قيادة الشباب تبدأ بسؤال في الصف

ع ع ع

يمكن أن تبدأ القيادة من لحظة تبدو عابرة داخل أحد الصفوف: يرفع طالب يده، ويطرح سؤالاً لم يكن موجوداً في خطة الدرس، ثم ينتظر ليرى كيف سيتعامل المعلم معه. قد يحصل على إجابة سريعة تعيده إلى مقعد المتلقي، وقد يجد أمامه مساحة تدعوه إلى التفكير والمناقشة والمشاركة في الوصول إلى الإجابة.

بين الاحتمالين يتشكل فارق أعمق من مجرد طريقة للتدريس: في الحالة الأولى يتعلم الطالب أن المعرفة تأتيه مكتملة من الآخرين، بينما يتعلم في الحالة الثانية أن صوته يمكن أن يفتح باباً جديداً للفهم، وأن السؤال الذي يطرحه قد يؤثر في مسار النقاش.

ومن هذه التجارب الصغيرة تبدأ علاقة الشباب بالقيادة قبل أن يصلوا إلى المجالس أو يتولوا المناصب.

جاء تقرير الشباب لعام 2026 بعنوان «القيادة مع الشباب» ليضع هذه الفكرة في قلب النقاش العالمي حول التعليم، وقد أعد فريق التقرير العالمي لرصد التعليم هذه الدراسة بالشراكة مع مكتب الأمم المتحدة للشباب، في محاولة لقياس مشاركة الشباب والطلاب في صناعة القرارات التعليمية على مستوى العالم، إلى جانب تقديم توصيات جرى تطويرها بمشاركة الشباب أنفسهم. ولا يكتفي التقرير بالسؤال عن وجود الشباب داخل المؤسسات التعليمية، وإنما ينتقل إلى سؤال أكثر حساسية: هل يشاركون فعلاً في تشكيل القرارات التي تؤثر في تعلمهم ومستقبلهم؟


تعليم يُصنع مع الشباب

ينطلق التقرير من حقيقة يصعب تجاوزها، وهي أن التعليم يتعلق بالشباب والطلاب في المقام الأول، لذلك لا يبدو منطقياً أن تظل السياسات والمناهج والبرامج التعليمية شأناً يصممه الكبار وحدهم، ثم يُطلب من الشباب التكيف مع نتائجه.

وعلى امتداد العقود الماضية، أصبح حضور الشباب أكثر وضوحاً في عدد من القضايا العالمية وقد شاركوا في الدفع نحو مزيد من المساءلة والعدالة الاجتماعية، وقادوا تحركات مرتبطة بالمناخ والسلام والأمن ومواجهة عدم المساواة. في المعنى، كذلك يمارسون أدواراً قيادية داخل المدارس والجامعات والمنظمات المدنية والحركات الطلابية، ويعملون على الدفاع عن تعليم أكثر جودة وإنصافاً وشمولاً.

من هذه الزاوية، لا تصبح مشاركة الشباب إضافة تجميلية إلى النظام التعليمي، وإنما مورداً يساعد على تطويره، والطالب الذي يعيش التجربة التعليمية يومياً يمتلك معرفة لا تتوافر دائماً لدى من يصمم السياسات من خارج الصف وهو يعرف أين تتعثر المناهج، ومتى يشعر الطلاب بالإقصاء، وكيف تؤثر القرارات الإدارية في التعلّم والرفاه والسلامة.

مع ذلك، تظهر المفارقة عندما تعترف المؤسسات بأهمية الشباب نظرياً، ثم تتردد في منحهم مساحة حقيقية عند اتخاذ القرار، و تسمح لهم بالتعبير عن آرائهم في استبانة أو لقاء، من دون أن توضح لهم ما الذي حدث بعد ذلك، أو كيف استُخدمت مقترحاتهم، أو لماذا جرى اعتماد بعضها واستبعاد بعضها الآخر.

ومن هنا يتحول الاستماع إلى نشاط منفصل عن صناعة القرار، ويغادر الشباب الحوار وهم يعرفون أنهم تحدثوا، لكنهم لا يعرفون إن كان لصوتهم أثر.


إحصاءات مشجعة : صورة غير مكتملة

تكشف نتائج التقرير عن تقدم واضح في اهتمام الحكومات بمشاركة الشباب. 

من بين 93 حكومة استجابت للدراسة، ذكرت حكومة من كل ثلاث تقريباً أنها تمتلك متطلبات رسمية لإشراك الشباب أو الطلاب، وأشارت مجموعة مماثلة إلى وجود بعض الآليات المخصصة لذلك، كما أفادت ثلاثة أرباع الدول بأنها استشارت الشباب بشأن تشريعات وسياسات تعليمية.

للوهلة الأولى، قد توحي هذه الأرقام بأن مشاركة الشباب أصبحت ممارسة مؤسسية واسعة الانتشار غير أن النظر إلى التجربة من جهة المنظمات الشبابية يقدم صورة أقل اكتمالاً.

من بين 101 منظمة شبابية وطلابية استجابت للدراسة، عبّرت معظم المنظمات عن رغبة قوية في التأثير في السياسات التعليمية وتمثيل أصوات الشباب. وفي الوقت نفسه، أشارت إلى محدودية صوتها وظهورها وقدرتها على التأثير، كما أوضحت أن دورها لا يستمر عادة خلال مراحل تصميم السياسات وتنفيذها ومتابعتها وتقييمها.

إذن، نستنتج أنّ المشكلة لا تكمن دائماً في غياب الشباب عن المشهد، وإنما في طبيعة الحضور المتاح لهم وقد تتم دعوتهم إلى البداية ثم يتراجع دورهم عندما تنتقل الفكرة إلى الميزانية أو التنفيذ أو قياس النتائج.

ويكشف ذلك عن فرق مهم بين المشاركة بوصفها مناسبة، والمشاركة بوصفها مسؤولية ممتدة وتنتهي المناسبة بانتهاء الاجتماع، وأما المسؤولية تعني أن يظل الشباب جزءاً من الرحلة منذ تعريف المشكلة حتى مراجعة أثر القرار.


الحضور والتأثير

يعرض التقرير مؤشرات إيجابية على تنامي اهتمام الحكومات بقضايا مشاركة الشباب. وتعمل دول عديدة على تطوير سياسات أكثر طموحاً من أجل إشراكهم في موضوعات مثل بناء المناهج، وتعزيز الشمول، ودعم الرفاه، والصحة النفسية، والسلامة المدرسية.

ومع اتساع هذه الجهود، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف الهدف منها وليس المطلوب أن يظهر الشباب في الصور المصاحبة للبرامج، أو أن يُطلب منهم تأييد قرارات اكتملت ملامحها مسبقاً. 

في هذه الصدد، تبدأ المشاركة المؤثرة عندما يستطيعون مناقشة المشكلة قبل اعتماد الحل، وعندما يمتلكون المعلومات اللازمة لتكوين رأي واعٍ، وعندما يكون أمامهم مسار واضح للوصول إلى من يملك القرار.

على هذا الأساس، تصبح العلاقة بين الأجيال عنصراً مركزياً في نجاح المشاركة لأنّ إشراك الشباب لا يعني إقصاء الخبرة المتراكمة لدى الكبار، كما أن احترام الخبرة لا يبرر حصر القيادة في جيل واحد غير أنّ النظام الأكثر قدرة على التعلم هو الذي يجمع بين خبرة من سبقوا، ومعرفة من يعيشون الواقع الجديد، وطموح من يتحملون نتائج القرارات مستقبلاً.

وعندما يقود الشباب إلى جانب صناع القرار الآخرين، يمكن بناء تعليم أكثر ارتباطاً باحتياجات المجتمع، وأكثر قدرة على اكتساب ثقة الطلاب، وأقرب إلى تحقيق الجودة والعدالة، لكن الوصول إلى هذه النتيجة يتطلب اقتناعاً مشتركاً من الحكومات والمؤسسات التعليمية والمنظمات المدنية والشباب أنفسهم بأن المشاركة ليست منحة مؤقتة، وإنما جزء من طريقة إدارة التعليم.


ماذا تحتاج المشاركة الجادة؟

تبدأ الخطوة الأولى بتحويل مشاركة الشباب من اجتهاد مرتبط بمبادرة أو مسؤول متحمس إلى آلية مؤسسية مستقرة، ويقترح التقرير إنشاء متطلبات واضحة في التشريعات واللوائح تضمن حضور الشباب والطلاب عند تطوير القوانين والسياسات التعليمية الجديدة. 

في المقابل، لا يضمن وجود النص التنظيمي وحده جودة المشاركة لكنه يمنع التعامل معها باعتبارها خياراً يمكن تجاوزه، كما أنه يساعد على تحديد المسؤوليات، ويمنح الشباب أساساً يمكنهم الرجوع إليه عندما لا تتاح لهم فرصة المشاركة. 

بعد ذلك تأتي جودة العملية نفسها، حيث تحتاج المشاركة الجادة إلى قنوات يسهل الوصول إليها، وتمثيل يعكس تنوع الشباب، ووقت كافٍ للاستعداد، وموارد تساعد المشاركين على فهم القضايا المطروحة. و في نفس النسق، ينبغي أن تكون الأدوار والأهداف واضحة، وأن يشعر الشباب بالأمان عند التعبير، وأن يعرفوا كيف أثرت آراؤهم في النتيجة النهائية. 

ومن دون هذه العناصر تتحول المشاركة إلى اختبار قدرة الشباب على التعامل مع إجراءات صُممت من دون مراعاة ظروفهم، وربما يُطلب منهم حضور اجتماعات طويلة، أو قراءة وثائق معقدة، أو مناقشة قضايا لم يحصلوا على معلومات كافية عنها، عندها تصبح الدعوة مفتوحة من الناحية الشكلية، بينما تظل المشاركة الفعلية محصورة في فئة قليلة تمتلك الوقت والخبرة والموارد.

أما الخطوة التالية، تتعلق باستمرار الدور بعد اعتماد القرار على غرار إشراك المنظمات الشبابية والطلابية في التنفيذ والمتابعة، وليس في مرحلة التصميم وحدها ويساعد هذا الامتداد على بناء الثقة، ويمنح الشباب إحساساً بالملكية المشتركة، كما يتيح للمؤسسات اكتشاف الفجوة بين ما خُطط له وما يحدث على أرض الواقع.

إلى جانب ذلك، تحتاج المشاركة إلى مهارات يجري بناؤها بصورة مقصودة، ولذلك يوصي التقرير بتخصيص مساحة كافية للمهارات المدنية داخل المناهج، مع توفير الموارد اللازمة لتطوير قدرات المنظمات الشبابية والطلابية.

لذلك، لا تكفي الرغبة في المشاركة عندما يفتقر الشاب إلى أدوات قراءة السياسات أو تحليل البيانات أو تقديم المقترحات أو التفاوض حول الأولويات.


ما أهمية ذلك للمنظمات غير الربحية؟

لا تقتصر هذه الأسئلة على المدارس والجامعات والوزارات، حتى المنظمات غير الربحية التي تعمل مع الشباب تواجه الاختبار نفسه عندما تصمم برامجها ومبادراتها.

قد تنفذ المنظمة استبانة لمعرفة احتياجات المستفيدين الشباب، ثم تنتقل مباشرة إلى بناء البرنامج من دون إشراكهم في تحليل النتائج، وقد تضم شاباً إلى لجنة استشارية لكن جدول الاجتماعات والموضوعات والقرارات يظل محدداً بالكامل من الكبار. 

وقد تستمع إلى آراء المشاركين بعد انتهاء المبادرة، من دون أن تمنحهم دوراً في مراجعة النموذج أو تحديد ما ينبغي تغييره : وتحقق هذه الممارسات قدراً من الاستماع، لكنها لا تنقل الشباب إلى موقع الشراكة. 

ولهذا ينبغي للمنظمات أن تسأل نفسها: في أي مرحلة يدخل الشباب إلى مسار القرار؟ وهل يحصلون على المعلومات نفسها التي يحصل عليها بقية المشاركين؟ وهل يمتلكون قدرة حقيقية على تعديل الأولويات؟ وهل يستمر دورهم حتى قياس الأثر؟

تختلف الإجابة باختلاف طبيعة المنظمة وبرامجها، لكن المبدأ يبقى واحداً إذ لا يكفي أن يكون الشباب موضوعاً للمبادرة، وإنما ينبغي أن يصبحوا طرفاً في تشكيلها.

ومن شأن هذا التحول أن يحسن جودة البرامج نفسها، حيث يستطيع الشباب كشف افتراضات لا تنتبه إليها فرق العمل، كما يمكنهم تقديم قراءة مختلفة للغة المستخدمة، والقنوات المناسبة، والعوائق التي تمنع الوصول، والمؤشرات التي تعبّر فعلاً عن التغيير في حياتهم.

وعوضاً عن تصميم مشروع كامل ثم عرضه عليهم، تستطيع المنظمة إشراك مجموعة منهم عند تعريف المشكلة، وبعد ذلك يمكنها دعوتهم إلى مراجعة الخيارات ثم تحديد أدوار واضحة لهم أثناء التنفيذ، وإعادتهم إلى طاولة النقاش عند تحليل النتائج. 

وبهذه الطريقة تنتقل المشاركة من لقاء واحد إلى سلسلة مترابطة من المسؤوليات.


القيادة قبل المنصب

شارك الشباب والمنظمات الطلابية في جميع مراحل إعداد التقرير، بداية من تطوير الاستبانات مروراً بإنتاج الرسوم والمواد التوعوية، وصولاً إلى مراجعة بعض المخرجات. كما تواصل فريق التقرير مع مئات المنظمات الشبابية والطلابية لبناء صورة عالمية عن واقع المشاركة في القرارات التعليمية.

وتمنح هذه الطريقة التقرير قدراً من الاتساق مع رسالته، و لا يدعو إلى بناء السياسات مع الشباب فقط، وإنما حاول أن يجعلهم جزءاً من العملية التي أنتجت المعرفة حول مشاركتهم.

في نهاية المطاف، لا تبدأ قيادة الشباب عندما يحصل أحدهم على لقب قيادي، ولا عندما يجلس للمرة الأولى حول طاولة مجلس لكنها تبدأ قبل ذلك بوقت طويل، في اللحظة التي يكتشف فيها أن صوته مأخوذ بجدية، وأن رأيه يمكن أن يغير اتجاهاً، وأن مشاركته لا تنتهي بمجرد انتهاء الحديث.

لهذا قد يكون السؤال الذي يطرحه طالب في الصف أكثر من محاولة لفهم الدرس كونه تدريب مبكر على التفكير المستقل، وعلى التعبير عن الرأي، وعلى الدخول في حوار مع الآخرين، وحين يجد هذا السؤال بيئة تستقبله باحترام، يدرك الطالب أن القيادة ليست امتيازاً ينتظره في المستقبل، وإنما ممارسة تبدأ الآن.

من هنا لا يكون التحدي الحقيقي هو كيف نمنح الشباب مساحة للكلام، وإنما كيف نبني مؤسسات تستطيع تحويل أصواتهم إلى معرفة، ومعرفتهم إلى مشاركة، ومشاركتهم إلى أثر.

المصدر: ترجمة وتحرير بتصرف عن مقال «It’s time to Lead with youth» المنشور في مدونة التعليم العالمية، استناداً إلى تقرير الشباب لعام 2026 الصادر عن فريق التقرير العالمي لرصد التعليم بالشراكة مع مكتب الأمم المتحدة للشباب.


  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top