وحسب ما نشره موقع Groundswell.io، فإن برامج العطاء المؤسسي في أمريكا تشمل عدة نماذج، من بينها:
-
Corporate Matching Gifts: حيث تطابق الشركات تبرعات موظفيها بنسبة قد تصل إلى 4:1.
-
Volunteer Grants: تقدم فيها الشركات منحًا مالية بناءً على عدد ساعات تطوع موظفيها.
-
Corporate Grants: دعم مالي مباشر من الشركة إلى منظمات غير ربحية تخدم قضايا معينة.
هذه البرامج، بحسب Groundswell، لا تساهم فقط في دعم المنظمات غير الربحية، بل تعزز أيضًا من تفاعل الموظفين (Employee Engagement)، وتحسن سمعة العلامة التجارية (Brand Reputation)، وتساعد الشركات في تحقيق أهدافها الاجتماعية والاستراتيجية.
وبينما تخصص بعض الشركات الكبرى في أمريكا عشرات الملايين من الدولارات سنويًا لصالح هذه البرامج، فإن الواقع المحلي في السعودية لا يزال في مراحله الأولى، وتكاد الجمعيات لا تطرق هذا الباب كما ينبغي.
في هذا المقال، نستعرض مفهوم العطاء المؤسسي، ولماذا تهتم به الشركات، وكيف يمكن للجمعيات الأهلية في السعودية الاستفادة منه، بما يتناسب مع البيئة المحلية والفرص المتاحة.
أولًا: ما هو العطاء المؤسسي؟
بخلاف العمل الخيري الفردي، الذي يعتمد على مبادرات شخصية وتبرعات فردية غالبًا ما تكون عشوائية أو موسمية، فإن العطاء المؤسسي يتميز بـ:
-
طابعه المؤسسي المنظم.
-
ارتباطه بهوية وهوية وقيم الشركة.
-
إدراجه ضمن استراتيجيات الشركة طويلة المدى، كجزء من تعزيز السمعة أو تفاعل الموظفين أو حتى تحقيق أثر مجتمعي محسوب.
أنواع العطاء المؤسسي:
يمكن للعطاء المؤسسي أن يتخذ عدة أشكال، من أبرزها:
- التبرعات المالية المباشرة (Corporate Grants):تقدم الشركات مبالغ مالية لمنظمات غير ربحية تعمل في مجالات تتقاطع مع أولويات الشركة.
- مطابقة التبرعات (Matching Gifts):تتيح للموظف التبرع لمؤسسة خيرية، وتقوم الشركة بمطابقة المبلغ (مثلًا 1:1 أو أكثر)، مما يضاعف الأثر.
- منح التطوع (Volunteer Grants):إذا تطوع الموظف بعدد معين من الساعات، تقدم الشركة دعمًا ماليًا للجهة التي تطوع لصالحها بناءً على عدد تلك الساعات.
- الوقت المدفوع للتطوع (Volunteer Time Off - VTO):تخصص الشركة عددًا من الساعات المدفوعة في الشهر أو السنة يُسمح خلالها للموظف بالتطوع دون خصم من رصيده الوظيفي.
- رعاية حملات أو مشاريع محددة (Sponsorships):مثل رعاية مبادرة توعوية، أو تمويل جناح في معرض خيري، أو دعم حملة موسمية تتماشى مع رؤية الشركة.
- تقديم خدمات أو منتجات مجانية أو بسعر رمزي:مثال: شركة تقنية تقدم تراخيص مجانية لجمعية غير ربحية، أو شركة أغذية تتبرع بمنتجاتها لبرامج الإطعام.
ثانيًا: لماذا تهتم الشركات بالعطاء المؤسسي؟
1. تحسين السمعة وبناء صورة ذهنية إيجابية
مثال: مبادرات "أرامكو السعودية" في دعم التعليم والبيئة، ومشاركة "stc" في برامج تمكين الشباب والابتكار.
2. تحفيز الموظفين وتعزيز الانتماء المؤسسي
3. تحقيق المسؤولية الاجتماعية للشركة (CSR)
مثال: بنك البلاد يرعى برامج التوعية المالية، وشركات كبرى تتبنى مبادرات بيئية أو تعليمية بالشراكة مع جمعيات متخصصة.
4. الامتثال التنظيمي أو تحقيق مزايا ضريبية
العطاء المؤسسي إذًا ليس "تبرعًا عشوائيًا"، بل أداة استراتيجية تحقق للشركة مكاسب معنوية ومالية وتنظيمية في الوقت نفسه.
ثالثًا: ما الذي يمكن أن تقدمه الجمعيات؟
وفيما يلي ثلاثة أمور رئيسية يُمكن للجمعيات أن تميز نفسها بها:
1. مشاريع جاهزة للتنفيذ
2. القدرة على إشراك موظفي الشركات في العمل الميداني
-
توزيع سلال غذائية.
-
المشاركة في ورش تدريبية.
-
تقديم استشارات تطوعية.
-
دعم المناسبات المجتمعية.
كلما كانت الجمعية قادرة على إدارة المتطوعين بمرونة وتنظيم، زادت جاذبيتها للشركات الباحثة عن تجربة عطاء حقيقية لموظفيها.
3. توثيق الأثر وتقديم تقارير احترافية
الشركات، بطبيعتها المؤسسية، تحتاج إلى تقارير موثقة تُظهر أثر شراكتها:
-
عدد المستفيدين
-
صور وأرقام قبل وبعد
-
قصص واقعية
-
مؤشرات قياس واضحة
الجمعية التي تقدم هذا النوع من التوثيق تميز نفسها عن غيرها، وتجعل التعاون مع القطاع الخاص أكثر استدامة وتكرارًا.
العطاء المؤسسي ليس فقط فرصة تمويل، بل فرصة للجمعيات أن تثبت احترافيتها، وتفتح لنفسها أبوابًا جديدة من التأثير والتوسع.
رابعًا: كيف تبني الجمعية علاقة ناجحة مع الشركات؟
1. تجهيز "عرض شراكة" موجه للقطاع الخاص
-
فكرة المشروع باختصار شديد
-
أثره المتوقع على المستفيدين
-
كيف سيسهم دعم الشركة في تحقيق هذا الأثر
-
ما الذي ستجنيه الشركة من الشراكة (ظهور إعلامي، انخراط الموظفين، تحقيق أهداف CSR)
-
صيغة واضحة للدعم المطلوب (مبلغ مالي، منتجات، وقت موظفين، رعاية إعلامية...)
الاحترافية تبدأ من تصميم العرض نفسه؛ استخدام شعارات الشركاء المحتملين، وضوح التصميم، واختصار الوقت في القراءة.
2. مخاطبة الإدارات المختصة داخل الشركات
بدلاً من إرسال الخطاب إلى المدير العام وانتظار الرد، الأفضل أن تُوجَّه العروض مباشرة إلى:
-
إدارة التواصل المؤسسي
-
إدارة المسؤولية الاجتماعية
-
إدارة العلاقات العامة
-
أو حتى إدارة الموارد البشرية (عند وجود برامج تطوع للموظفين)
وفي حال عدم وجود قناة تواصل واضحة، يمكن للجمعية الاستعانة بشبكة علاقاتها، أو البحث عبر LinkedIn عن الشخص المناسب.
3. مراعاة "لغة الأعمال": نتائج، أرقام، أثر
الشركات لا تتجاوب مع العبارات العاطفية فقط، بل تحتاج إلى:
-
عرض يجيب على سؤال: ماذا سنجني من هذه الشراكة؟
-
لغة تركّز على الأثر والنتائج، وليس فقط الاحتياج
-
مؤشرات أداء يمكن قياسها، مثل عدد المستفيدين، مستوى التحسن، مدة الإنجاز، وغيرها
بعبارة أخرى: كُن مهنيًّا في طرحك، بقدر ما أنت مخلص في نيتك.
الجمعية التي تُحسن عرض نفسها، وتخاطب الشركة بلغة شريكة لا مستجدية، ستفاجأ بأن كثيرًا من أبواب العطاء المؤسسي كانت تنتظر فقط من يطرقها بشكل صحيح.
خامسًا: التحديات في بيئتنا السعودية
رغم الزخم المتزايد لمفاهيم المسؤولية الاجتماعية، والحديث المتكرر عن الشراكة بين القطاعين الربحي وغير الربحي، إلا أن العطاء المؤسسي لا يزال في مراحله الأولى داخل المملكة، ويواجه عدة تحديات تعيق انتشاره واستثماره بالشكل الأمثل.
1. ضعف وعي الجمعيات بمفهوم العطاء المؤسسي
2. فجوة في اللغة والتوقعات بين القطاعين
3. غياب دليل وطني مرجعي للعطاء المؤسسي (حتى الآن)
لكن رغم هذه التحديات، يظل العطاء المؤسسي فرصة واعدة قابلة للنمو بسرعة في المملكة، خصوصًا مع توجّه الدولة إلى تعزيز الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية ضمن رؤية 2030، وإشراك القطاع الخاص في صناعة الأثر المجتمعي.
الفرص لا تنتظر.. بل تُصنع
العطاء المؤسسي في السعودية لم يعد حكرًا على الشركات الكبرى ولا مقتصرًا على الحملات الموسمية، بل أصبح مسارًا استراتيجيًا يبنيه القطاع الربحي بخطى متسارعة، ويبحث فيه عن شركاء محترفين من القطاع غير الربحي.
ولأن الجمعيات الذكية هي التي تُحسن قراءة المشهد، وتتحرك قبل أن يُطلب منها، فإنها أمام فرصة حقيقية لإعادة تعريف علاقتها بالقطاع الخاص — لا كمستفيدة فقط، بل كمؤثرة وصانعة أثر.
فإن لم تطرق الجمعية باب العطاء المؤسسي باحتراف، فغيرها سيفعل
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
