الدرس القانوني الكبير: حين يدخل المحامي المدرسة قبل المحكمة

ع ع ع

غالبًا ما يصل القانون إلى حياة الإنسان متأخرًا.

يصل عندما يقع نزاع، أو يُوقَّع عقد غير واضح، أو تُنتهك خصوصية، أو تظهر مشكلة في العمل، أو يقف أحد الأطراف عاجزًا أمام إجراء لا يفهمه. عند تلك اللحظة، يبدأ البحث عن محامٍ أو مستشار أو جهة تحمي الحق.

غير أن السؤال الأهم يسبق كل ذلك: لماذا ننتظر وقوع المشكلة حتى نعرّف الإنسان بالقانون؟

هذا السؤال هو ما يجعل تجربة «الدرس القانوني الكبير» في إنجلترا وويلز جديرة بالاهتمام نظرا إلى أنّ الحملة لا تتعامل مع التعليم القانوني على أنه مادة متخصصة تُدرّس لمن يريد الالتحاق بكلية الحقوق، وإنما تراه معرفة أساسية يحتاج إليها الطفل حتى يفهم المجتمع الذي يعيش فيه.

ومن هنا تظهر فكرة أوسع من مجرد تعليم الحقوق، يمكن تسميتها بـ«المناعة القانونية»: قدرة الإنسان على اكتشاف الخطر النظامي مبكرًا، وفهم موقعه داخل العلاقة، ومعرفة السؤال الذي ينبغي طرحه قبل اتخاذ القرار.


المشكلة لا تبدأ من غياب القانون

في معظم المجتمعات، لا تكمن المشكلة في عدم وجود الأنظمة حيث توجد قوانين تحمي الطفل، وتنظم العمل، وتحفظ حقوق المستهلك، وتجرّم الاحتيال، وتضبط العقود، وتحمي البيانات.

والمشكلة تبدأ عندما توجد القاعدة ولا يعرفها من يحتاج إليها.

قد يملك الإنسان حقًا واضحًا، لكنه لا يدرك أنه حق، وقد يوقّع على التزام لم يفهم نتائجه وقد يتعرض لسلوك مخالف، ثم يظنه أمرًا طبيعيًا لأنه لم يتعلم الفرق بين السلطة والتجاوز، أو بين الرضا والضغط، أو بين الاتفاق والشرط المجحف.

عندئذ يصبح القانون موجودًا في الكتب وغائبًا عن الحياة.

لهذا لا ينبغي قياس الثقافة القانونية بعدد النصوص التي يعرفها الفرد، وإنما بقدرته على التصرف عندما يواجه موقفًا حقيقيًا وليست المعرفة المطلوبة حفظ المواد والأرقام، وإنما امتلاك حس قانوني أولي يشبه الحس الصحي الذي يدفع الإنسان إلى التوقف عندما يشعر بعرض غير طبيعي.

وكما يتعلم الطفل أن النار قد تحرقه، وأن عبور الطريق يحتاج إلى انتباه، يمكنه أن يتعلم أيضًا أن بعض المعلومات لا ينبغي مشاركتها، وأن التوقيع ليس إجراءً شكليًا، وأن القاعدة تسري على صاحب السلطة كما تسري على غيره.


لماذا يبدأ التعليم القانوني من التفاصيل الصغيرة؟

اختارت حملة «الدرس القانوني الكبير» أن تشرح القانون من خلال أنشطة مألوفة، مثل تناول حبوب الإفطار أو الذهاب إلى المدرسة بالسيارة وقد تبدو هذه الأمثلة شديدة البساطة، لكنها تحمل تحولًا مهمًا في طريقة التعليم لأنّ الطالب لا يبدأ من تعريف أكاديمي للقانون، وإنما يبدأ من شيء يراه و يُلامسه كل يوم.

يمكن من علبة الطعام الوصول إلى سلامة المنتجات وحقوق المستهلك ومسؤولية الشركات، ومن الطريق إلى المدرسة يمكن الحديث عن المرور والسلامة والمسؤولية العامة، ومن استخدام الهاتف يمكن الانتقال إلى الخصوصية والابتزاز والتنمر والملكية الفكرية.

لا يعود القانون بهذا الأسلوب جدارًا من المصطلحات، وإنما يصبح عدسة يرى الطالب من خلالها العلاقات من حوله.

المعرفة التي تبدأ من الحياة تبقى أقرب إلى الذاكرة من المعرفة التي تبدأ من التعريف كما أنها تمنح الطالب فرصة لاكتشاف أن النظام ليس شيئًا مفروضًا عليه من الخارج، وإنما إطار يؤثر في طعامه وطريقه ومدرسته وهاتفه وعلاقاته.


الطفل الذي يعرف حقوقه لا يصبح أكثر تمرّدًا

تتردد أحيانًا مخاوف من أن تعريف الأطفال بحقوقهم قد يدفعهم إلى مجادلة المعلمين أو الآباء أو المؤسسات. ويقوم هذا التصور على فهم ناقص للثقافة القانونية، كأنها مجموعة أدوات تمنح الفرد القدرة على الاعتراض فقط.

لا يعلّم التعليم القانوني الجيد الإنسان كيف يطالب بحقوقه وحده، لكنه يعرّفه أيضًا بالمسؤوليات، وحدود الحرية، وحقوق الآخرين، وطرق الاعتراض المشروعة. والطفل الذي يفهم معنى العدالة لا يتعلم رفض كل قرار لا يعجبه، بحيث يتعلم أن يسأل عن سبب القرار، وأن يميّز بين الاختلاف والظلم، وأن يعرف أن وجود الحق لا يلغي الواجب.

كما أن فهم المؤسسات يقلل الخوف منها حيث أنّ الشرطة والقضاء والمحاماة والجهات التنظيمية قد تبدو للطفل أجهزة بعيدة و غامضة، وحين يفهم أدوارها وحدود صلاحياتها، تصبح علاقته بها أكثر وعيًا وأقل ارتباكًا.

 لا يحتاج المجتمع إلى أفراد يطيعون القواعد دون فهم، ولا إلى أفراد يرفضونها لمجرد الرفض بالأحرى يحتاج إلى مواطنين يفهمون لماذا وُضعت القاعدة، وكيف يمكن مساءلة من يطبقها، وما الطريق المشروع لتعديلها.


الوقاية القانونية أقل كلفة من علاج النزاعات

تنفق المؤسسات والأفراد مبالغ كبيرة لمعالجة المشكلات بعد وقوعها وتبدأ القصة بعقد غير واضح، أو شراكة لم توثَّق، أو مشاركة متسرعة للبيانات، أو قبول شرط لم يُقرأ، ثم تتحول لاحقًا إلى نزاع طويل.

في المقابل، تمنع معرفة بسيطة كثيرًا من هذه المشكلات.

الشاب الذي تعلّم أن يقرأ الالتزامات قبل التوقيع لن يتعامل مع العقد باعتباره صفحة إجرائية والموظف الذي يعرف أساسيات العلاقة المهنية سيكون أكثر قدرة على توثيق حقوقه والتزاماته والمستهلك الذي يفهم طرق الشكوى لن يبقى أسير الغضب أو التشهير. كذلك الطالب الذي يعرف خطورة مشاركة الصور والمعلومات قد يتوقف قبل أن يترك أثرًا رقميًا يصعب محوه.

هذه ليست وعودًا بأن التعليم القانوني يمنع كل النزاعات غير أنه يرفع جودة القرار قبل وقوعها، ويقلل المساحة التي يتحرك فيها الاستغلال والجهل وسوء الفهم. ومن هذا المنظور، تصبح الثقافة القانونية استثمارًا وقائيًا، شأنها شأن التوعية الصحية والسلامة المرورية ومهارات الحماية الرقمية.


من خدمة المتضرر إلى حماية من لم يتضرر بعد

تركز مبادرات قانونية غير ربحية كثيرة على تقديم الاستشارات والمساعدات لمن وقع في المشكلة بالفعل وهذه خدمات ضرورية، خاصة للفئات التي لا تستطيع تحمّل تكاليف التمثيل القانوني. ومع ذلك، يبقى المسار ناقصًا إذا لم يصاحبه عمل يسبق الضرر.

تقدم المنظمة التي تساعد مئة شخص على حل نزاعاتهم أثرًا مهمًا أما المنظمة التي تعلّم آلاف الأشخاص كيف يتجنبون أسباب النزاع، فهي تبني أثرًا من نوع آخر يصعب رؤيته؛ لأن نجاحه يظهر في المشكلات التي لم تقع.

وهنا يكمن تحدي العمل الوقائي عندما يرى الناس القضية التي حُلّت، ولا يرون العقد السيئ الذي لم يُوقَّع و يرون الضحية التي حصلت على المساعدة، ولا يرون الشاب الذي تجنب الابتزاز لأنه عرف كيف يحمي بياناته. لذلك تحتاج المنظمات إلى تطوير طرق جديدة لقياس أثر التوعية القانونية، مثل قياس تغير السلوك، وجودة القرارات، والقدرة على الوصول إلى المصادر الموثوقة، والثقة في طلب المساعدة عند الحاجة.


 لا ينبغي للمحامي أن يظهر في الفصل بوصفه رجل أزمات

أحد أكثر عناصر التجربة البريطانية أهمية هو إشراك المحامين وطلاب القانون في تقديم الدروس داخل المدارس، وعيد هذه المشاركة تعريف الدور الاجتماعي للمتخصص القانوني وبدل أن يظهر المحامي بعد انهيار العلاقة أو تصاعد النزاع، يدخل إلى الفصل قبل أن تتكون التصورات الخاطئة.

كما أنها تضع الخبرة المهنية في مكان أكثر قربًا من المجتمع بحيث يستطيع المحامي أن يشرح للطالب لماذا لا ينبغي مشاركة كلمة المرور، وكيف يختلف الوعد عن العقد، ولماذا لا تعني شهرة المعلومة أنها صحيحة، وما الفرق بين حرية التعبير والإضرار بالآخرين.

هذه الأسئلة لا تحتاج إلى محاضرة جامعية بل ربما إلى متخصص يعرف كيف يترجم المعرفة إلى موقف يومي وقد يكون هذا مجالًا واسعًا للتطوع المهني داخل الجمعيات والجامعات ومكاتب المحاماة لأنّ ساعة يقدمها متخصص داخل مدرسة تترك أثرًا يتجاوز كثيرًا بعض صور التطوع التقليدي التي لا تستفيد من خبرة المتطوع الأساسية.


ما الذي يمكن أن تفعله المنظمات غير الربحية؟

لا تحتاج المنظمة إلى انتظار تغيير رسمي في المناهج حتى تبدأ ولكن يمكنها تطوير وحدات تعليمية قصيرة ترتبط بحياة الفئات التي تخدمها، ربما تصمم جمعية أسرية محتوى عن العقود والالتزامات المالية وقد تقدم منظمة شبابية برنامجًا عن المسؤولية الرقمية والخصوصية ويمكن لجمعية مهنية أن تنقل خبرات أعضائها إلى المدارس والجامعات.

كما تستطيع جهة حقوقية بناء مواد تشرح طرق التظلم والشكوى والوصول إلى العدالة، والأهم هو ألا تبدأ المبادرة من النصوص القانونية، وإنما من المواقف التي يعيشها الجمهور.

ما الذي يحدث عندما يضغط الطفل على رابط مجهول؟ ماذا يعني أن توافق الأسرة على شروط خدمة لم تقرأها؟ كيف يتصرف الشاب عندما يُطلب منه توقيع مستند لا يفهمه؟ متى يصبح المزاح الإلكتروني إساءة؟ وكيف يطالب المستهلك بحقه دون أن يتحول الخلاف إلى تشهير؟

هذه الأسئلة تفتح الباب أمام تعليم قانوني حيّ، مرتبط بالقرار والسلوك، لا بالاختبار والحفظ.


لكل عمر قانونه الذي يحتاج إليه

لا يمكن تقديم الثقافة القانونية بالطريقة نفسها لجميع الفئات.

في السنوات الأولى، يمكن البدء بمفاهيم الإنصاف والقواعد والملكية والخصوصية. وفي مرحلة لاحقة، يمكن تناول المسؤولية الرقمية والتنمر والتمييز وحقوق المستهلك و أما طلاب المرحلة الثانوية، يحتاجون إلى معرفة أعمق بالعقود والعمل والالتزامات المالية والمشاركة المدنية.

التدرج هنا أساسي نظرا إلى أنّ الهدف ليس إثقال الطفل بتعقيدات القضاء، وإنما منحه معرفة تناسب المرحلة التي يعيشها والقرارات التي يوشك على مواجهتها.

وعندما يتكرر التعليم عبر السنوات، تتحول المفاهيم من معلومات عابرة إلى جزء من الشخصية. عندها قد يصبح السؤال القانوني حاضرًا تلقائيًا: هل أفهم ما أوافق عليه؟ هل يحق للطرف الآخر طلب هذه المعلومة؟ ما مسؤوليتي؟ وما الجهة التي يمكن الرجوع إليها؟


المجتمع القوي لا يقاس بعدد المحامين فقط

يقاس المجتمع القانوني عادة بجودة أنظمته واستقلال قضائه وكفاءة مؤسساته غير أن هناك مقياسًا آخر لا يقل أهمية: مقدار ما يفهمه الناس عن هذه المنظومة، وقد تكون القوانين متقدمة، ومع ذلك تبقى فائدتها محدودة إذا لم يعرفها الجمهور أو لم يستطع الوصول إليها أو شعر أنها لغة تخص المختصين وحدهم.

لا تحوّل الثقافة القانونية الجميع إلى محامين، كما أن الثقافة الصحية لا تحوّل الناس إلى أطباء لكنها تمنحهم الحد الأدنى من المعرفة الذي يساعدهم على حماية أنفسهم، وطلب المساعدة في الوقت المناسب، وعدم ترك القرارات المصيرية للحدس أو الشائعات.

وهذا هو جوهر المناعة القانونية: أن يعرف الإنسان متى يتوقف، ومتى يسأل، ومتى يوثق، ومتى لا يوقّع، ومتى يلجأ إلى المختص.

عندئذ لا يبدأ القانون في قاعة المحكمة ولكنه يبدأ في الفصل، وفي المنزل، وفي أول هاتف، وفي أول عملية شراء، وفي أول عقد عمل. ولكن قد يكون أعظم أثر للتعليم القانوني هو ذلك الأثر الذي لن يظهر في سجلات القضايا: نزاع لم يقع، وحق لم يُهدر، وقرار لم يُتخذ تحت الجهل، وإنسان عرف مبكرًا أن القانون ليس بابًا لا يفتحه إلا المتضررون، وإنما معرفة تساعده على ألا يصبح واحدًا منهم.

أُعدّ هذا المقال بالاستناد إلى البيان الصحفي المنشور عن حملة «الدرس القانوني الكبير» على موقع جمعية القانون في إنجلترا وويلز، مع إعادة الصياغة والتحليل بما يتوافق مع الخط التحريري للبنك الثالث، وجميع الحقوق محفوظة لأصحاب المصادر الأصلية والبنك الثالث في الصياغة العربية.


  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top