كيف تستخدم جمعيتك وسائل التواصل بوعي يحمي رسالتها وسمعتها؟

ع ع ع

هذا المقال مستفاد فكريًا من مادة منشورة في Charity Digital، وهو يتمحور حول إرشادات هيئة الجمعيات الخيرية البريطانية لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وقد أُعيدت صياغته وتحريره بما يناسب سياق القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية، مع حفظ الحقوق الأدبية للمصدر الأصلي. 


خلال الأعوام الأخيرة، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد قناة إضافية تنشر عبرها الجمعيات أخبارها أو تعلن من خلالها عن مبادراتها، ولكنها أصبحت جزءًا من صورتها العامة، وطريقتها في بناء الثقة، وأحد المسارات التي يتشكل من خلالها فهم الجمهور لها. 

ومع هذا الاتساع في الفرص، اتسعت كذلك مساحة المخاطر، لأن سرعة النشر، وصعوبة التراجع بعده، وتداخل الشخصي بالمهني، كلها عوامل تجعل حضور الجمعية في هذه المنصات مسألة مؤسسية لا مجرد نشاط اتصالي يومي ولهذا جاءت الإرشادات البريطانية لتؤكد أن وسائل التواصل يمكن أن تكون أداة قوية للوَعي وجمع التبرعات والتفاعل مع المستفيدين، لكنها تحتاج في المقابل إلى إدارة واعية ومسؤولة تحمي الرسالة وتحفظ السمعة.

والمهم في هذه الإرشادات أنها لا تنظر إلى المنصات بوصفها مساحة تقنية فحسب، بل كذلك بوصفها امتدادًا عمليًا لمسؤوليات الحوكمة والإشراف وإدارة المخاطر ومجالس الإدارة ليست مطالبة بإدارة الحسابات يومًا بيوم، غير أنها مطالبة بفهم المسؤوليات القانونية والتنظيمية المرتبطة باستخدامها، وضمان وجود سياسات مناسبة، ومراجعة دورية، ومسؤوليات واضحة، بحيث لا تترك الجمعية حساباتها تمضي بقوة العادة أو باجتهادات فردية قد تربكها في لحظة حساسة.


سياسة رقمية واضحة قبل كثافة النشر

تضع الإرشادات وجود سياسة لوسائل التواصل الاجتماعي في مقدمة ما ينبغي على الجمعيات التفكير فيه وهي لا تفترض نموذجًا واحدًا يصلح للجميع، بل تشدد على أن السياسة يجب أن تكون مناسبة لحجم الجمعية، ومواردها، ومستوى المخاطر المرتبط باستخدامها لهذه المنصات، كما تشير إلى أهمية أن تكون هذه السياسة مفهومة لكل من يتعامل مع الحسابات أو ينشر باسم الجهة، سواء كان من الأمناء أو الموظفين أو المتطوعين، لأن غياب المرجعية الواضحة هو أول الطريق إلى الارتباك.

ولا تتوقف قيمة السياسة عند تنظيم النشر فقط، بل تتجاوز ذلك إلى توضيح لماذا تستخدم الجمعية هذه المنصات أصلًا، وما الأهداف التي تخدمها، وما نوع التفاعل الذي تريده مع الجمهور، وكيف تتعامل مع المحتوى الخارجي والتعليقات وإعادة النشر والمشاركة. 

وحين تكون هذه الأمور محددة مسبقًا، يصبح الخطاب أكثر اتساقًا، وتقل احتمالات التناقض بين ما تقوله الجمعية في موقعها، وما تكتبه في حساباتها، وما يفهمه الناس من نبرتها وممارستها وبذلك تتحول السياسة من وثيقة شكلية إلى أداة لحماية المعنى قبل حماية الحساب.


المحتوى لا يُقاس بجودته فقط بل أيضًا بخطره المحتمل

واحدة من أهم الرسائل في الإرشادات أن المحتوى الذي تنشره الجمعية، أو تعيد نشره، أو تسمح بمروره في مساحاتها الرقمية، لا ينبغي التعامل معه بخفة.

والسرعة التي تمنح وسائل التواصل فعاليتها هي نفسها التي ترفع احتمال الوقوع في محتوى غير مناسب أو ضار، كما أن التراجع بعد النشر ليس دائمًا سهلًا، بل قد يكون متأخرًا بعد أن تكون السمعة قد تأثرت أو اتسعت دائرة الفهم الخاطئ، ولهذا تدعو الإرشادات الجمعيات إلى أن تفكر مسبقًا في نوعية المحتوى الذي تمثله، وفي آليات المراجعة، وفي الطريقة التي ستتصرف بها إذا وقعت مشكلة. 

ومن هنا فإن القضية ليست أن تكون الجمعية حاضرة بكثافة، بل أن تكون حاضرة بوعي مع وجود فرق بين حساب نشط يراكم المنشورات، وحساب منضبط يعرف متى يتحدث، وكيف يتحدث، وما الذي ينبغي أن يقوله، وما الذي يجب أن يحيله إلى مراجعة أو تقدير أعلى. وهذا الفرق هو ما يصنع في النهاية حضورًا مهنيًا يمكن الوثوق به، بدل حضور متعجل يظن أن كثرة الحركة تعني جودة الأداء. 


التفاعل مع الموضوعات المثيرة للمشاعر يحتاج إلى وعي لا إلى اندفاع

تقر الإرشادات بأن كثيرًا من الجمعيات تعمل في قضايا تمس الناس مباشرة وتثير مشاعر قوية لديهم، ولهذا فإن تفاعلها مع هذه الموضوعات عبر وسائل التواصل ليس أمرًا محظورًا في ذاته، ما دام ذلك مرتبطًا بأهدافها الخيرية ويصب في مصلحتها المؤسسية. 

غير أن الإرشادات تشدد في المقابل على أن هذا النوع من التفاعل يحتاج إلى تخطيط أفضل، ونظر في المخاطر المحتملة، وإبلاغ أصحاب المصلحة الرئيسيين عند الحاجة، لأن حساسية القضية لا تضمن تلقائيًا سلامة طريقة تناولها، كما تلفت الإرشادات النظر إلى جانب مهم كثيرًا ما يُهمل، وهو أثر هذا النوع من التفاعل على الموظفين والعاملين الذين يديرون الحسابات أو يواجهون سيل التعليقات والشكاوى أو الإساءة الرقمية. 

والجمعية لا تحتاج فقط إلى موقف اتصالي تجاه القضية، بل إلى جاهزية داخلية للتعامل مع ما قد ينتج عن هذا الموقف من ضغط أو إنهاك أو نزاع، بما في ذلك وجود إجراءات شكوى مناسبة، وسياسات دعم واضحة، ومراعاة لأي لوائح أو معايير أخرى ذات صلة بالمحتوى العام أو الإعلان أو التفاعل مع الجمهور.


الأنشطة الدعائية ليست مساحة عشوائية

توضح الإرشادات كذلك أن الجمعيات يمكنها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الأنشطة أو الحملات، بشرط الالتزام بالقواعد المنظمة لهذا النوع من النشاط، وبما ينسجم مع أهداف الجهة الخيرية ومصلحتها، وهذا مهم لأن بعض الجمعيات قد تظن أن السوشيال ميديا Social Media مساحة حرة بالكامل، بينما الواقع أن اقتراب الجمعية من الحملة أو النشاط يحتاج إلى وعي أعلى.

ولهذا توصي الإرشادات بأن يكون كل من يستخدم الحسابات باسم الجمعية على دراية بهذه الحدود، وأن تُقرأ المسألة من منظور المسؤولية لا الحماس.

في هذا الصدد، قد تمنح المنصات الوصول والانتشار، لكنها قد تفتح في الوقت نفسه بابًا لالتباسات قانونية أو سمعة مرتبكة إذا لم تميز الجمعية بين ما ينسجم مع رسالتها وما يخرج بها إلى مساحات لا تخدمها، والقاعدة هنا ليست الانكماش بل الانضباط. 


الحملات الخيرية تحتاج إلى أثر مقنع وممارسة منضبطة

تعترف الإرشادات بأن وسائل التواصل الاجتماعي تمنح الجمعيات فرصة الوصول إلى جمهور أوسع بسرعة أكبر من الوسائل التقليدية، وهذا ما يجعلها أداة مهمة في دعم الحملات الخيرية وتعريف الناس بالاحتياج وتعزيز المشاركة، غير أن هذا الاتساع نفسه قد يجذب مزيدًا من النقد أو الجدل أو سوء الفهم، سواء تجاه الحملة نفسها أو تجاه اللغة المستخدمة فيها أو طريقة عرضها أو ما يرتبط بها من جمع تبرعات.

ولهذا يصبح نجاح الحملة غير مرتبط بقوة الرسالة العاطفية فقط، بل بدرجة انضباطها المهني والتنظيمي أيضًا.

وفي هذا الإطار، لا يكفي أن تبدو الحملة مؤثرة، بل يجب أن تكون واضحة الهدف، دقيقة العرض، منسجمة مع القواعد والمعايير التي تنظم جمع التبرعات، ومحترمة لثقة الجمهور، حيث تصبح المساءلة في البيئة الرقمية أسرع، والحكم العام أكثر علنية، وأي غموض في الرسالة أو الممارسة قد يتحول إلى عبء على الجمعية بدل أن يكون داعمًا لها، وبناءًا عليه يمكننا القول بأنّ السوشيال ميديا Social Media في العمل الخيري ليست مجرد مساحة وصول، بل مساحة اختبار أيضًا. 


جمع التبرعات عبر وسائل التواصل ليس مجرد زر تبرع

تتحدث الإرشادات بوضوح عن جمع التبرعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بوصفه مجالًا يستفيد من سهولة الوصول واتساع الجمهور، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى عناية أكبر بالامتثال والوضوح وحماية الثقة العامة. فالمنصة الرقمية قد تُسرّع الاستجابة، لكنها لا تُلغي المعايير التي ينبغي احترامها في طريقة الطلب، والعرض، وتوضيح الغرض، وإدارة العلاقة مع المتبرع. ومن هنا فإن قيمة هذه المنصات لا تكمن فقط في قدرتها على جلب الدعم، بل في قدرة الجمعية على استخدامها دون أن تضع سمعتها على المحك.

وهذا يعني عمليًا أن على الجمعية أن تنظر إلى جمع التبرعات الرقمي بوصفه نشاطًا تنظيميًا كاملًا، لا مجرد جزء من فريق النشر حيث المحتوى الذي يطلب الدعم، أو يعرض حملة، أو يشرح أثرًا، يجب أن يكون مفهومًا ومشروعًا ومنضبطًا، وأن يجري ضمن قواعد داخلية واضحة، لا وفق اجتهادات تسويقية منفصلة عن متطلبات الامتثال والثقة. 


السلامة الرقمية تبدأ قبل الأزمة

من الجوانب المهمة التي تؤكدها الإرشادات أن الجمعية ينبغي أن تعرف ما الذي ستفعله إذا تعرضت حساباتها للاختراق، أو إذا ظهرت حسابات تنتحل اسمها، أو إذا أصبح ما يُنشر باسمها خارج السيطرة، وهذا يقول أنّ السلامة الرقمية لا تبدأ بعد وقوع المشكلة ولكن قبلها، من خلال تحديث وسائل الحماية، وتحديد المسؤوليات، ومتابعة الحسابات النشطة والمهجورة، ومعرفة من يملك صلاحيات الوصول، وكيف يجري التصرف عند الاشتباه بأي حادثة. 

والجمعية التي تؤجل هذا النوع من الاستعداد غالبًا ما تدفع كلفته في لحظة لا تملك فيها ترف الارتجال. فحين تقع الأزمة، لا يفيد كثيرًا أن تبدأ المؤسسة من الصفر في تحديد من يتصرف أو كيف تُستعاد السيطرة، و أما إذا كانت تملك إجراءات واضحة وموارد إرشادية وخطة عملية للحوادث الرقمية، فإنها تقلل أثر الضرر، وتختصر زمن الارتباك، وتحافظ على ثقة جمهورها إلى حد أكبر. 


من المسؤول عن المحتوى؟

من أكثر المشكلات شيوعًا في الحسابات المؤسسية أن يتوزع المحتوى بين عدة أطراف من غير مرجعية واضحة،

يخرج الحساب بصوت متبدل ونبرة متناقضة، مرةً رسمية، ومرةً دعائية، ومرةً شخصية، ومرةً مرتجلة،مما يؤدي إلى وضوح المسؤوليات داخل الجمعية باعتبار أنها ليست تفصيلًا تشغيليًا صغيرًا، ولكن هي شرط أساسي لسلامة الحضور الرقمي، وتشير الإرشادات إلى أهمية أن تعرف الجهة من ينشر، ومن يراجع، ومن يوافق على المواد الحساسة، ومن يتدخل إذا وقعت مشكلة، لأن الغموض في الداخل ينعكس مباشرة على الخارج. 

وحين تتوزع المسؤوليات بوضوح، يصبح الموقع أكثر تحديثًا، والأخبار أكثر دقة، والتعليقات أكثر اتزانًا، وتقل احتمالات أن تتحول الحسابات إلى ساحة اجتهادات شخصية، كما يصبح مجلس الإدارة أكثر قدرة على ممارسة الإشراف الصحيح، لأنه يشرف على نظام مفهوم لا على تدفق غير مرئي من القرارات اللحظية.

ومن هنا يبرزُ الفرق بين جمعية تملك حسابات، وجمعية تملك إدارة مؤسسية لحضورها الرقمي. 


من يدير المحتوى يحتاج إلى دعم لا إلى تكليف فقط

أشارت المادة المنشورة في Charity Digital إلى جانب مهني مهم، وهو أن العمل في الاتصال داخل الجمعيات، ولا سيما في البيئات الرقمية الحساسة، قد يترك أثرًا سلبيًا في بعض العاملين نفسيًا، خصوصًا عندما يكونون في مواجهة مستمرة مع الشكاوى أو الإساءة الرقمية أو التعليقات الجارحة، أو الجدل المتكرر حول القضايا الحساسة. 

وفي هذا السياق استشهدت المادة ببيَانات من مسح بريطاني أفادت بأن 24.9% من العاملين في الاتصال بالجمعيات قالوا إن دورهم أثر سلبًا في صحتهم النفسية، بينما قال 3.6% إن هذا الأثر كان سلبيًا جدًا. 

ولا يلزم من ذلك إسقاط هذه الأرقام مباشرة على السياق السعودي، لكن الإشارة المهنية هنا مهمة، لأنها تذكر بأن إدارة السوشيال ميديا Social Media في الجمعيات ليست عبئًا تشغيليًا فحسب، بل قد تكون أيضًا عملًا ضاغطًا يحتاج إلى دعم إداري ونفسي ومهني واضح، لأنّ الجمعية الناضجة لا تفكر فقط فيما تنشره، بل فيمن سيتحمل كلفة هذا النشر إذا تحول إلى نزاع أو إساءة أو ضغط متواصل ومن هنا تبرز أهمية وجود مسارات دعم واستجابة داخلية، لا سيما في الفرق التي تدير المحتوى أو تتعامل مع التفاعل العام اليومي. 


ما الذي تحتاجه الجمعيات الآن؟

ما تحتاجه الجمعيات اليوم ليس مجرد زيادة النشر ولا مجرد تنويع المنصات، بل مراجعة حضورها الرقمي كما لو أنها تراه للمرة الأولى. هل تعرف بوضوح لماذا تستخدم هذه المنصة دون غيرها؟ هل تملك سياسة مناسبة لحجمها ومخاطرها؟ هل أدوار فريقها واضحة؟ هل تعرف كيف تتصرف إذا تعرضت لهجمة، أو إساءة، أو اختراق، أو سوء فهم واسع؟ وهل توازن بين حرية التفاعل ومسؤولية السمعة؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا تنظيميًا، بل هي أصل النضج الرقمي الذي تدعو إليه الإرشادات. 


كما تحتاج الجمعيات إلى أن تنظر إلى السوشيال ميديا Social Media بوصفها امتدادًا مباشرًا لرسالتها وحوكمتها وثقة جمهورها وباختصار، لا يُبنى الحضور الجيد على التصميم وحده ولا على عدد المنشورات، ولكن بالأحرى على وضوح الهدف واتساق النبرة، وسلامة الممارسة، واستعداد المؤسسة للتعامل مع المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات، وحين يحدث هذا التوازن أخيرا، وبالتالي تصبح وسائل التواصل الاجتماعي أداة توسع الأثر بدل أن تستنزف السمعة، وتخدم الرسالة بدل أن تربكها. 


حين تصبح المنصة جزءًا من الحوكمة

وسائل التواصل الاجتماعي تمنح الجمعيات قدرة كبيرة على الوصول والتأثير وبناء العلاقة مع الجمهور، غير أنها في الوقت نفسه تختبر وضوحها الداخلي، وانضباطها المهني، وقدرتها على إدارة المخاطر قبل وقوعها.

لذلك لا يبدأ الحضور الجيد في هذه المنصات من جودة التصميم أو كثافة النشر فقط، بل من وجود سياسة واضحة، ومسؤوليات محددة، وفهم ناضج لما يمكن قوله، ومتى يقال، وكيف يدار أثره بعد النشر ومع نظر الجمعية إلى وسائل التواصل بهذه الروح، فإنها لا تستخدمها بوصفها منصة عرض فقط، بل بوصفها جزءًا من حوكمتها وسمعتها وثقتها العامة. 


هذا المقال مستفاد فكريًا من مادة منشورة في Charity Digital، وقد أُعيدت صياغته وتحريره وتكييفه ليتناسب مع السياق السعودي، مع حفظ الحقوق الأدبية والفكرية للمصدر الأصلي.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top