مستقبل الأثر الاجتماعي: 5 توجهات مفصلية لعام 2025

ع ع ع

قراءة تحليلية موسعة مستلهمة من GIST Impact، بصياغة مخصصة للقطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية

مع مضيّ عام 2025، يتواصل تحوّل مشهد الأثر الاجتماعي عالميًا، متأثرًا بتقنيات جديدة، وتغيرات في القوى العاملة، وتحوّلات في الوعي الجمعي بقيم العدالة، والشمول، والشفافية. لم يعد قياس الأثر الاجتماعي ترفًا أو خيارًا دعائيًا، بل أصبح جزءًا جوهريًا من استراتيجيات المؤسسات، خاصة في السياقات التي تتلاقى فيها المسؤولية مع التمويل، والاستدامة مع الحوكمة.

فيما يلي خمسة توجهات جوهرية ينبغي على المؤسسات غير الربحية، والجهات المانحة، والمستثمرين الاجتماعيين في السعودية مراقبتها عن كثب خلال 2025:


1. التكنولوجيا من أجل الخير: الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لقياس الأثر

بات الذكاء الاصطناعي لاعبًا مركزيًا في معالجة التحديات الاجتماعية، من تحسين فرص الوصول للخدمات، إلى ترشيد توزيع الموارد. ووفقًا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، من المتوقع أن يخلق الذكاء الاصطناعي 11 مليون وظيفة بحلول 2030، مقابل استبدال 9 ملايين وظيفة أخرى. وهنا تبرز أهمية الحوكمة الأخلاقية كما تؤكد مؤسسات كالبنك الدولي، لضمان العدالة وتفادي تكريس الفجوات أو انتهاك الخصوصية.

أما البيانات الضخمة، فهي لم تعد مجرد دعم تقني، بل أصبحت ركيزة أساسية لقياس الأثر، بما في ذلك:

  • تخصيص الموارد بدقة عالية

  • التنبؤ بالنتائج الاجتماعية

  • تطوير نماذج العائد الاجتماعي على الاستثمار (SROI)

هذه الأدوات تُمكّن الجهات غير الربحية في السعودية من الانتقال من الشعور إلى البرهان، ومن الانطباع إلى التقييم العلمي.


2. من التقارير الطوعية إلى الإبلاغ الإلزامي

يُعيد عام 2025 رسم حدود الشفافية. فقد أقرّت المملكة المتحدة "قانون المشتريات 2023"، الذي يُلزم الجهات العامة بتضمين "القيمة الاجتماعية" ضمن أهداف العقود الحكومية، مع نشر مؤشرات أداء للموردين في العقود التي تتجاوز 5 ملايين جنيه.

في أوروبا، دخل توجيه CSRD حيز التنفيذ، وهو يُلزم الشركات بالكشف عن بيانات اجتماعية وبيئية دقيقة باستخدام معايير ESRS، مع التركيز على الأهمية المزدوجة (Double Materiality) — أي كيف تؤثر الشركة في البيئة والمجتمع، وكيف تؤثر هذه العناصر بدورها على استدامتها.

بالنسبة للقطاع غير الربحي السعودي، يُشير هذا التحول إلى أن الجهات الداعمة والمنظمة ستركز مستقبلاً على الأدلة الرقمية الدقيقة، مما يتطلب استعدادًا مبكرًا وتطويرًا للبنية المعرفية والمؤسسية.


3. لا أحد يُستثنى: تدريب الفئات المهمشة على مهارات المستقبل

مع تغيّر ملامح سوق العمل، توقّع تقرير "مستقبل الوظائف 2025" أن تتغير 39% من المهارات الأساسية للموظفين بحلول عام 2030. في المقابل، بدأت مبادرات عالمية تتجه نحو تمكين الفئات الأقل حظًا من خلال التدريب التقني المتخصص.

مثلًا:

  • معسكرات TechHer الرقمية من مايكروسوفت، توفّر عائدًا اقتصاديًا قدره 70,000 جنيه للمستفيدة الواحدة خلال خمس سنوات

  • برنامج Digital Edge يمنح الشباب المحرومين مهارات رقمية تولّد 78,000 جنيه كقيمة اقتصادية لكل خريج

هذه الأرقام ليست دعائية، بل تعكس مفهوم التمكين المنتج الذي يمكن للقطاع غير الربحي السعودي أن يستلهمه في برامجه التنموية، خصوصًا في الجمعيات الشبابية والتعليمية.


4. DEI: التنوع والعدالة والشمول باقٍ رغم التحديات

رغم تصاعد الرياح السياسية المعاكسة في بعض البيئات الغربية، لا تزال كبرى الشركات مثل Apple وMicrosoft ملتزمة بتطبيق مبادئ التنوع والعدالة والشمول (DEI) في أماكن العمل. دراسة حديثة من McKinsey أظهرت أن الشركات التي تقع في الربع الأعلى من حيث الأداء في DEI لديها احتمال أكبر بنسبة 40% لتحقيق أداء مالي متميز مقارنة بنظيراتها.

يهدف DEI إلى تفكيك الحواجز المنهجية التي تمنع العدالة، وهو ليس مجرد خطاب نوايا، بل أداة استراتيجية لإطلاق الطاقات البشرية غير المستثمرة. وللجمعيات في السعودية، خصوصًا العاملة في قضايا المرأة، ذوي الإعاقة، والعدالة المجتمعية، فرصة هائلة لبناء نماذج DEI محلية تنبع من الثقافة وتستند إلى التجارب العالمية.


5. أسواق الأثر: من التقييم إلى التداول

يُعيد العالم التفكير في "قيمة الأثر"، ليس فقط كأداة تقويم، بل كأصل يمكن تداوله. مستلهمين من تجارب أسواق الكربون، تعمل مبادرات دولية مثل المؤسسة الدولية لتقييم الأثر على تطوير معايير وآليات لتحويل النتائج الاجتماعية إلى أصول قابلة للتبادل.

تُظهر هذه المبادرات كيف يمكن دمج أدوات السوق لخدمة الأهداف المجتمعية، عبر آليات جديدة لتمويل التغيير الإيجابي، وتوسيع نطاقه، وتحقيق استدامة ذات طابع استثماري. هذا المفهوم يفتح المجال أمام نماذج مثل السندات الاجتماعية، أو اتفاقات الدفع مقابل الأثر، ليتم تطبيقها في البيئة السعودية بشراكات بين القطاع غير الربحي والحكومي والخاص.


نحو منظور جديد للأثر

لم يعد الأثر الاجتماعي مسألة هامشية. بل أصبح — وفق هذه التوجهات — معيارًا رئيسيًا لشرعية المؤسسة، واستدامتها، وقدرتها على إحداث تغيير حقيقي. وفي المملكة، تتقاطع هذه التوجهات مع رؤية 2030، التي رفعت سقف التوقعات من القطاع غير الربحي ليصبح شريكًا رئيسيًا في التنمية الوطنية.

كل جمعية، جهة مانحة، أو كيان تنموي في السعودية، مدعو اليوم إلى إعادة النظر في مفهوم "الأثر"، ليس كحساب ختامي، بل كمنهج تفكير، وأسلوب قيادة، ومصدر ثقة.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top