الربح من الحج: متى يصبح مريبًا؟ ومتى يصبح مشروعًا؟
فقهيًا، لا يوجد ما يمنع من التكسّب من خدمات الحج، بل هناك سوابق فقهية معروفة حول مؤجري المساكن للحجاج، والذين كانوا يُطلق عليهم "المجاورون"، وكذلك من يعملون كأدلاء أو سُقاة أو ملبّي حاجات الحجيج.
لكن الإشكال لا يكمن في جواز الربح، بل في مقاصده وحدوده وآثاره.
من الربح إلى الاستدامة: تغيير زاوية النظر
هنا تغيرت نبرة القاعة.
تحوّل الحديث من سؤال "هل يجوز الربح من الحج؟" إلى "هل يمكن للربح أن يكون وسيلة لخدمة الحج؟"، وهذا قلب جوهري في زاوية النظر:
-
الربح كغاية يعني تضخيم الأسعار، وتسليع العبادة.
-
الربح كوسيلة يعني تمويل التكافل، وبناء نموذج مستدام، يتيح للفقراء الحج دون منّة أو تذلل.
الربح بوصفه فقهًا
في تجربة شركة الركن الخامس، الربح لم يكن مجرد فائض مالي، بل كان يُعاد ضخه في:
-
صناديق ادخار شهرية تبدأ من الطفولة.
-
برامج تمويل لحج الفقراء عبر الزكاة.
-
تشغيل فنادق اقتصادية مملوكة لصناديق وقفية.
كل هذه الدوائر الربحية كانت تخدم غاية واحدة: توسيع القدرة على أداء فريضة الحج، وتقليل العبء المالي على الأفراد والدولة معًا.
الربح بوصفه سياسة تنموية
في السياق السعودي، تواجه المؤسسات الوقفية تحديات حقيقية في الاستدامة المالية. ومن أكبر الإشكالات أن كثيرًا من المبادرات الخيرية تبدأ بحماس وتنتهي بعجز، لأنها لم تُصمم منذ البداية على قاعدة تمويلية طويلة الأجل.
من هنا، لا بد أن نعيد التفكير في "الربح من الحج" لا بوصفه وصمة، بل بوصفه خطة.
-
خطة تُمكّن الدولة من تخفيف أعباء الدعم.
-
خطة تُشرك القطاع الخاص والمانحين والمستثمرين في مشروع شعائري.
-
خطة تجعل من الحج لا مجرد فريضة تُؤدى، بل مشروعًا وقفيًا جامعًا بين الإيمان والتنمية.
من ربح الجسد إلى ربح المعنى
كان من اللافت في اللقاء كيف تغيّرت وجوه الحضور حين طُرح سؤال الربح لأول مرة، وكيف بدأت تنفرج حين أعيدت صياغته كـ "استدامة وقفية لخدمة شعيرة عظيمة".
الربح ليس عيبًا في ذاته. العيب أن نربح وننسى من أجل ماذا بدأنا. وأن نُسخّر الشعيرة لجيوبنا بدل أن نُسخّر جيوبنا للشعيرة.
الحج، حين يُدار بعقل وقفي، لا يُربّي فقط أرصدة مالية.. بل يُربّي ضميرًا استثماريًا ينظر إلى المال كأداة لا كمعبود.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
