ليست كل التحولات الكبرى في العمل الخيري تبدأ بخطة معلنة أو اسم مشهور ولكن يكفي أحيانًا أن تنتقل ثروة عائلية إلى مؤسسة مانحة جديدة، حتى يتغير ميزان التمويل بهدوء. ومن هنا تبرز أهمية تتبع المؤسسات التي تظهر فجأة بأصول تتجاوز نصف مليار دولار؛ فهي لا تكشف عن مانحين جدد فحسب، بل عن اتجاهات مبكرة في صناعة الأثر.
هناك موجة جديدة تتشكل بهدوء؛ مؤسسات مانحة وُلدت من ثروات عائلية، أو وصايا، أو انتقالات مالية ضخمة، لتجد نفسها فجأة ضمن دائرة كبار المانحين. وفي هذا السياق، سلط موقع Inside Philanthropy الضوء على ثلاث مؤسسات جديدة تجاوزت أصول كل واحدة منها حاجز نصف مليار دولار، ما يجعلها جديرة بالمتابعة في السنوات المقبلة.
ورغم أن هذه المؤسسات لا تزال محدودة الظهور العام، فإن حجم أصولها يمنحها قدرة تمويلية تتفوق على كثير من المؤسسات الخاصة في الولايات المتحدة، فالأمر لا يتعلق بمجرد أرقام كبيرة، ولكن بقدرة هذه الكيانات على التأثير في أولويات المنح، وتوجيه الموارد نحو مجالات تصبح أكثر حضورًا في المشهد الخيري الأمريكي.
يرتبط صعود هذه المؤسسات بسياق أوسع يعرف أحيانًا باسم انتقال الثروة الكبير، حيث تنتقل ثروات ضخمة من جيل إلى آخر، خصوصًا مع تقدم جيل طفرة المواليد في العمر. ونتيجة لذلك، تظهر كل عام أسماء جديدة في ملفات الضرائب والمنح، بعضها يبدأ العمل بهدوء، وبعضها يتحول سريعًا إلى لاعب مؤثر في قطاع العمل الخيري.
مؤسسة إليزابيث سي. ديلوكا: ثروة المطاعم في خدمة التعليم الصحي
ترتبط المؤسسة الأولى باسم Elisabeth C. Deluca Foundation، وهي مؤسسة أسستها أرملة فريد ديلوكا، أحد مؤسسي سلسلة مطاعم Subway. وتأتي أهمية هذه المؤسسة من الخلفية المالية الكبيرة للعائلة، إضافة إلى ارتباط اسم ديلوكا بعدد من المؤسسات الخيرية التي نشأت من ثروة السلسلة العالمية.
تأسست المؤسسة عام 2020، وارتفعت أصولها إلى نحو 644 مليون دولار بعد ضخ مالي كبير في عام 2024. وعلى الرغم من أن مقرها في ولاية فلوريدا، فإن جانبًا معتبرًا من منحها اتجه إلى ولاية كونيتيكت، مع وجود منح أخرى وصلت إلى ولايات متعددة مثل إنديانا وميسيسيبي وتكساس.
ويظهر من نمط المنح أن المؤسسة تميل إلى دعم التعليم الصحي، وبخاصة التمريض.
في هذا الصدد، حصلت جامعة كونيتيكت على منح كبيرة لدعم المنح الدراسية والبحثية وكلية التمريض، كما شملت منح المؤسسة جهات تعمل في تدريب الكوادر الصحية وتطوير المسارات المهنية في المجال الصحي.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن التمريض، رغم دوره الجوهري في أنظمة الرعاية الصحية، لا يحظى دائمًا بالاهتمام التمويلي الذي يتناسب مع أثره. لذلك قد تمثل هذه المؤسسة نموذجًا لمانح جديد يختار مجالًا عمليًا وحيويًا بدل الاتجاه إلى مجالات أكثر شهرة أو حضورًا إعلاميًا.
وهذا يذكّر، في السياق السعودي، بنموذج جامعة سليمان الراجحي بوصفها أحد المشروعات التنموية غير الربحية المرتبطة بأوقاف سليمان الراجحي.
فالمعنى هنا لا يتعلق بتشابه الأرقام أو البنية القانونية، بل بالفكرة الأعمق: حين لا يكتفي المال الخيري بتقديم دعم عابر، بل يدخل في بناء كفاءات صحية وتعليمية طويلة الأمد. وليس التمريض، والطب، والعلوم التطبيقية مجالات خدمة فقط، لكنها بنية تحتية بشرية لأي نظام صحي مستدام.
مؤسسة بافن باي: مانح جديد من عالم أرشفة الإنترنت
المؤسسة الثانية هي Puffin Bay Foundation، ويقودها Brewster Kahle، المعروف بتأسيسه Internet Archive، وهي مبادرة غير ربحية تهدف إلى حفظ وأرشفة الإنترنت كما كان كاهل من مؤسسي شركة Alexa Internet التي بيعت لاحقًا لشركة أمازون.
ما يلفت النظر في هذه المؤسسة هو سرعة صعودها على الرغم من أنها في بداية عام 2024 لم تكن المؤسسة موجودة عمليًا، لكنها أنهت العام نفسه بأصول بلغت نحو 679 مليون دولار، ولم تنتظر طويلًا قبل بدء الصرف، إذ قدمت في عامها الأول منحًا تقارب 90 مليون دولار، وهو معدل صرف مرتفع مقارنة بمؤسسات كثيرة تفضل التريث بعد تلقي أصول كبيرة.
لكن الجانب الإشكالي هنا يتعلق بالشفافية. فالمبلغ الكامل الذي صرفته المؤسسة في عامها الأول ذهب إلى صندوق مانحين موجهين لدى Morgan Stanley Global Impact Funding Trust وهذا النوع من الصناديق يجعل تتبع المستفيدين النهائيين أكثر صعوبة، لأن المنح الخارجة منه لا تظهر دائمًا بصورة تفصيلية تربط كل مانح بوجهة الدعم النهائية.
ومن هنا تأتي المفارقة: مؤسس المؤسسة ارتبط اسمه بمشروع يمنح الجمهور قدرة أوسع على تتبع تاريخ الإنترنت، بينما تبدو المؤسسة الجديدة، حتى الآن، أقل وضوحًا في بيان وجهات منحها، لذلك ستكون السنوات المقبلة كاشفة لما إذا كانت المؤسسة تتبنى مستوى أعلى من الشفافية يتناسب مع خلفية مؤسسها.
وفي السياق السعودي، يمكن تقريب هذا المعنى من خلال دارة الملك عبدالعزيز، لا باعتبارها مؤسسة مانحة خاصة، ولكن باعتبارها نموذجًا مؤسسيًا لحفظ الذاكرة الوطنية وجمع الوثائق و المصادر وإتاحتها.
الفكرة المشتركة هنا هي أن الأثر لا يكون دائمًا في بناء مدرسة أو تمويل جمعية؛ أحيانًا يكون الأثر في حفظ الذاكرة، وتنظيم المعرفة، وجعلها قابلة للوصول والبحث والاستفادة.
مؤسسة جورج وبيفرلي رولينغز: ثروة التأمين تتحول إلى وقف عائلي
أما المؤسسة الثالثة فهي George and Beverly Rawlings Endowment Foundation وهي مؤسسة تأسست قانونيًا منذ عام 2019، لكنها لم تكن تملك أصولًا كبيرة قبل عام 2024.
في ذلك العام تلقت المؤسسة نحو 530 مليون دولار من صندوق مرتبط باسم مؤسسها جورج روبرت رولينغز، الذي توفي في العام السابق.
وترتبط ثروة رولينغز بشركة The Rawlings Company، وهي شركة متخصصة في خفض تكاليف المطالبات الطبية لمقدمي خدمات التأمين. ويشير المقال إلى أن بيع الشركة في عام 2024 كان على الأرجح من العوامل التي ساهمت في تضخم أصول المؤسسة بهذا الحجم.
ورغم ضخامة الأصول الجديدة، لم تقدم المؤسسة في العام نفسه إلا عددًا محدودًا من المنح. إحدى هذه المنح ذهبت إلى ملجأ للحيوانات يوفر الرعاية والإيواء لحيوانات المزارع التي لم تتلق العناية المناسبة، ما قد يشير إلى احتمال اهتمام المؤسسة مستقبلًا بمجال رعاية الحيوانات.
أما الجزء الأكبر من الصرف فذهب إلى The Rawlings Foundation، وهي مؤسسة مسيحية عائلية قائمة أسسها والد جورج رولينغز وهذا يفتح احتمالين: إما أن المؤسسة الجديدة قد تعمل كقناة تمرير أموال إلى مؤسسة عائلية قائمة، أو أن مجلس إدارتها اختار في السنة الأولى دعم جهة مألوفة قبل توسيع نطاق المنح لاحقًا.
هذا النمط معروف في التجربة السعودية من خلال الأوقاف العائلية، ومن أمثلته أوقاف محمد بن عبدالعزيز الراجحي الخيرية.
وجه المقارنة هنا ليس في المجال الديني أو الاجتماعي وحده، ولكن في بنية الفكرة: رجل أعمال يبني ثروة، ثم تتحول هذه الثروة إلى كيان خيري يستمر بعده، ويحتاج إلى حوكمة، ومجالات إنفاق واضحة، وآلية تمنع أن يبقى الأثر محصورًا في دائرة ضيقة.
لماذا يهم هذا الموضوع القطاع غير الربحي؟
تكشف هذه الأمثلة الثلاثة أن الثروة الخيرية الجديدة لا تظهر دائمًا في صورة مؤسسات ذات حضور إعلامي واضح أو استراتيجيات معلنة منذ البداية: أحيانًا يبدأ المانح الكبير بهدوء، وربما تتأخر رؤيته التمويلية عن حجم أصوله، وربما تمر أمواله عبر أدوات مالية لا تمنح الجمهور صورة كاملة عن المستفيدين النهائيين.
كما يوضح المقال أن المؤسسات المانحة الجديدة ليست متشابهة حيث لا بدّ من وجود مؤسسة تتجه بوضوح نحو التعليم الصحي والتمريض، وأخرى تمتلك قدرة صرف كبيرة لكنها لا تزال غامضة الوجهة بسبب استخدام صندوق مانحين موجهين، وثالثة قد تتحول إلى ذراع تمويلية لمؤسسة عائلية قائمة أو تفتح لاحقًا مسارات أوسع للمنح.
بالنسبة للقطاع غير الربحي، فإن متابعة مثل هذه المؤسسات ليست رفاهية معرفية وفهم مصادر الثروة، وطريقة تشكل المؤسسات المانحة، ومستوى شفافيتها، ومجالات اهتمامها الأولى، يساعد المنظمات على قراءة اتجاهات التمويل قبل أن تتحول إلى أنماط ثابتة.
وفي النهاية، لا تكمن أهمية هذه المؤسسات في تجاوز أصولها نصف مليار دولار فقط، بل في السؤال الأعمق: كيف ستترجم هذه الثروات الجديدة نفسها إلى أثر اجتماعي؟ وهل ستتحول إلى منح واضحة ومباشرة، أم تبقى داخل هياكل مالية يصعب تتبع أثرها؟
المصدر: ترجمة تحريرية بتصرف عن مقال منشور في Inside Philanthropy بعنوان:
Meet 3 New $500-Million-Plus Grantmakers
للكاتب Michael Kavate، منشور بتاريخ 12 مارس 2026.
هذه الصياغة غير حصرية، وأُعدت بما يلائم جمهور البنك الثالث مع حفظ الحقوق الأدبية للمصدر الأصلي.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
