الربح من الحج.. سؤال أخلاقي أم استراتيجية استدامة؟

ع ع ع

 هلال بن حسين القرشي
رئيس تحرير البنك الثالث | موسوعة الإثراء المعرفي للقطاع غير الربحي

"نريد أن نحج ونربح... ونربح ونحج"، هكذا عبّر أحد المتحدثين في لقاء "الاستدامة الوقفية وصناديق الادخار" الذي حضرته مؤخرًا في مقر شركة استثمار المستقبل بالرياض.
كانت الجملة تبدو لأول وهلة كأنها زلّة لسان تسويقية، لكن تكرارها على لسان أكثر من مشارك، وتحولها إلى محور نقاش حيوي بين الحضور، كشف أنها ليست مجرد عبارة عابرة، بل سؤال وجودي عالق في مفترق طرق بين الأخلاق والاستثمار.


الربح من الحج: متى يصبح مريبًا؟ ومتى يصبح مشروعًا؟

منذ أن تحوّلت رحلة الحج من فريضة روحية تؤدى مشيًا على الأقدام إلى مشروع لوجستي معقّد يتطلب تأشيرات وطيران وفنادق وطعام وتأمين، بدأ سؤال الربح يفرض نفسه.
فهل يجوز أن تتحوّل عبادة مقدسة إلى "سوق"؟ وهل يحق للمؤسسات الربحية – أو حتى الوقفية – أن تبني نماذج استثمارية حول شعيرة هي الأشد قدسية في وجدان المسلمين؟

فقهيًا، لا يوجد ما يمنع من التكسّب من خدمات الحج، بل هناك سوابق فقهية معروفة حول مؤجري المساكن للحجاج، والذين كانوا يُطلق عليهم "المجاورون"، وكذلك من يعملون كأدلاء أو سُقاة أو ملبّي حاجات الحجيج.

لكن الإشكال لا يكمن في جواز الربح، بل في مقاصده وحدوده وآثاره.


من الربح إلى الاستدامة: تغيير زاوية النظر

في اللقاء، تحدث الأستاذ عبدالعزيز بورحمه – الرئيس التنفيذي لشركة الركن الخامس – عن تجربتهم في بناء نموذج ربحي مبني على خدمة الحجاج لا استغلالهم. وقال بنبرة هادئة:
"نريد أن نربح حتى نُمكّن غير القادرين من الحج.. وأن نربح كي لا نغلق غدًا أبواب المبادرة بسبب نفاد المال."

هنا تغيرت نبرة القاعة.

تحوّل الحديث من سؤال "هل يجوز الربح من الحج؟" إلى "هل يمكن للربح أن يكون وسيلة لخدمة الحج؟"، وهذا قلب جوهري في زاوية النظر:

  • الربح كغاية يعني تضخيم الأسعار، وتسليع العبادة.

  • الربح كوسيلة يعني تمويل التكافل، وبناء نموذج مستدام، يتيح للفقراء الحج دون منّة أو تذلل.


الربح بوصفه فقهًا

إذا عدنا إلى أصول الفقه الإسلامي، نجد أن النية هي الميزان الحاكم في كثير من أبواب المعاملات. فالبيع جائز، لكن إن تضمّن غررًا أو استغلالًا أو احتكارًا، صار منهيًا عنه.
والوقف – في أصله – ليس نقيضًا للربح، بل هو آلية لتحويل الربح إلى منفعة دائمة، شرط أن لا تبتلع الوسائل الغايات.

في تجربة شركة الركن الخامس، الربح لم يكن مجرد فائض مالي، بل كان يُعاد ضخه في:

  • صناديق ادخار شهرية تبدأ من الطفولة.

  • برامج تمويل لحج الفقراء عبر الزكاة.

  • تشغيل فنادق اقتصادية مملوكة لصناديق وقفية.

كل هذه الدوائر الربحية كانت تخدم غاية واحدة: توسيع القدرة على أداء فريضة الحج، وتقليل العبء المالي على الأفراد والدولة معًا.


الربح بوصفه سياسة تنموية

في السياق السعودي، تواجه المؤسسات الوقفية تحديات حقيقية في الاستدامة المالية. ومن أكبر الإشكالات أن كثيرًا من المبادرات الخيرية تبدأ بحماس وتنتهي بعجز، لأنها لم تُصمم منذ البداية على قاعدة تمويلية طويلة الأجل.

من هنا، لا بد أن نعيد التفكير في "الربح من الحج" لا بوصفه وصمة، بل بوصفه خطة.

  • خطة تُمكّن الدولة من تخفيف أعباء الدعم.

  • خطة تُشرك القطاع الخاص والمانحين والمستثمرين في مشروع شعائري.

  • خطة تجعل من الحج لا مجرد فريضة تُؤدى، بل مشروعًا وقفيًا جامعًا بين الإيمان والتنمية.


من ربح الجسد إلى ربح المعنى

كان من اللافت في اللقاء كيف تغيّرت وجوه الحضور حين طُرح سؤال الربح لأول مرة، وكيف بدأت تنفرج حين أعيدت صياغته كـ "استدامة وقفية لخدمة شعيرة عظيمة".

الربح ليس عيبًا في ذاته. العيب أن نربح وننسى من أجل ماذا بدأنا. وأن نُسخّر الشعيرة لجيوبنا بدل أن نُسخّر جيوبنا للشعيرة.

الحج، حين يُدار بعقل وقفي، لا يُربّي فقط أرصدة مالية.. بل يُربّي ضميرًا استثماريًا ينظر إلى المال كأداة لا كمعبود.


يمكنك مشاهدة اللقاء كامل على قناة استثمار المستقبل:

اللقاء كامل هنا.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top