري وتحضيري وتحليلي ثم تعود الفكرة بعدها مباشرة إلى أن النمو في استخدام الذكاء الاصطناعي بات شبه مؤكد.
ثانيًا: القاعدة العريضة من المانحين تحتاج من يفهمها ويشرح لها
من التجربة الأمريكية ومن أثر القانون الضريبي الجديد في الولايات المتحدة، يُرى أن من النقاط المضيئة للجهات الخيرية إتاحة ميزة ضريبية للمتبرعين الذين يعتمدون الخصم القياسي، ويذكر أن نحو 90 في المئة من مقدمي الإقرارات استخدموا هذا الخصم في السنوات الأخيرة، كما نقل توقعات محللين بأن هذا التعديل قد يولد 20 مليار دولار إضافية لصالح الجهات الخيرية.
وفي البيئة السعودية لا ينطبق هذا الإطار الضريبي نفسه بطبيعة الحال، لكن الفكرة الجوهرية تظل صالحة جدًا، وهي أن المتبرع العادي كثيرًا ما يحتاج إلى من يشرح له لماذا يعطي وكيف يعطي وما القيمة التي يحصل عليها معنويًا أو تنظيميًا أو مجتمعيًا من هذا العطاء، ولذلك يمكن تحويل الفكرة محليًا من “شرح مزايا القانون الضريبي” إلى “شرح الدافع الواضح وأثر التبرع وسهولة المسار وبناء الثقة” ثم الرجوع مباشرة إلى بناء قاعدة عريضة من المانحين والتي يمكن أن يقال عنها أنها ليست خطوة عارضة بل استثمار طويل الأجل.
ولهذا نلفت الانتباه إلى أن فرق جمع التبرعات في 2026 وبعده تحتاج إلى مساعدة المتبرعين على فهم ميزتهم الجديدة ثم تشجيعهم على العطاء وبناء علاقة معهم تؤسس لما يسميه قاعدة هرم العطاء، كما يرتبط ذلك بما يسمى التحول الكبير للثروة بين الأجيال خلال العقدين المقبلين، إذ ينقل تقديرًا بإمكان انتقال ما يصل إلى 100 تريليون دولار بين الأجيال.
حين ننقل عن Sharna Goldseker مؤسسة 21/64 قولها إن الأمر يشبه الخطبة، فأنت لا تستيقظ يومًا لتجد نفسك متزوجًا، بل تحتاج إلى بناء العلاقة مع الوقت، والمعنى هنا شديد الأهمية لأن كثيرًا من المنظمات تريد من المتبرع أن يصبح وفيًا قبل أن تمنحه فرصة كافية للتعرّف والثقة والتجربة الأولى.
وعليه فإن الرسالة الأعمق ليست في الامتياز الضريبي وحده، بل في أن لحظات التحول في وعي المتبرع تمثل فرصًا نادرة لبدء علاقة طويلة، وهذا درس يتجاوز السياق الأمريكي إلى أي مجتمع يريد أن يحول العطاء من استجابة موسمية إلى صلة مستمرة.
ثالثًا: الصناديق المانحة ستواصل التوسع ومعها تتعقد معركة الوصول
إنّ الصناديق المانحة الموجهة من المتبرعين DAFs، وهي حسابات تتيح لصاحبها أن يخصص مالًا للعمل الخيري ويحصل على ميزة ضريبية ثم يوجه المنح لاحقًا، ويذكر أن هذه الحسابات بلغت 326 مليار دولار من الأصول في 2024 بزيادة 30 في المئة عن العام السابق، كما يبدو أن البيانات تتأخر عامًا كاملًا، ما يعني أن الرقم الفعلي قد يكون أعلى منذ ذلك الوقت.
ولا يقف الأمر عند حجم الأصول فحسب، إذ يُسجّل أن هذه الصناديق منحت 65 مليار دولار للجهات الخيرية في 2024، وهو رقم يزيد قليلًا على نصف ما قدمته المؤسسات المانحة والذي بلغ 118 مليار دولار، كما يشير إلى أن الجهات المستضيفة لهذه الحسابات صارت تستهدف شرائح أوسع من الناس وأن GoFundMe أطلقت صندوقًا مانحًا موجّهًا أصلًا للمتبرعين أصحاب التبرعات الصغيرة.
وهنا تظهر المشكلة العملية، فمع تزايد هذه الحسابات يواصل العاملون في جمع التبرعات معاناتهم في العثور على أصحابها والتفاعل معهم، وقد جربوا تعديل صيغ الطلبات والمشاركة في مناسبات مستحدثة للاحتفاء بهذه الصناديق وغيرها من الأساليب، إلا أن التحدي ما زال قائمًا، ولذلك يُرجّح أن المنظمات الأنجح هذا العام ستكون هي التي تستطيع أن تبني تفاعلًا ذا معنى مع أصحاب هذه الصناديق بدل الاكتفاء بمعرفة أنها موجودة.
وأما محليًا فقد لا تكون الصيغة التنظيمية نفسها حاضرة بالحجم ذاته، غير أن الفكرة المقابلة سعوديًا واضحة جدًا، وهي أن جزءًا متزايدًا من المال الخيري قد يمر عبر أوعية وسيطة أو منصات أو ترتيبات مؤسسية لا تجعل الوصول إلى صاحب القرار التمويلي مباشرًا كما كان من قبل، وبذلك تعود الفكرة التالية مباشرة إلى أصل المقال، وهو أن فهم قناة العطاء الجديدة لا يقل أهمية عن فهم المانح نفسه.
رابعًا: الضبابية الاقتصادية ستجعل الرسائل العامة أقل فاعلية
ثم لننتقل إلى الاقتصاد في التجربة الأمريكية كذلك، بوصفه خلفية ضاغطة على كل ما سبق ويُذكر أنّ سنة 2025 شهدت تخفيضات كبيرة في التمويل الحكومي الأمريكي الموجه للمنظمات غير الربحية، كما تسببت الرسوم الجمركية في ارتفاع الأسعار وارتفع معدل البطالة قليلًا، وهو ما جعل المشهد الاقتصادي يبدو غير مطمئن لملايين المانحين، وفي المقابل أدى الأداء الجيد لسوق الأسهم إلى استمرار بعض المانحين المتوسطين والكبار في العطاء.
ومن هنا يُطرح سؤال مهم جدًا، وهو ما إذا كانت التبرعات الكبيرة تكفي للإبقاء على التوازن إذا ظل سوق الأسهم قويًا بينما ظل الاقتصاد الأوسع ضعيفًا، كما نتساءل عما إذا كان المانحون العاديون يواصلون العطاء بالمعدلات نفسها أم أن عددهم سيستمر في التراجع كما أظهر Fundraising Effectiveness Project مرارًا.
وهذا يقود إلى واحدة من أهم توصيات النص، إذ يؤكد أن العاملين في جمع التبرعات يحتاجون إلى الاستمرار في الاستماع إلى المانحين حتى يُصمموا طريقتهم في التفاعل معهم على ضوء ما يسمعونه لا على ضوء افتراضَاتهم، كما يدعو إلى الميل نحو البرامج التي تجد قبولًا لدى المانحين في أوقات عدم اليقين، وإلى تفاصيل الرسائل بما يتناسب مع المتبرعين الذين يواجهون ضغوطًا اقتصادية، وكذلك إلى اعتماد مقاربات مختلفة للمانحين العاديين والمتوسطين والكبار.
ثم إنّ بعض المنظمات بدأت أصلًا في إعادة اختراع نفسها لتتوافق مع النموذج الجديد الناتج عن تراجع التمويل الفيدرالي او الحكومي، وأنها ستكون أقدر على البناء فوق تلك الممارسات خلال 2026.
وفي التكييف السعودي لا نحتاج إلى استنساخ تفاصيل التخفيضات الفيدرالية، إلا أن جوهر الفكرة حاضر بقوة، لأن أي منظمة تعتمد على مصدر تمويل واحد أو تخاطب جميع المتبرعين بنبرة واحدة أو تتعامل مع الضغط الاقتصادي كأنه أمر بعيد عنها ستجد نفسها أضعف قدرة على التكيف، ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي استخلاصها هنا هي أن التنويع والإنصات وتخصيص الخطاب لم تعد تحسينات تجميلية بل أصبحت شروط صمود.
خامسًا: فرق العمل لن تنجح من دون معنى ودعم وقدرة على الاستمرار
وبالإشارة إلى مسألة داخلية قد تبدو أحيانًا أقل بريقًا من الحديث عن التقنية أو الاقتصاد، لكنها في الحقيقة أكثر حسمًا على المدى الطويل، وهي أوضاع فرق العمل. حيث كان دوران الموظفين منذ زمن مشكلة مزمنة في القطاع غير الربحي وبخاصة في مجال جمع التبرعات، كما أن صعوبة سوق العمل الحالية بسبب كثرة التسريحات لا تعني أن الموظفين لن يغادروا أو أن من يبقون لن يتعرضوا للاحتراق النفسي أو لتراجع الدافعية والإنتاجية.
ولذلك يُتأكّد أن التركيز على الاحتفاظ بالعاملين ومساعدتهم على تقديم أفضل ما لديهم سيكون أكثر أهمية من أي وقت مضى، وهذا يشمل درء المثيرات التي تقود إلى الاحتراق الوظيفي والاستقالات، كما يشمل مساعدة الموظفين على التعامل مع الضبابية الاقتصادية والأزمات الأخرى، فضلًا عن حاجتهم إلى تطوير استراتيجياتهم الشخصية للحفاظ على العافية النفسية والاستناد إلى الأصدقاء أو المرشدين لتجاوز الضغوط.
ونصل في خاتمة هذا المقال إلى فكرة مباشرة تقول إن أعظم أصول أي منظمة غير ربحية هو رأسمالها البشري، ولذلك فإن القادة في هذا العام وبعده يحتاجون إلى رعاية فرقهم حتى تتمكن منظماتهم من الازدهار.
وهذه ربما تكون أكثر موجة تستحق التأمل في بيئتنا المحلية أيضًا، لأن كثيرًا من المنظمات تنشغل بتطوير الخطاب الموجه إلى الخارج بينما تبُقي الداخل مرهقًا ومشتتًا ومهددًا بفقدان المعنى، مع أن بناء الثقة مع المانحين يبدأ غالبًا من فريق يشعر أصلًا بالثقة والوضوح والقدرة على الإنجاز.
ما الذي تقوله الموجات الخمس مجتمعة
إذا جمعنا خيوط المقال معًا ظهر لنا أن جمع التبرعات في 2026 لن يتحدد بحجم الحاجة وحدها ولا بجودة الرسالة وحدها، بل يتشكل عند نقطة التقاء خمس قوى متداخلة، وهي صعود الذكاء الاصطناعي وتحوّل فهم المتبرع العادي لمسار العطاء واتساع القنوات الوسيطة للأموال واستمرار الضبابية الاقتصادية ثم الحاجة الملحة إلى فرق عمل قادرة على الصمود والتجدد.
وإذا أردنا فإن المنظمة التي ستربح هذا العام ليست فقط من يملك مانحين أكثر، وإنما من يفهم التحول أسرع ويعيد ترتيب أدواته وعلاقاته وفريقه قبل أن تفرض عليه البيئة ذلك قسرًا.
هذا النص مستفاد فكريًا من مادة منشورة في The Chronicle of Philanthropy بعنوان: 5 Trends That Will Shape Fundraising in 2026، وقد أُعيدت صياغته وتحريره وتكييفه بما يناسب سياق القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية، مع حفظ الحق الأدبي للمصدر الأصلي.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
