كيف تُغلق الجمعية أبوابها بمسؤولية؟

ع ع ع

لا تبدأ أصعب لحظات الجمعية الأهلية عندما تنخفض التبرعات أو يتوقف أحد البرامج وإنما تبدأ حين يكتشف مجلس إدارتها أن استمرارها بصورتها الحالية قد لا يعود في مصلحة الجمعية ولا في مصلحة الأشخاص الذين أُنشئت لخدمتهم.

عند هذه النقطة يتغير السؤال من كيفية حماية اسم الجمعية والمحافظة على مقرها وموظفيها وحساباتها إلى سؤال أكثر صراحة يتعلق بما إذا كان وجودها ما يزال يصنع أثرًا يستحق الموارد التي يستهلكها.

قد يبدو الإغلاق اعترافًا بالفشل ولهذا تتأخر بعض الجمعيات في مناقشته وتستمر أعوامًا بأداء محدود وبرامج متقطعة ومجالس غير مستقرة ثم تنفق جانبًا متزايدًا من مواردها على المحافظة على وجودها النظامي بدلًا من توجيهه إلى المستفيدين ومع مرور الوقت تصبح الجمعية حاضرة في السجلات وغائبة عن المجال الذي وُجدت من أجله.

مع ذلك لا يعني كل إغلاق أن التجربة أخفقت فقد تنتهي الحاجة التي تأسست الجمعية للاستجابة لها أو يتبين أن اندماجها مع جمعية أخرى سيحقق نفعًا أكبر وربما يتغير شكلها القانوني أو تنتقل برامجها إلى كيان أكثر قدرة على إدارتها.

يتعامل الدليل الصادر عن هيئة تنظيم الجمعيات الخيرية في إنجلترا وويلز مع الإغلاق الطوعي بوصفه احتمالًا مشروعًا عندما تتوقف الجمعية عن جمع الأموال أو تندمج مع جهة أخرى أو تغير بنيتها القانونية كما يميز بين هذا الإغلاق وبين حالة العجز عن الوفاء بالديون لأن الضائقة المالية تحتاج إلى مسار مختلف ومشورة مهنية متخصصة.

من هنا لا يكون الإغلاق مجرد حذف اسم من سجل أو إطفاء الأنوار في مقر قديم وإنما يصبح آخر اختبار لحوكمة الجمعية لأن لحظة البداية تمتلئ عادة بالوعود بينما تكشف لحظة النهاية مدى قدرة المنظمة على حماية الحقوق وتسليم الأمانة والمحافظة على الغرض الذي جُمعت الأموال من أجله.


قرار ما قبل الإغلاق

قبل البحث في كيفية إغلاق أبواب الجمعية ينبغي التأكد من أن الإغلاق يصب فعلًا في مصلحتها.

يؤكد الدليل البريطاني أن قرار الإغلاق يجب أن يستند إلى مصلحة الجمعية وأن يتبع ما ورد في وثيقتها الحاكمة ولا سيما بند الحل وما قد يتضمنه من شروط تتعلق بمشاركة الأعضاء أو موافقة جهة أخرى أو توجيه الأموال المتبقية بطريقة محددة.

أما في السياق السعودي فلا يملك مجلس الإدارة وحده إنهاء الجمعية بقرار داخلي إذ يجوز حل الجمعية اختياريًا بقرار من الجمعية العمومية غير العادية وفق النظام واللائحة الأساسية كما لا يصبح القرار نافذًا إلا بعد موافقة المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي بالتنسيق مع الجهة المشرفة فيما يتعلق بالجانب الفني.

ولهذا ينبغي ألا يصل اقتراح الحل إلى الجمعية العمومية بوصفه انطباعًا سريعًا أو رد فعل على خلاف إداري وإنما ينبغي أن يسبقه ملف يشرح أسباب التعثر وحقيقة الوضع المالي ومستوى الطلب على الخدمات والبدائل التي جرى فحصها والآثار المحتملة في المستفيدين والعاملين والمتبرعين.

أثناء إعداد هذا الملف قد تكتشف الجمعية أن مشكلتها لا تتطلب الإغلاق أصلًا وربما تحتاج إلى تقليص نطاقها أو إعادة بناء نموذجها المالي أو إيقاف بعض الأنشطة أو الدخول في شراكة أعمق وقد يكون نقل برنامج بعينه إلى جهة متخصصة أكثر حكمة من إنهاء المنظمة كلها.

في المقابل قد يكشف الفحص أن الاستمرار يستهلك موارد إضافية من دون نتيجة مقنعة وعندئذ لا يصبح الإغلاق هروبًا من المسؤولية وإنما قبولًا بها لأن بقاء الكيان ليس غاية مستقلة عن رسالته.


المستفيد قبل الإجراء

حين يقترب القرار من صورته النهائية تنشغل الإدارة عادة بالموافقات والعقود والحسابات غير أن أول من سيتأثر بالإغلاق قد لا يكون حاضرًا في أي اجتماع.

قد يكون مستفيدًا يتلقى مساعدة دورية أو مريضًا يتابع برنامجًا علاجيًا أو أسرة تعتمد على خدمة اجتماعية أو متدربًا لم يكمل مساره وبالنسبة إلى هؤلاء لا يمثل الإغلاق تغييرًا مؤسسيًا مجردًا وإنما انقطاعًا محتملًا في خدمة تمس حياتهم.

يضع الدليل البريطاني إدارة الخدمات النهائية للمستفيدين وإبلاغهم بالإغلاق ضمن الأعمال الأساسية التي تسبق إنهاء الجمعية كما يربط ذلك بالتواصل مع المتطوعين والشركاء وغيرهم من الأطراف التي ستتأثر بالقرار.

استنادًا إلى هذا المبدأ تبدأ الخطة المسؤولة بحصر البرامج القائمة وتحديد ما يمكن إنهاؤه من دون ضرر وما يحتاج إلى انتقال تدريجي ثم تبحث الجمعية عن جهات قادرة على استكمال الخدمة وتوضح للمستفيدين ما سيتوقف وموعد توقفه والبديل المتاح وكيفية الوصول إليه.

كلما كانت الخدمة مرتبطة بالصحة أو الإعاشة أو الفئات الهشة ارتفعت الحاجة إلى انتقال أكثر عناية ولا يكفي في هذه الحالة إرسال إشعار عام ثم اعتبار المسؤولية منتهية وإنما المطلوب تقليل أثر القرار وعدم ترك المستفيد أمام باب مغلق لا يعرف ما وراءه.

ومن زاوية أخرى لا يجوز أن تواصل الجمعية استقبال حالات جديدة أو إطلاق وعود طويلة الأجل وهي تعرف أنها لن تستطيع الوفاء بها فالصراحة المبكرة قد تكون مؤلمة لكنها أقل ضررًا من اكتشاف المستفيد أن الخدمة انتهت بعد أن بنى عليها قراراته.


من الرصيد إلى الالتزام

بعد الاطمئنان إلى مصير الخدمات تنتقل الجمعية إلى أكثر مراحل الإغلاق حساسية وهي معرفة ما تملكه فعلًا وما تدين به للآخرين.

قد يظهر في الحساب البنكي مبلغ كبير لكن هذا الرقم لا يمثل بالضرورة أموالًا حرة لأن وراءه رواتب ومستحقات وعقود إيجار وفواتير موردين وتكاليف تصفية وربما تعويضات أو التزامات ناتجة عن إنهاء عقود قبل موعدها.

يضع الدليل البريطاني سداد الديون أو تسويتها في مقدمة أعمال الإغلاق ويشدد على ضرورة توفير ما يكفي لتغطية تكاليف التصفية والمشورة المهنية كما يوصي بمراجعة العقود تحسبًا للغرامات والنظر في الالتزامات المرتبطة بالموظفين ومعاشاتهم.

إذا كانت الجمعية عاجزة عن الوفاء بديونها فلا ينبغي التعامل مع وضعها بوصفه إغلاقًا طوعيًا عاديًا لأن الأولوية تصبح لحماية حقوق الدائنين والحصول على المشورة المتخصصة قبل اتخاذ أي تصرف في الأموال أو الأصول.

بناء على ذلك لا تبدأ التصفية من توزيع المتبقي وإنما من إعداد صورة مالية كاملة تراجع فيها العقود وتحصر الديون والمطالبات وتقدر تكاليف الإغلاق ويحتفظ فيها بما يلزم لتسوية الالتزامات قبل نقل أي أصل إلى جهة أخرى.

في الوقت ذاته يجب التعامل مع العاملين بصفتهم أصحاب حقوق لا بندًا تشغيليًا يمكن إقفاله في نهاية الجدول وينبغي إبلاغهم في الوقت الملائم وتطبيق الأنظمة والعقود وتسوية الأجور والإجازات والمستحقات وما يترتب على انتهاء العلاقة العمالية.

أما تأخير الحديث معهم حتى اللحظة الأخيرة فقد يضعهم أمام خسارة مفاجئة للدخل ويضر بقدرة الجمعية نفسها على إتمام الإغلاق لأن الموظفين هم غالبًا من يعرفون تفاصيل الملفات والأنظمة والعلاقات التشغيلية.


الأموال المتبقية إلى أين؟

عندما تنتهي الجمعية من حصر ديونها وتكاليف إغلاقها يظهر السؤال الأكثر حساسية وهو ما الذي سيحدث للأموال التي لم تنفق والأصول التي لم تعد الجمعية بحاجة إليها.

الإجابة لا تبدأ من رغبة مجلس الإدارة لأن الأموال العامة للجمعية يجب أن توجه وفق بند الحل الوارد في وثيقتها الحاكمة وبما يحقق أغراضها ويشير الدليل البريطاني إلى إمكان نقل الأموال والأصول إلى جمعية أخرى إذا سمحت الوثيقة بذلك أو كان النقل يحقق أغراض الجمعية المنتهية.

في المملكة تراعي اللائحة التنفيذية عند حل الجمعية شرط الواقف ورغبة المتبرع وما ورد في اللائحة الأساسية أما الأموال التي لا ينظم مصيرها شرط خاص فيحدد المركز الجهة التي تؤول إليها على أن تكون صندوق دعم الجمعيات أو جمعية مرخصة ذات نشاط مشابه كما يتضمن قرار الحل تعيين مصف أو أكثر وتحديد مدة عمله وأتعابه.

يمنع هذا التنظيم تحول أموال الجمعية إلى ملكية قابلة للتوزيع بين المؤسسين أو الأعضاء كما يمنع توجيهها إلى جهة اختيرت لمجرد وجود علاقة سابقة بها لأن الأساس هو المحافظة على الغرض والتأكد من قدرة الجهة المستلمة على استخدام المال في نشاط يماثل ما جمع من أجله.

تزداد المسألة دقة عندما لا تكون الأموال عامة فقد توجد منحة لم تنفق كاملة أو تبرعات جمعت لحملة محددة أو مبالغ زادت على احتياج المشروع.

يوصي الدليل البريطاني بالرجوع إلى عقد المنحة لمعرفة ما يجب فعله بالمبلغ غير المستخدم وعندما يخلو العقد من تعليمات واضحة ينبغي التواصل مع الجهة المانحة أما الأموال الناتجة عن حملة تبرع لغرض محدد ولم تحقق هدفها أو جمعت أكثر من المطلوب فتظل خاضعة للغرض الذي قدمت من أجله ولا يجوز التعامل معها بوصفها فائضًا عامًا.

ينسجم هذا المبدأ مع مراعاة رغبة المتبرع وشرط الواقف في البيئة السعودية ولهذا ينبغي للجمعية أن تصنف أرصدتها إلى أموال عامة وأموال مقيدة ومنح غير مكتملة وتبرعات لحملات محددة وأموال زكاة وأصول وقفية ثم تحدد المسار المناسب لكل فئة بالتنسيق مع الجهات المختصة.

بهذه الطريقة لا يكون السؤال عن مقدار ما بقي في الحساب وإنما عن الغرض الذي دخل من أجله كل مبلغ والالتزام الذي ما يزال متعلقًا به.


العقارات والاستثمارات لها أحكامها

لا تقتصر أصول الجمعية على النقود والأثاث والأجهزة فقد تملك أرضًا أو مبنى أو استثمارًا أو أصلًا خصص لاستعمال دائم بعينه وفي هذه الحالات لا يكفي إدراجه في قائمة الموجودات ثم اتخاذ قرار سريع ببيعه أو نقله.

يفرد الدليل البريطاني مساحة الأراضي المخصصة والأوقاف الدائمة والأموال المحتفظ بها لأغراض خاصة لأن بعض العقارات يجب أن يستمر استخدامها لغرض معين كما أن بعض الأصول لا يجوز إنفاق أصلها ويقتصر الانتفاع منها على العائد الناتج عن استثمارها.

إلى جانب ذلك يطلب الدليل إنهاء عقود إيجار الأراضي أو المباني والتصرف في العقارات المملوكة وفق القواعد النظامية كما يجيز بيع الاستثمارات أو نقلها إلى جمعية أخرى متى توافرت الصلاحية اللازمة.

عند مواءمة ذلك مع البيئة المحلية ينبغي فحص صكوك العقارات وعقود الإيجار وشروط الوقف والهبات والوصايا قبل اتخاذ أي تصرف لأن المبنى قد يكون مملوكًا للجمعية ملكية مطلقة وقد يكون موقوفًا أو موهوبًا لغرض لا يجوز تغييره.

تباع بعض الأصول أو تنقل بسهولة نسبية بينما تحتاج أصول أخرى إلى إجراءات وموافقات خاصة ومن ثم لا ينبغي التعامل مع جميع الممتلكات بوصفها كتلة واحدة قابلة للتسييل.


نحو مسؤولية المُصفّي

عند صدور قرار الحل لا تعود الجمعية في مرحلة إدارة نشاط اعتيادي وإنما تدخل مرحلة هدفها إنهاء الالتزامات والمحافظة على الموجودات وتسليمها وفق المسار المعتمد.

تنص اللائحة التنفيذية السعودية على عدم جواز تصرف القائمين على شؤون الجمعية التي صدر قرار بحلها في أموالها ومستنداتها إلا في حالات الضرورة وبعد موافقة المركز كما توجب عليهم تسليم الأصول والأموال والمستندات إلى المصفي بمجرد طلبها.

إذا خلت اللائحة الأساسية من أحكام التصفية أو تعذر تنفيذها جاز للمركز أو من يفوضه تحديد الآلية وكيفية التصرف في الأصول والأموال والمستندات والتكاليف المترتبة على ذلك.

منذ تلك اللحظة تضيق مساحة القرارات الجديدة فلا يفترض أن تطلق الجمعية مبادرات أو تستقبل التزامات أو تتصرف في موجوداتها كما لو أن شيئًا لم يتغير وتصبح الأولوية لمنع تآكل الأموال وإغلاق العقود وتسوية الحقوق وتوفير ما يحتاجه المصفي لأداء مهمته.

لهذا يجب أن يكون الاستلام والتسليم شاملًا وموثقًا ولا يكفي تسليم مفاتيح المكتب وبعض الملفات الورقية وإنما ينبغي أن يشمل الحسابات البنكية والسجلات المحاسبية والعقود والصكوك والأجهزة والمركبات وملفات العاملين وقواعد بيانات المستفيدين والتبرعات المقيدة وتراخيص الأنظمة والبريد الرسمي وحسابات المنصات الرقمية.

ومع كل أصل أو ملف يجب أن تظهر معلوماته بوضوح من حيث حالته وملكيته والالتزام المرتبط به ومكان وجود نسخة وصلاحيات الوصول إليه لأن المنطقة التي لا يوثقها محضر التسليم تتحول غالبًا إلى مشكلة بعد أن تختفي الذاكرة المؤسسية ويتفرق العاملون.


إغلاق المقر لا يمحُو البيانات

قد تباع الأجهزة ويغلق المقر لكن البيانات لا تختفي تلقائيًا وربما تكون هي الأصل الأكثر خطورة عندما تترك من دون إدارة.

تحتفظ الجمعيات ببيانات المستفيدين والمتبرعين والموظفين والمتطوعين وبعض هذه المعلومات شديد الحساسية لأنه يتعلق بالحالة الصحية أو الاجتماعية أو المالية أو بهويات الأشخاص ووسائل التواصل معهم.

يشدد الدليل البريطاني على ضرورة التخطيط للتعامل مع السجلات والمعلومات الشخصية عند الإغلاق وفي حالات الاندماج أو تغيير البنية يمكن تسليم السجلات ذات الصلة إلى الجهة المستلمة مع استمرار الالتزام بقواعد حماية البيانات.

مع ذلك لا يعني انتقال البرنامج إلى جمعية أخرى انتقال جميع البيانات إليها بصورة آلية بل يجب معرفة ما تحتاجه الجهة المستلمة فعلًا لاستكمال الخدمة ثم تحديد الأساس النظامي للنقل وحماية المعلومات أثناء العملية وبعدها.

و أما البيانات التي لم تعد هناك حاجة مشروعة للاحتفاظ بها فيجب إتلافها بطريقة آمنة بدل تركها في حواسيب قديمة أو حسابات سحابية منسية وفي المقابل قد يلزم حفظ بعض السجلات لأغراض محاسبية أو تعاقدية أو قضائية وعندها ينبغي تحديد جهة الحفظ ومدته وصلاحيات الوصول.

هكذا يتضح أن مسؤولية الجمعية عن البيانات لا تنتهي بمجرد توقف نشاطها لأن الشخصية النظامية قد تنتهي بينما يستمر الضرر الذي يمكن أن تسببه وثيقة مهملة أو كلمة مرور متداولة.


الاندماج، ليس اختفاء المسؤوليات

قد لا يكون قرار الإغلاق نهاية للبرامج وإنما نتيجة لاندماج الجمعية في كيان آخر أو انتقالها إلى بنية جديدة.

يوضح الدليل البريطاني أن الإغلاق في هذه الحالة لا يتم إلا بعد نقل الأصول إلى الجهة المستلمة وترتيب الالتزامات ومعالجة الأوقاف والأراضي المخصصة والأموال الخاصة والتعامل مع السجلات بطريقة مناسبة.

كما يجب أن تستمر الجهة المستلمة في استخدام الأموال وفق أغراض الجمعية الأصلية ولا سيما عندما تكون أغراض الجهة الجديدة أوسع.

لهذا لا يكفي الإعلان عن الاندماج وإضافة شعار جديد وإنما يجب تحديد ما الذي انتقل فعلًا وما الذي بقي على الجمعية القديمة وهل انتقلت العقود والموظفون والبرامج والبيانات وهل قبل الدّائنون نقل الالتزامات وهل تستطيع الجهة المستلمة الوفاء بشروط الأموال المقيدة.

على الصعيد المحلي يخضع اقتراح اندماج الجمعية لقرار الجمعية العمومية غير العادية ولا يصبح نافذًا إلا بعد موافقة المركز بالتنسيق مع الجهة المشرفة في الجانب الفني.

وبذلك يصبح الاندماج عملية نقل مسؤولية لا مجرد نقل أصول وتظهر قيمته الحقيقية حين يستمر المستفيد في تلقي الخدمة وتظل أموال المتبرعين مرتبطة بأغراضها ولا تضيع العقود والحقوق في المسافة بين الكيانين.


ماذا يقول الناس؟

مع تقدم التصفية تبدأ الأسئلة خارج الجمعية لماذا توقفت البرامج وأين ذهبت التبرعات ومن سيتولى خدمة المستفيدين وهل توجد أزمة مالية أو إدارية.

الصمت لا يحمي السمعة في هذه المرحلة وإنما يخلق فراغًا تملؤه التفسيرات غير الدقيقة وفي الوقت نفسه لا تعني الشفافية نشر أسرار العاملين أو تفاصيل النزاعات أو تحميل شخص بعينه مسؤولية انهيار المنظمة.

المسار الأكثر اتزانًا هو إعداد خطة اتصال ترافق الإغلاق منذ بدايته حيث يبلغ الموظفون والمستفيدون والشركاء المباشرون بالمعلومات التي تمسهم قبل نشر إعلان عام ثم يخاطب المانحون والموردين والجهات ذات العلاقة بما يوضح مصير العقود والأموال والبرامج.

أما الرسالة العامة فينبغي أن تشرح سبب القرار بصورة صادقة وتوضح ما سيحدث للخدمات ومن سيتولى استقبال الاستفسارات خلال التصفية كما يستحسن بيان الجهة التي انتقلت إليها البرامج أو الأصول متى سمحت المتطلبات النظامية بذلك.

لا تحتاج الجمعية إلى كتابة مرثية طويلة عن نفسها وإنما يحتاج الناس إلى تفسير واضح يحترم ذكائهم ويجيب عن الأسئلة العملية التي تهمهم.


متى الإغلاق الحقيقيّ؟

إيقاف البرامج وإغلاق المقر لا يعنيان أن الجمعية انتهت نظاميًا.

يلفت الدليل البريطاني إلى ضرورة إبلاغ هيئة تنظيم الجمعيات بعد الإغلاق وتقديم معلومات عن سبب القرار وقيمة الأصول وما حدث لها والجمعيات التي استقبلتها وكيف عولجت المنح والتبرعات المقيدة والأوقاف والأراضي المخصصة.

تختلف الإجراءات التفصيلية في بريطانيا بحسب الشكل القانوني للجمعية إلا أن المبدأ الإداري يظل صالحًا في البيئة السعودية لأن الإغلاق لا يكتمل حتى تسوى الالتزامات وتنقل الأصول وفق القرار المعتمد وتسلم المستندات إلى المصفي وتغلق الحسابات والعقود والتراخيص وتستكمل الإجراءات لدى المركز والجهات ذات العلاقة.

ومن المفيد أن تعد الجمعية في نهاية الرحلة تقريرًا يوضح الأسباب والقرارات ومصير البرامج والأموال والأصول والبيانات ويمكن أن تكون هناك نسخة تفصيلية للجهات المختصة ونسخة عامة تراعي السرية وتوضح للمجتمع أين انتهت الأمانة التي حملتها الجمعية.

بهذا التقرير لا تدافع الإدارة عن نفسها بقدر ما تغلق دائرة المساءلة لأن الجمهور الذي عرف كيف بدأت الجمعية يستحق أن يعرف كيف أنهت عملها.


مسؤوليات بعد الإغلاق

تتوقف أنشطة الجمعية لكن بعض المسؤوليات تظل قائمة بعد الإغلاق.

ينص الدليل البريطاني على الاحتفاظ بالحسابات والدفاتر والسجلات مثل الفواتير والإيصالات والكشوف البنكية مدة لا تقل عن ست سنوات من نهاية السنة المالية التي أنشئت فيها كما يؤكد أن أعضاء مجلس الأمناء يظلون مسؤولين عن القرارات التي اتخذوها أثناء وجودهم في مناصبهم.

هذه المدة تخص النظام البريطاني ولا تنقل بحرفيتها إلى المملكة إلا أنها تكشف مبدأ مهمًا وهو أن الإغلاق لا يمحو القرارات السابقة ولا يلغي ضرورة حفظ ما يثبت سلامة التصرفات

في التطبيق المحلي يجب تحديد السجلات الواجب الاحتفاظ بها وفق الأنظمة واللوائح ذات العلاقة وطبيعة كل مستند كما ينبغي الاتفاق على الجهة التي تحفظها بعد انتهاء الجمعية وعلى الشخص المخول بالاستجابة لأي مطالبة أو مراجعة لاحقة.

قد تظهر بعد سنوات مسألة متعلقة بعقد سابق أو تبرع مقيد أو موظف أو أصل نقل أثناء التصفية وإذا لم توجد سجلات واضحة فلن يكون اختفاء الجمعية مبررًا لغياب الإجابة.

لهذا لا يكون حفظ الوثائق عملًا أرشيفيًا ثانويًا وإنما هو الجزء الذي يسمح بإثبات أن الإغلاق جرى بمسؤولية وأن الأموال والحقوق لم تختف مع إغلاق المقر.


حماية الرسالة

لا يطلب من كل جمعية أن تعيش إلى الأبد فبعض الجمعيات تحقق غرضها ثم تتغير الحاجة إليها وبعضها يندمج في كيان أقوى وبعضها يفقد القدرة على الاستمرار من دون أن يفقد العاملون فيه إخلاصهم.

المهم ألا تنتهي الجمعية قبل أن تنهي مسؤولياتها.

الإغلاق المسؤول يعني أن تعرف الجمعية لماذا تغلق وأن تختبر البدائل قبل القرار ثم تحمي المستفيدين وتسدد الديون وتوفر تكاليف التصفية.

ويعني كذلك أن تراجع العقود وتحفظ حقوق العاملين وتفصل بين الأموال العامة والمقيدة وتعيد فائض المنح وفق شروطها وتعالج حملات التبرع غير المكتملة من دون تغيير أغراضها.

بعد ذلك يأتي دور العقارات والأوقاف والاستثمارات والبيانات والسجلات فلا يترك شيء منها للمصادفة ولا ينقل بناء على العلاقات لأن لكل أصل تاريخه ولكل مبلغ غرضه ولكل معلومة صاحبها.

وعندما تنتقل الأمور إلى المصفي تتوقف الجمعية عن التصرف كأنها ستبدأ غدًا مشروعًا جديدًا وتنصرف إلى تسليم الأمانة وإتمام الإقفال النظامي وتوثيق كل ما حدث.

عندها فقط يصبح إغلاق الأبواب آخر فصل في تاريخ الجمعية لا مساحة تختفي داخلها الحقوق وقد يكون هذا الفصل من أكثر فصولها صدقًا لأنه يثبت أن الرسالة ظلت أهم من الكيان وأن المحافظة على الأثر لا تعني دائمًا البقاء وإنما تعني أحيانًا معرفة متى تنتهي الرحلة وكيف تسلم الأمانة إلى من يستطيع مواصلتها.

المصادر

هيئة تنظيم الجمعيات الخيرية في إنجلترا وويلز دليل كيفية إغلاق جمعية خيرية

اللائحة التنفيذية لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية في المملكة العربية السعودية

المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي كيف يتم حل الجمعية


يستفيد المقال من المبادئ الإدارية والحوكمية الواردة في الدليل البريطاني مع مواءمتها للبيئة السعودية ولا تمثل الإجراءات البريطانية أحكامًا مطبقة في المملكة كما لا يغني المقال عن الرجوع إلى المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي والحصول على المشورة القانونية والمحاسبية عند تصفية جمعية فعلية

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top