في زيارتي الأخيرة إلى موسكو، وقفت طويلًا أمام بعض التجارب التربوية الثرية التي لا تُبهر الزائر فحسب، بل تدفعه إلى التفكير العميق في دور البيئة في تنشئة الطفل. هذه التجارب لم تكن مشروعات نُفّذت لأغراض تجميلية أو دعائية، بل كانت انعكاسًا لوعي مجتمعي يُعلي من قيمة الطفولة، ويمنحها أولوية في السياسات العامة.
المكتبة المركزية للأطفال: حيث القراءة تصبح مغامرة
زرتُ المكتبة المركزية الحكومية للأطفال، وهي مؤسسة ثقافية مضى على تأسيسها أكثر من نصف قرن، وتُعد من أكبر المكتبات المتخصصة في الطفولة بروسيا. ما شدني فيها هو كيف تحوّلت “المطالعة” من فعل فردي ساكن إلى تجربة تفاعلية حيّة. فالمكتبة لا تعتمد على الرفوف والكتب فقط، بل تُخصص أركانًا قصصية، وتُنظم عروضًا فنية، وتُهيّئ مساحات للقراءة الحرة والاكتشاف، تأخذ بعين الاعتبار مراحل نمو الطفل واهتماماته. هنا، لا يُفرض الكتاب على الطفل، بل يُقدَّم له بأسلوب يحترم فضوله ويدعوه إلى الحوار.
متحف الطفل: من المتلقي إلى المستكشف
وفي متحف الأطفال، وجدْتُ بيئة تربوية نادرة تُقدَّم فيها المعرفة لا من خلال الإملاء، بل بالتفاعل واللعب والتجريب. كل ركن فيه مصمم ليدفع الطفل إلى التفكير، ويمنحه فرصة أن يكون فاعلًا في العملية التعليمية. الطفل هنا لا يتلقّى المعلومة بل يصنعها، فيتدرّب عمليًا على مهارات التفكير النقدي، والبحث، والاستنتاج. إنها تربية لا تؤمن بالحفظ، بل بالاكتشاف.
حدائق عامة… ولكنها للأطفال
في حديقة “غوركي” الشهيرة، لاحظتُ كيف أن المساحات المخصصة للأطفال ليست مجرد أماكن لهو، بل فضاءات مخططة بعناية تُراعي احتياجاتهم الحركية والاجتماعية، وتُشجّع على اللعب المفتوح والتفاعل الأسري. لقد كانت دعوة صامتة لتعزيز الصحة النفسية والجسدية للطفل، وجعل الأسرة جزءًا من العملية التربوية، لا مجرد مراقب لها.
“ماتريوشكا”: عندما تروي اللعبة قصة الأسرة
أدهشتني لعبة “الماتريوشكا” الروسية، تلك الدمى الخشبية المتداخلة، التي تُجسّد صورة العائلة بطريقة إبداعية. كل دمية تكشف الأخرى، كما تكشف القيم المتوارثة بين الأجيال. ليست مجرد لعبة، بل سردية رمزية تعزز مفهوم الانتماء الأسري، والتواصل بين الطفل وأهله من خلال اللعب المشترك، وسرد الحكايات، وصنع الذاكرة الجماعية.
الطبيعة كمنهج تربوي
في منطقة “تساريتسينو”، زرت ما يُعرف بـ”حديقة الأطفال”، حيث يتعلم الأطفال الزراعة، ويتفاعلون مع الطبيعة في بيئة مفتوحة. هناك أيضًا “مركز الأطفال في موسكو”، الذي يجمع بين الحركة، واللعب، والتفاعل الاجتماعي في تصميم يراعي مهارات الطفل الذهنية والجسدية. كل شيء هنا مدروس، والطفولة ليست مهمّشة بل مركزية.
ماذا يمكن أن نتعلّم؟
هذه النماذج تُجسّد كيف يمكن للبيئات غير الرسمية أن تتحوّل إلى مساحات تربوية فاعلة، تُشكّل شخصية الطفل، وتُنمّي ملكاته، وتُهيّئه ليكون إنسانًا فاعلًا في مجتمعه. وهي، في جوهرها، دعوة لنا لإعادة التفكير في فضاءات الطفولة في عالمنا العربي، لا سيما في ظل رؤية السعودية 2030 التي أولت محاور جودة الحياة، وتمكين الطفولة، والتعليم مدى الحياة أهمية خاصة.
إننا حين نُعلي من قيمة اللعب، والقراءة، والاكتشاف، فإننا نبني الإنسان قبل أن نبني النظام.
بقلم: د. همام الحارثي
المدير التنفيذي
مركز حلول الطفولة
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
