انهيار التبرعات الصغيرة: هل أصبح القطاع غير الربحي في السعودية رهينة للمانحين الكبار؟

ع ع ع

هذا المقال مكتوب بالاستفادة الفكرية من مادة منشورة في Stanford Social Innovation Review، وقد أُعيدت صياغته وتحريره وتكييفه تحليليًا بما يناسب سياق القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية، مع حفظ الحق الأدبي للمصدر الأصلي.

في المشهد غير الربحي، قد تبدو الأرقام الكبرى مطمئنة للوهلة الأولى.

في الولايات المتحدة مثلًا بلغ إجمالي العطاء الخيري 592.5 مليار دولار في 2024، وهو رقم قياسي جديد، لكن هذه الوفرة أخفت تحوّلًا أكثر خطورة: عدد المتبرعين أنفسهم واصل التراجع للعام الخامس على التوالي، وانخفض 4.5% في عام واحد فقط، بعد مسار أطول أفقد العمل الخيري نحو 20 مليون أسرة مانحة منذ عام 2000 وهنا يظهر السؤال الأعمق: هل المشكلة فعلًا في حجم المال، أم في ضمور القاعدة الاجتماعية التي تمنح القطاع غير الربحي حياته الحقيقية؟

هذا السؤال لا يخص السياق الأمريكي وحده، بل يهم القطاع غير الربحي السعودي أيضًا، وإن اختلفت المرحلة. فالمملكة تمضي في توسيع مساهمة القطاع ضمن رؤية 2030، مع مستهدفات واضحة لرفع مساهمته في الناتج المحلي إلى 5%، وقد تجاوزت بالفعل مستهدف المليون متطوع مبكرًا.

غير أنّ هذا التقدم نفسه يجعل من الضروري ألا يُقاس النجاح فقط بحجم التمويل، بل كذلك بقدرة المنظمات على بناء قاعدة عطاء أوسع، لأن المؤسسة التي تنمو من أعلى فقط قد تبدو قوية في الظاهر بينما تبقى أكثر هشاشة في علاقتها بالمجتمع.

ومع هذا التقدم، يبرز احتمال لا ينبغي إغفاله، وهو أن تنشغل بعض الجهات بقياس نجاحها بحجم التمويل، بينما تتراجع ملاحظتها لمدى عمق علاقتها بالمجتمع. وقد يبدو هذا الفرق بسيطًا في الظاهر، لكنه في الحقيقة فارق بين منظمة تمتلك موارد، ومنظمة تمتلك حضورًا اجتماعيًا حيًا.


التبرع الصغير ليس رقمًا هامشيًا

تزداد خطورة المسألة عندما نعرف أن 3% فقط من المانحين باتوا يقدمون 78% من إجمالي التبرعات. فالمشكلة هنا ليست في نقص المال بقدر ما هي في تركزه وكلما انحسر العطاء في قلة قادرة، تراجعت معه قاعدة المشاركة المجتمعية التي تمنح العمل غير الربحي شرعيته الحيوية وتجعله أقرب إلى الناس لا إلى مموليه فقط.

من أكثر الأخطاء شيوعًا النظر إلى التبرعات الصغيرة باعتبارها مساهمات محدودة التأثير، والحقيقة أن قيمتها لا تُختزل في مقدارها المالي. فالتبرع الصغير يعني أن المنظمة استطاعت أن تدخل إلى وعي الناس، وأن تُقنع فردًا عاديًا بأن ما تقوم به يستحق أن يُدعم، وهو بهذا المعنى ليس مبلغًا فقط، بل علامة ثقة، وإشارة قبول، ودليلًا على أن القضية لم تنفصل عن المجتمع.


وحين تتسع قاعدة العطاء، لا تزداد الأموال فقط، بل تتوسع دائرة الانتماء أيضًا، فيصبح للمنظمة جمهور يعرفها، ويتحدث عنها، ويعود إليها، ويدافع عنها عند الحاجة، ويمنحها فرصة للبقاء حتى في الأوقات الصعبة. أما إذا تركز التمويل في عدد محدود من الداعمين الكبار، فقد تبدو المؤسسة قوية من الخارج، لكنها تكون أكثر عرضة للاهتزاز إذا تبدلت الأولويات، أو تغيرت السياسات، أو انقطع أحد الموارد الرئيسة.


ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم جمعت المنظمة هذا العام؟ بل أيضًا: من هم الذين يدعمونها، وهل تتسع دائرة المشاركين في حملها أم تضيق؟


حين يعلو التمويل وتضعف الصلة

التمويل الكبير ليس مشكلة في ذاته، بل هو في كثير من الأحيان ضرورة استراتيجية، خصوصًا في مراحل البناء، والتحول، والتوسع، وتمويل المشاريع النوعية. لكن الخلل يبدأ حين يتحول هذا النوع من التمويل إلى النموذج الوحيد الذي تعتمد عليه المؤسسة، أو إلى المعيار الوحيد الذي تقرأ به نجاحها.


إنّ الجهة التي تتكئ على ممول كبير واحد، أو على عدد محدود من الشركاء الكبار، قد تكسب استقرارًا سريعًا، لكنها قد تخسر شيئًا آخر على المدى الأبعد، مثل المرونة، وتنوع القرار، والقدرة على التجريب، والاستناد إلى المجتمع لا إلى علاقة تمويلية واحدة.


وإذا نظرنا إلى جوهر القطاع غير الربحي، وجدناه ليس مجرد قناة لتلقي الأموال، بل مساحة اجتماعية لاختبار الحلول، وبناء المبادرات، وتحريك الناس حول القضايا العامة. ومن ثم، إذا ضاقت القاعدة التي يتكئ عليها، فقد يضعف هذا الدور تدريجيًا، حتى لو استمرت الأرقام في الصعود.


لماذا تحتاج المنظمات إلى قاعدة عطاء أوسع؟

لأن الاستدامة الحقيقية لا تُبنى فقط على المنح، بل على العلاقة. والمتبرع الصغير، مهما بدا أثره المالي محدودًا في لحظة واحدة، يظل عنصرًا حاسمًا في تكوين هذه العلاقة، لأنه يعبّر عن قابلية المجتمع للتجاوب، وعن قدرة المنظمة على الوصول، وعن جودة خطابها، ووضوح أثرها، وسهولة تجربتها، ومقدار الثقة التي تبنيها.

الخطر إذن ليس أن تأتي التبرعات الكبيرة، فهي مهمة وضرورية، بل أن تأتي وحدها لأن القطاع الذي يفقد متبرعيه الصغار لا يفقد مبالغ محدودة فقط، بل يفقد شبكته الاجتماعية الأوسع.

وحين تصبح 20 مليون أسرة خارج دائرة العطاء كما حدث في التجربة الأمريكية، فإن السؤال لا يعود: كم دخل إلى القطاع؟ بل: من بقي داخله فعلًا؟

وفي البيئة السعودية، يكتسب هذا المعنى أهمية إضافية، فالمجتمع السعودي مجتمع معطاء بطبيعته، وتظهر فيه دوافع البذل في مواسم كثيرة، وفي الحالات الإنسانية، وفي المبادرات المجتمعية، وفي صور متعددة من التكافل. لكن التحدي ليس في وجود الرغبة في العطاء، بل في تحويل هذه الرغبة إلى ارتباط مستمر بالجهات غير الربحية.


وهنا يظهر الفرق بين من يجمع تبرعًا ومن يبني عادة عطاء، فالأولى قد تنجح بحملة مؤقتة أو ظرف موسمي، أما الثانية فتحتاج إلى وضوح، واستمرارية، وتجربة موثوقة، ورسالة مفهومة، وأثر يمكن للناس أن يروه أو يشعروا به.


التقنية لا تكفي وحدها

لقد قدّم التحول الرقمي للقطاع أدوات هائلة، من منصات تبرع أكثر سهولة، ووسائل دفع أسرع، ووصول أوسع، وشفافية أكبر، وقدرة أعلى على قياس الأداء، وهذه كلها مكاسب مهمة. ومع ذلك، فإن التقنية، مهما بلغت من النضج، لا تستطيع بمفردها أن تصنع ولاءً طويل الأمد.


قد يعمل الرابط، والحملة قد تصل، والتجربة قد تكون سهلة، لكن المتبرع لا يعود بالضرورة لمجرد أن العملية كانت مريحة، لأن العودة تحتاج إلى معنى لا إلى واجهة فقط، وتحتاج إلى شعور بأن هذه الجهة واضحة، وقريبة، وصادقة، وأن مساهمتي فيها لم تكن لحظة عابرة انتهت بانتهاء التحويل.


ولهذا فإن بعض المنظمات قد تقع في خطأ شائع، إذ تظن أن سهولة التبرع تعني تلقائيًا قوة العلاقة، بينما الواقع يقول إن التبرع الأول شيء، والاحتفاظ بالمتبرع شيء آخر تمامًا؛ فالأول قد تصنعه حملة جيدة، أما الثاني فيصنعه تراكم الثقة.


الثقة لا تُطلب بل تُبنى

في القطاع غير الربحي، لا يكفي أن تكون الجهة مرخّصة أو منظمة أو ملتزمة باللوائح، مع أن هذا أساس لا غنى عنه، بل إن ما يهم أيضًا هو كيف تتحول هذه الموثوقية النظامية إلى ثقة مفهومة للناس. فالمتبرع لا يقرأ دائمًا الأنظمة واللوائح، لكنه يقرأ إشاراتها في لغة الجهة، وطريقة عرضها للأثر، ووضوحها في التواصل، وقدرتها على الإجابة عن السؤال البسيط: لماذا أنت موجودة، وماذا تصنع فعلًا؟


والمجتمع لا ينفر من العطاء، لكنه لا يطمئن إلى الغموض، ولذلك كلما كانت الجهة أوضح في فكرتها، وأصدق في خطابها، وأقرب في عرض أثرها، ازدادت قدرتها على تحويل التعاطف إلى التزام، والاهتمام إلى مشاركة، والمساهمة العابرة إلى علاقة ممتدة.


ومن هنا يمكن فهم أن بناء قاعدة عطاء واسعة ليس مهمة تسويقية فقط، بل هو في جزء كبير منه عمل مؤسسي يتصل بالهوية، والحوكمة، والسرد، وتجربة المتبرع، وإدارة العلاقة، ووضوح الأثر.


الجيل الجديد لا يرفض العطاء بل يرفض الصيغة القديمة

التحولات التي نراها لدى الأجيال الجديدة لا ينبغي تفسيرها باعتبارها ضعفًا في الحس الاجتماعي أو فتورًا تجاه العمل الخيري، لأن ما يحدث في كثير من الأحيان هو أن صيغ الاستجابة نفسها تغيرت. فالشباب اليوم أكثر حساسية للصدق، وأسرع حكمًا على الرسائل العامة، وأقل تقبلًا للخطاب المبالغ فيه، وأكثر ميلًا إلى التفاعل مع القصص الواضحة، والتجارب المباشرة، والنتائج الملموسة.


إنهم لا يريدون أن يسمعوا أن الجهة “تخدم المجتمع” فقط، بل يريدون أن يفهموا من المستفيد، وكيف حدث الأثر، ولماذا هذه الأولوية، وما الفرق الذي يصنعه دعمي أنا بالذات.


وهذا يعني أن المنظمات التي تريد قاعدة عطاء أوسع لا تحتاج إلى رفع نداءاتها فقط، بل إلى مراجعة طريقتها في بناء التجربة كلها، فالمطلوب ليس أن يعود الناس إلى الأساليب القديمة في العطاء، بل أن تتقدم المؤسسات بصيغة أكثر وعيًا بلغتهم، وتوقعاتهم، وطريقتهم في الثقة والانخراط.


ما الذي تحتاجه المنظمات السعودية الآن؟

القطاع السعودي اليوم أمام فرصة كبيرة، لكن الفرص الكبرى تحتاج إلى وعي مماثل بحجمها، ولذلك فالمطلوب ليس التقليل من شأن التمويل الكبير، ولا التقليل من أهمية الشراكات الاستراتيجية، بل بناء توازن أذكى بين الاستقرار المالي والامتداد المجتمعي.


فالمنظمة التي تريد مستقبلًا أكثر رسوخًا تحتاج إلى أن تسأل نفسها: هل نملك فقط ممولين داعمين، أم نملك أيضًا مجتمعًا يعرفنا ويدعمنا ويعود إلينا؟ وهل بنينا آلية جذب عابرة، أم علاقة قابلة للتكرار؟ وهل نستطيع أن نظهر أثرنا بلغة يفهمها الناس، أم أننا نتحدث فقط إلى الممولين والمانحين الكبار؟


وهذه الأسئلة ليست جانبية، بل تمس صميم الاستدامة، لأن المؤسسة التي تتسع قاعدة داعميها تصبح أكثر حيوية، وأكثر مناعة، وأكثر قدرة على التطور. أما المؤسسة التي يتركز دعمها في عدد محدود من المصادر، فقد تنجز كثيرًا، لكنها تبقى أكثر هشاشة أمام التغير.


حين يصبح الاتساع ضمانة للأثر

قد تدخل إلى القطاع غير الربحي السعودي خلال السنوات المقبلة أموال أكبر، وبرامج أكثر، وممكنات أعظم، وقد تتوسع بيئته التنظيمية والتقنية والمؤسسية على نحو لافت، لكن ذلك كله لا يغني عن سؤال أساسي: هل يكبر القطاع من الداخل كما يكبر من الخارج؟

التمويل الكبير قد يصنع قفزة، لكنه لا يصنع وحده قاعدة اجتماعية، والمنحة قد تفتح مشروعًا، لكنها لا تبني تلقائيًا علاقة، أما العطاء الواسع، حتى لو جاء بمبالغ صغيرة، فهو الذي يمنح المؤسسة جذورها في المجتمع، ويجعلها أقرب إلى الناس، وأكثر قدرة على الصمود، وأوسع أثرًا في المدى الطويل.

ومن هنا لا يعود نجاح المنظمة مقترنًا فقط بما تجمعه، بل بمن تعرف كيف تحتفظ به حولها، أي بثقة الناس، وقربهم، واستعدادهم للعودة، وميلهم إلى أن يكونوا جزءًا من الحكاية لا مجرد ممولين عابرين. وبذلك يصبح الاتساع ليس رفاهية تنظيمية، بل أحد شروط الرسوخ، وكل مؤسسة تنجح في تحويل التأييد المجتمعي إلى علاقة مستمرة إنما تبني لنفسها مستقبلًا أكثر ثباتًا، وأثرًا أكثر عمقًا، ومكانة أكثر صدقًا في الوعي العام.

لأنّ المنظمة التي تدعمها قلة سخية قد تتقدم، لكن المنظمة التي يسندها مجتمع يعرفها، ويثق بها، ويشارك في حمل رسالتها، هي الأقدر على البقاء، والأوسع قدرة على صناعة أثر لا يتوقف عند دورة تمويل واحدة.


هذا المقال مستفاد فكريًا من مادة منشورة في Stanford Social Innovation Review، وقد أُعيدت صياغته وتحريره وتكييفه ليتناسب مع السياق السعودي، مع حفظ الحقوق الأدبية والفكرية للمصدر الأصلي.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top