من مكة إلى كوالالمبور: كيف تصوغ الاستدامة الوقفية مستقبل الحج؟

ع ع ع

 هلال بن حسين القرشي

رئيس تحرير البنك الثالث | موسوعة الإثراء المعرفي للقطاع غير الربحي


في ظهيرة يوم الثلاثاء 15 يوليو 2025م، حضرت لقاءً إثرائيًا نظّمته شركة "استثمار المستقبل" بعنوان: "الاستدامة الوقفية وصناديق الادخار"، وقدّمه الأستاذ عبدالعزيز بن جاسم بورحمه، الرئيس التنفيذي لشركة الركن الخامس العربية. لم يكن اللقاء مجرد عرض لتجربة سعودية واعدة في ربط الحج بالادخار، بل كان نافذة معرفية فتحت في ذهني سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لمكة أن تتعلم من كوالالمبور؟


ما الذي يجعل "تابونغ حاجي" الماليزي تجربة فريدة؟

منذ عام 1963، أصبح أداء الحج في ماليزيا تجربة تبدأ منذ المهد. العائلة الماليزية المسلمة غالبًا ما تفتح حسابًا ادخاريًا للمولود الجديد في مؤسسة غير ربوية تُدعى "تابونغ حاجي" (Tabung Haji). يُدفع شهريًا مبلغ زهيد لا يتجاوز بضعة دولارات، لكنه مع الوقت يتحول إلى تمويل كامل لرحلة الحج، بل ويُستثمر وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية ليعود بالنفع على المودعين والمجتمع.

اليوم، يخدم الصندوق أكثر من 8.7 مليون مودع، ويدير أصولًا تتجاوز 56 مليار دولار، ويحتكر خدمات الحج بالكامل: من الادخار، إلى الترتيب اللوجستي، إلى التدريب الشرعي العملي على مجسمات الكعبة ورمي الجمرات، إلى توفير سكن الحجاج وإعاشتهم في مكة والمدينة.

هذا النموذج ليس مجرد مؤسسة مالية، بل تعبير مؤسسي عن فقه التيسير، وتنزيل واقعي لمقاصد الشريعة في جعل أداء الفريضة متاحًا دون إثقال الكواهل.


تجربة "الركن الخامس": البداية من السؤال الصحيح

في اللقاء الذي حضرته بالرياض، سرد الأستاذ بورحمه التحدي الذي يواجه ملايين المسلمين: "تكاليف الحج في بعض الدول تضاعف دخل الفرد لثلاث سنوات، والدول ذات الأغلبية المسلمة ذات الدخل المحدود لا ترسل إلا نسبة ضئيلة من مواطنيها."

جاءت شركة الركن الخامس لتقترح حلولًا واقعية على الطريقة الآسيوية: ادخار شهري يبدأ من عمرٍ مبكر، قنوات توزيع متنوعة، فنادق اقتصادية، وخدمات متكاملة تشمل التأشيرات والسكن والطعام.

لكن الأهم: تبنّت الشركة تصورًا غير نمطي، يتمثل في تمويل حج الفقراء من عوائد الزكاة والصدقات عبر شراكة مع مؤسسات مانحة، إلى جانب مبادرة إنقاذ الحجاج الباكستانيين ضمن "ركن الشكر".


ماذا يمكن أن نتعلم من التجربة الماليزية؟

من زاوية مؤسسية، ما يميز النموذج الماليزي ثلاثية متكاملة:

  1. الإجبار الناعم: لا يمكن للماليزي المسلم أداء الحج إلا عبر "تابونغ حاجي"، مما يعني توحيد الخدمة، وتيسير الرقابة، وخفض التكاليف عبر اقتصاد الحجم الكبير.

  2. تحويل العبادة إلى دورة اقتصادية: أموال الحج لم تعد مجمدة في "حصالات البيوت"، بل أصبحت أداة استثمار في الزراعة والسياحة والبناء، بما يحقق عائدًا اجتماعيًا ودينيًا واقتصاديًا في آنٍ واحد.

  3. نموذج حكومي شعبي: "تابونغ حاجي" يتبع مكتب رئيس الوزراء مباشرة، لكنه يُحاسب برلمانيًا، ويعمل بروح القطاع الثالث. هذه "التركيبة الهجينة" نادرة في التجارب الإسلامية.


التحديات: هل نستطيع استنساخ التجربة؟

هنا بيت القصيد.

في اللقاء، شعرت بأن هناك فجوة بين النموذج التنظيري الذي تطرحه شركة الركن الخامس، وبين المنظومة الممكنة في السياق السعودي. فالمنظومة المالية في السعودية – رغم تطورها – لا تزال حذرة تجاه الجمع بين الوقف والاستثمار والادخار تحت مظلة واحدة.

كما أن غياب قانون موحد لصناديق الوقف والادخار، وصعوبة الدمج بين أهداف القطاع غير الربحي وبيئة الشركات، يعوق انطلاق مشروع بحجم "تابونغ حاجي".

والأهم: أن التمويل طويل الأجل في السعودية لا يزال محدودًا أمام مشاريع تتطلب الصبر البنيوي، كالاستثمار في العقارات الوقفية أو الصكوك السيادية الإسلامية.


مكة قادرة على الابتكار.. لا التكرار

لسنا بحاجة إلى نسخة سعودية من "تابونغ حاجي". بل نحن بحاجة إلى نسخة سعودية من الاحتياج الذي أفرزه الصندوق.

حين تتبنى المؤسسات الوقفية والمالية في المملكة فقه الاستباق بدلًا من فقه الاستجابة، فإن مكة لن تكون فقط مهبط الوحي، بل ستكون منصة اقتصادية ملهمة للعالم الإسلامي في إدارة المناسك، وتمويل الشعائر، وربط الإيمان بالتنمية.

تجربة "الركن الخامس" تبشّر بذلك. لكنها تحتاج إلى مظلة تنظيمية، وتحفيز مالي، وتحول ثقافي يجعل "الحج" رحلة تبدأ من المهد.. وتُدار بالعقل.


يمكنك مشاهدة اللقاء كامل على قناة استثمار المستقبل:

اللقاء كامل هنا.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top