لم يعد العطاء الخيري، في نظر الأجيال الجديدة، فعلًا مؤجلًا إلى لحظة الثراء أو الاستقرار المالي الكامل و هنالك جيل يتشكل اليوم داخل بيئة رقمية سريعة، حيث يرى أن المساهمة في الخير يمكن أن تبدأ من موقف صغير، أو مشاركة صادقة، أو ثقة في قصة إنسانية، أو رغبة في تحريك دائرة الأصدقاء حول قضية تستحق الانتباه.
تضعنا هذه الفكرة أمام تحول مهم في فهم المتبرع الشاب حيث أن بيانات أمريكية حديثة منشورة في موقع نون بروفت برو (NonProfit PRO)، استنادًا إلى بحث أعدته منصة غو فند مي (GoFundMe) بالتعاون مع غيفنغ تيوزداي داتا كومونز (GivingTuesday Data Commons)، تكشف أن الجيل زد يمارس العطاء بطرق أوسع مما تفترضه الصور التقليدية عن الشباب.
ومع أن هذه البيانات صادرة من بيئة أمريكية، فإن قيمتها بالنسبة للقطاع غير الربحي في السعودية تكمن في السؤال الذي تفتحه، لا في نقلها الحرفي إلى واقع مختلف: كيف يفكر الجيل الجديد في الخير؟ وكيف يمكن للمنظمات أن تقترب من طريقته في الثقة والمشاركة؟
وفقًا لهذه البيانات، أفاد أكثر من 70% من الجيل زد (Gen Z) بأنهم مارسوا شكلًا من أشكال العطاء خلال الأسبوع السابق للدراسة، مقارنة بنحو 65% من بقية البالغين. ويزداد هذا الرقم دلالة حين نتذكر أن هذه الفئة العمرية، بين 18 و29 عامًا، تضم كثيرًا من الطلاب، والموظفين الجدد، ومن هم في بدايات تكوين دخلهم واستقرارهم.
ومع ذلك، يظهر حضورهم في التبرع، والمناصرة، والتطوع، والدعم المباشر، والمشاركة الرقمية.
من هنا، لا يعود السؤال الأهم للمنظمات غير الربحية: هل يملك الشباب مالًا كافيًا للتبرع؟ السؤال الأعمق هو: هل صممت المنظمة تجربة عطاء تناسب طريقتهم في بناء الثقة، وفهم الأثر، واتخاذ قرار المشاركة؟
فهذا الجيل لا يصل غالبًا إلى العمل الخيري من المسار التقليدي وحده و لا يكفيه خطاب رسمي طويل، ولا حملة تبرع جامدة، ولا رسالة عامة تطلب منه الدفع قبل أن يشعر بقرب حقيقي من القضية.
هذا الجيل يتفاعل حين يرى حاجة واضحة، وقصة محترمة، وأثرًا مفهومًا، وشخصًا موثوقًا يفتح له باب المشاركة وقد يبدأ دعمه بإعادة نشر حملة، أو دعوة أصدقائه إليها، أو التبرع بمبلغ بسيط، أو التطوع، أو تحويل القضية إلى حديث داخل دائرته الاجتماعية.
وعند هذه النقطة، تصبح المشاركة الرقمية أكثر من تفصيل جانبي بل هي جزء من طريقة تفكير الجيل الجديد في الخير و حين يشارك الشاب حملة أو قضية، فهو لا يضيف تفاعلًا عابرًا فقط؛ هو يضع ثقته أمام الآخرين، ويفتح مسارًا جديدًا لانتقال الرسالة، وبذلك يتحول المتبرع الشاب أحيانًا إلى ناقل للثقة، ومضاعف للأثر، وسفير غير رسمي للقضية.
وتكشف الدراسة أن عطاء هذه الفئة يحمل طابعًا شخصيًا وعلاقاتيًا واضحًا، فهي أكثر حضورًا في المناصرة، والدعم المباشر للأفراد، والعطاء غير الرسمي، والتطوع. ويعني ذلك أن القرب الإنساني لم يعد عنصرًا تجميليًا في الحملات، وإنما أصبح عاملًا مؤثرًا في قرار المشاركة وقد تمر القضية البعيدة، العامة، والمجردة دون أثر كبير، أما حين تتحول إلى قصة محددة، وحاجة مفهومة، وأثر يمكن تخيله، فإن احتمالات التفاعل تتسع.
في السياق السعودي، ينبغي قراءة هذه النتائج بوعي، نظرا إلى أنها ليست وصفًا مباشرًا لسلوك الشباب في المملكة، ولا يجوز التعامل معها كحكم نهائي على كل البيئات غير أن الدرس الأهم حاضر بوضوح: الأجيال الجديدة ليست بعيدة عن الخير، لكنها قد لا تتجاوب مع اللغة القديمة التي اعتادت عليها بعض الحملات.
في هذا السياق، هناك شباب يعيشون داخل منصات رقمية، ويتأثرون بتجارب الأصدقاء، ويتفاعلون مع القصص القصيرة، ويتحركون حين يشعرون أن مساهمتهم الصغيرة قادرة على فتح باب لغيرهم.
هذا التحول لا يقلل من أهمية المؤسسة الخيرية أو التنموية. على العكس، يجعل المؤسسة أكثر احتياجًا إلى تطوير حضورها، والمنظمة التي تريد الوصول إلى المتبرع الشاب مطالبة بأن تقدم إطارًا موثوقًا، آمنًا، شفافًا، ومحترمًا للمستفيد والمتبرع معًا. وقبل أن تطلب منه التبرع، عليها أن تجيب عن أسئلة غير معلنة في ذهنه: لماذا هذه القضية؟ من يقف خلفها؟ أين يذهب الأثر؟ كيف يمكنني أن أشارك بسهولة؟ وهل أستطيع أن أكون جزءًا من القصة، لا مجرد رقم في كشف التبرعات؟
وتلفت البيانات إلى أن الثقة لدى الجيل زد تُبنى بدرجة كبيرة عبر الدوائر القريبة بسبب أنّ قرابة 60% من داعمي هذه الفئة يقولون إن العائلة أو الأشخاص المحيطين بهم يؤثرون في قرارات العطاء، مقارنة بنحو 45% لدى بقية البالغين.
في المعنى، تشرح هذه النتيجة سبب نجاح بعض الحملات الصغيرة في الانتشار أكثر من حملات مؤسسية واسعة، لأنّ الثقة لا تنتقل عبر الشعار وحده، وإنما عبر الإنسان الذي يحمل الرسالة ويجعلها قريبة من الآخرين.
لهذا السبب، تحتاج المنظمات غير الربحية إلى التفكير في هندسة المشاركة، لا في طلب التبرع فقط : كيف تجعل القصة قابلة للتداول دون ابتذال؟ كيف تمنح الشاب عبارة واضحة يستطيع نقلها؟ كيف تصمم تجربة تبرع سهلة وسريعة؟ كيف تحول المتابع إلى داعم، والداعم إلى مشارك، والمشارك إلى سفير للقضية؟ وكيف تحافظ، أثناء ذلك كله، على كرامة المستفيد وصدق الرسالة ونزاهة الأثر؟
وفي الاتجاه نفسه، لا ينبغي فهم العطاء الرقمي باعتباره بديلًا عن العطاء المؤسسي أو تهديدًا له وقد يكتشف الشاب الذي يبدأ بدعم حملة قريبة لاحقًا قضية أكبر، أو منظمة أكثر تخصصًا، أو برنامجًا مستدامًا يستحق دعمه.
من هنا ليست المسألة منافسة بين العمل المؤسسي والعمل المجتمعي، وإنما قدرة المنظمة على استقبال المشاركة العابرة وتحويلها إلى علاقة أعمق وأكثر استدامة.
هنا يظهر الفرق بين منظمة تنظر إلى الجيل زد باعتباره متبرعًا مستقبليًا، ومنظمة تفهم أنه مشارك حالي : الأولى تؤجل بناء العلاقة معه حتى يصبح أكثر دخلًا، أما الثانية فتدرك أن الولاء الخيري يبدأ مبكرًا، والشاب الذي يشارك اليوم بقصة، أو تطوع، أو تبرع بسيط، أو مناصرة رقمية، قد يصبح لاحقًا داعمًا مستمرًا، أو قائد مبادرة، أو صوتًا يصنع حول القضية مجتمعًا كاملًا.
ومن زاوية تنمية الموارد، تفرض هذه التحولات مراجعة عميقة للغة الحملات وأدواتها. باختصار، لم تعد الحملة الناجحة هي التي ترسل نداءً واحدًا إلى جمهور واسع ثم تنتظر الاستجابة لكن الحملة الأذكى في المقابل تترجم منح الناس أسبابًا للمشاركة، ومسارات سهلة للفعل، ومحتوى يمكن تداوله، وأثرًا يمكن فهمه، وعندها يصبح التبرع نتيجة طبيعية لتجربة موثوقة، لا استجابة عابرة لنداء متكرر.
بالاستناد إلى هذه التجربة الأمريكية، لا يصح لهذه المادة تحويلها إلى حكم شامل على كل شباب العالم، ولا إلى نتيجة نهائية عن سلوك الجيل زد في المملكة بل إنّ قيمتها الحقيقية تبرز في أنها تفتح نافذة على اتجاه متصاعد: العطاء يصبح أكثر اجتماعية، وأكثر رقمية، وأكثر اعتمادًا على الثقة القريبة، وأكثر قابلية للانتشار حين يُصمم بطريقة تفهم الجيل الجديد.
بالنسبة للقطاع غير الربحي في السعودية، تبدو الرسالة واضحة: الجيل الشاب لا يحتاج إلى خطاب يذكّره بأهمية الخير بقدر ما يحتاج إلى تجربة تجعله يشعر أنه جزء من هذا الخير: يحتاج إلى لغة قريبة، وقصص محترمة، وأثر واضح، ومنصات سهلة، وثقة تُبنى قبل طلب المال، كما يحتاج إلى أن يرى نفسه شريكًا في الحل، لا مجرد متبرع محتمل حين يتحسن دخله.
الجيل زد لا ينتظر أن يصبح غنيًا كي يعطي. هذه العبارة، على بساطتها، تختصر تحولًا مهمًا في علاقة الأجيال الجديدة بالعمل الخيري لأنّ العطاء عند هذا الجيل يبدأ من المعنى، وينمو بالثقة، ويتسع حين يتحول إلى تجربة إنسانية قابلة للمشاركة. ومن يفهم هذا التحول مبكرًا لن يكسب تبرعًا عابرًا فقط، وإنما سيبني علاقة طويلة مع جيل يتعلم الآن كيف يعطي، وكيف يناصر، وكيف يحول الخير من فعل فردي إلى حركة اجتماعية أوسع.
نُشرت المادة الأصلية في موقع NonProfit PRO، استنادًا إلى بيانات من GoFundMe وGivingTuesday Data Commons وهذه الصياغة مترجمة ومحررة بتصرف، مع توطين معرفي يناسب جمهور القطاع غير الربحي في المملكة، وحفظ الحقوق الأدبية للمصدر الأصلي.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
