من اللوائح إلى الممارسة: فهم نظام العمل وتطبيقاته في القطاع غير الربحي

ع ع ع

بصفتي مستشارًا قانونيًا متخصصًا في القطاع غير الربحي وخبيرًا في نظام العمل السعودي، أقدم لكم هذا الدليل الشامل الذي يسلط الضوء على الضوابط والأحكام النظامية التي تحكم علاقات العمل داخل الجمعيات الأهلية. إن فهم هذه القواعد ليس مجرد التزام قانوني، بل هو أساس لبناء بيئة عمل مستقرة ومنتجة تخدم الأهداف النبيلة للجمعية وتحفظ حقوق جميع أطرافها.


أولاً: الأساس القانوني لعلاقة العمل في الجمعيات الأهلية

قد يعتقد البعض أن الطبيعة غير الربحية للجمعيات الأهلية تمنحها استثناءً من تطبيق بعض الأنظمة، ولكن هذا اعتقاد خاطئ. فالأصل أن الجمعيات الأهلية، ككيانات قائمة ومنظمة، تخضع لأحكام نظام العمل السعودي عند إبرامها عقود عمل لتسيير شؤونها. فقد نصت المادة الخامسة من نظام العمل على سريان أحكام النظام على "عمال المؤسسات الخيرية"، والجمعيات الأهلية تندرج تحت هذا الوصف.

لذلك، يجب على كل جمعية أهلية، بصفتها صاحب عمل، أن تلتزم بكافة الأحكام الواردة في نظام العمل ولائحته التنفيذية والقرارات الوزارية المكملة له عند تنظيم علاقاتها مع موظفيها.


ثانياً: إبرام عقد العمل: الشكل والمضمون

العقد هو حجر الزاوية في أي علاقة عمل، فهو الوثيقة التي تحدد حقوق والتزامات الطرفين. وقد أولى المنظم السعودي أهمية كبرى لشكل ومضمون هذا العقد.

1. شكل العقد:

يجب أن يكون عقد العمل مكتوبًا ومحررًا باللغة العربية من نسختين، يحتفظ كل طرف بنسخة منها. ووفقًا لـ مادة (13) من لائحة تنظيم العمل لبرامج التشغيل الذاتي، التي يمكن الاستئناس بأحكامها، فإنه يجوز استخدام لغة أخرى بجانب اللغة العربية، على أن يكون النص العربي هو المعتمد دومًا عند الاختلاف.

2. النماذج الموحدة:

أصدرت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ملحق رقم (5) الخاص بالنماذج الموحدة لعقود العمل، والتي توفر إطارًا ممتازًا للجمعيات لصياغة عقودها بما يتوافق مع النظام. يُنصح بشدة باستخدام هذه النماذج كنقطة انطلاق لضمان تغطية كافة البنود الإلزامية.

3. البيانات الأساسية في العقد:

يجب أن يشتمل العقد بحد أدنى على البيانات الجوهرية التالية:

• بيانات الطرفين: اسم الجمعية وبياناتها الرسمية، واسم الموظف وجنسيته وبياناته الشخصية وعنوانه.

• طبيعة العمل: المسمى الوظيفي والمهام الأساسية.

• مكان العمل.

• الأجر: تحديد الأجر الأساسي، وجميع البدلات والمزايا الأخرى المتفق عليها.

• مدة العقد: يجب أن يكون عقد عمل غير السعودي محدد المدة. أما عقد السعودي، فيمكن أن يكون محدد المدة أو غير محدد المدة، مع مراعاة أنه إذا كان العقد محدد المدة واستمر الطرفان في تنفيذه بعد انتهاء مدته، فإنه يتحول إلى عقد غير محدد المدة.

. فترة التجربة: إذا تم الاتفاق عليها، على ألا تزيد عن 90 يومًا، ويمكن تمديدها باتفاق كتابي إلى 180 يومًا.

• تاريخ مباشرة العمل.


 ثالثاً: التزامات الجمعية الأهلية (صاحب العمل)

يترتب على الجمعية مجموعة من الالتزامات الجوهرية التي لا يمكن التهاون بها، وقد أشارت إليها النماذج الموحدة للعقود:

• الأجور: دفع أجر الموظف في مواعيده المحددة.

• التسجيل في التأمينات الاجتماعية: التزام الجمعية بتسجيل جميع موظفيها في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية وسداد حصة الاشتراك المقررة عليها نظامًا.

• التأمين الطبي: توفير الرعاية الطبية للموظف وأفراد أسرته المشمولين بالنظام من خلال التأمين الصحي التعاوني.

• ساعات العمل والراحة: الالتزام بالحد الأقصى لساعات العمل، ومنح فترات الراحة اليومية والراحة الأسبوعية (يوم واحد مدفوع الأجر كحد أدنى).

• الإجازات: تمكين الموظف من الحصول على إجازاته النظامية، وعلى رأسها الإجازة السنوية التي لا تقل عن 21 يومًا، وتزيد إلى 30 يومًا بعد خدمة خمس سنوات متصلة.

• رسوم الموظف غير السعودي: تتحمل الجمعية رسوم الاستقدام، ورسوم الإقامة ورخصة العمل وتجديدهما، ورسوم نقل الخدمات، وتذكرة عودة الموظف إلى بلده بعد انتهاء العقد.

• مكافأة نهاية الخدمة: وهي حق للموظف عند انتهاء علاقة العمل، وتحسب على أساس أجر نصف شهر عن كل سنة من السنوات الخمس الأولى، وأجر شهر كامل عن كل سنة تالية.


رابعاً: دور الحوكمة في تنظيم شؤون الموظفين

لا تنفصل إدارة الموارد البشرية في الجمعيات عن قواعد الحوكمة التي يفرضها نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية واللوائح الصادرة عن المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي. ويجب التمييز هنا بين أدوار الجهات المختلفة داخل الجمعية لضمان الامتثال الكامل:

• دور مجلس الإدارة (الدور الإشرافي والاعتمادي):

استنادًا إلى المادة الحادية والثلاثين من اللائحة التنفيذية لنظام الجمعيات، يختص مجلس الإدارة بالآتي:

- اعتماد الهياكل التنظيمية والوظيفية في الجمعية.

- تعيين مسؤول تنفيذي ومدير مالي متفرغين، وتعيين الموظفين القياديين.

- اعتماد السياسات والإجراءات التي تضمن التزام الجمعية بالأنظمة واللوائح، بما في ذلك سياسات الموارد البشرية.

• دور الجهاز التنفيذي (الدور التنفيذي والاقتراحي):

وفقًا لـ المادة الثامنة والثلاثين من قواعد حوكمة الجمعيات والمؤسسات الأهلية، يختص الجهاز التنفيذي بالآتي:

- اقتراح الهياكل التنظيمية والوظيفية ورفعها للمجلس لاعتمادها.

- تنفيذ السياسات واللوائح والأنظمة الداخلية المقرة من مجلس الإدارة.

- تنفيذ أنظمة الرقابة الداخلية وإدارة العمل اليومي للجمعية.


لذا، فإن وجود لائحة تنظيم عمل داخلية معتمدة من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية يعد أمرًا ضروريًا لتنظيم بيئة العمل وتوضيح الحقوق والواجبات بشكل مفصل، بما يتوافق مع التوجهات الاستراتيجية التي يقرها مجلس الإدارة وينفذها الجهاز التنفيذي.


وتذكر دائماً:

إن التزام الجمعية الأهلية بضوابط نظام العمل ليس مجرد واجب قانوني، بل هو استثمار في رأس مالها البشري الذي يعد المحرك الأساسي لتحقيق رسالتها. إن صياغة عقود عمل واضحة وعادلة، والالتزام بحقوق الموظفين، يضمن بيئة عمل صحية، ويعزز من سمعة الجمعية ومصداقيتها أمام كافة أصحاب المصلحة، ويساهم في استقطاب أفضل الكفاءات والاحتفاظ بها.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top