التعامل مع تحديات القوى العاملة في القطاع غير الربحي: توجهات وحلول

ع ع ع

في ظل مشهد متغير يشهد تصاعدًا في التحديات، يواجه القطاع غير الربحي في عام 2025 وما بعدها أزمة عميقة في القوى العاملة تهدد فاعلية المؤسسات وقدرتها على تحقيق رسالتها المجتمعية.

تشير البيانات الحديثة إلى أن 22% من موظفي القطاع غير الربحي يكسبون دخولًا أقل من حد الفقر المحدد بـ ALICE، بينما يعاني 34% من العاملين من ذوي الأصول الإفريقية و35% من ذوي الأصول اللاتينية من صعوبات مالية.

رغم أن النساء يشكلن ثلثي القوى العاملة:

إلا أن أجورهن لا تزال أقل بكثير من أجور الرجال، كما تعاني المنظمات أيضًا من معدلات دوران مرتفعة، إذ تواجه واحدة من كل ثلاث منها صعوبات في الاحتفاظ بالموظفين، و59% وجدت صعوبة متزايدة في شغل الوظائف خلال 2024، مع اعتراف 55% بعدم قدرتها على تقديم رواتب تنافسية.

تتصاعد الأزمات الصحية النفسية، حيث لا يتوفر خدمات الصحة النفسية لنحو 122 مليون أمريكي في المناطق الريفية، ويعاني 27 مليونًا من اضطرابات نفسية دون تلقي العلاج. كما أن 70% من مقاطعات الولايات المتحدة تفتقر إلى أطباء نفسيين للأطفال، ولا يحصل سوى 20% من الأطفال المصابين على الرعاية المتخصصة التي يحتاجونها.

وفي الوقت نفسه، عبّر 95% من الرؤساء التنفيذيين في القطاع غير الربحي عن قلقهم من ارتفاع معدلات الإرهاق الوظيفي، مع زيادة أكثر من نصفهم في شعورهم بالإرهاق مقارنة بالسنوات السابقة، بينما سجّل جيل الألفية وجيل زد نسبًا مرتفعة من مشكلات الصحة النفسية في العمل بلغت 59% و71% على التوالي.

تُظهر هذه الأرقام بوضوح حجم التحديات التي تواجه القوى العاملة في القطاع غير الربحي، وتؤكد الحاجة الماسة إلى تبني استراتيجيات مرنة ومستدامة لتعزيز رفاهية الموظفين وبناء بيئات عمل صحية، قادرة على مواجهة المتغيرات وتعزيز الأثر المجتمعي.

في هذا المقال، نستعرض أبرز الاتجاهات والتحديات التي تواجه القطاع، إلى جانب الحلول العملية والمبادرات العالمية مثل Social Current، لنرسم معًا مسارًا جديدًا لقوى عاملة متجددة وقادرة على الإبداع والتميز.


يواجه القطاع غير الربحي منعطفًا حرجًا، إذ يكافح مع تحديات مستمرة في القوى العاملة تؤثر على فاعلية المنظمات ورفاه الموظفين على حد سواء. بدءًا من تدني الأجور وتزايد المصاعب المالية التي يعاني منها العديد من العاملين في المنظمات غير الربحية، وصولًا إلى الصعوبة المتزايدة في شغل المناصب القيادية الرئيسة، تواجه هذه المنظمات مجموعة من العقبات التي تُهدد قدرتها على دعم مجتمعاتها.

في ظل مواجهة القطاع لأزمات متصاعدة ونقص في القوى العاملة، تبرز حاجة ملحة إلى حلول مبتكرة تعالج هذه التحديات، مع تعزيز قوة عاملة مرنة ومدعومة بشكل جيد.

يتناول هذا المقال التوجهات الحالية في القوى العاملة ضمن القطاع غير الربحي، مسلطًا الضوء على التحديات الرئيسة، ومقدمًا رؤى حول الاستراتيجيات الممكنة للتعامل مع هذه التعقيدات خلال عام 2025 وما بعده.


تواجه المنظمات غير الربحية صعوبة في دفع أجور تنافسية، ويعاني العديد من العاملين في القطاع الاجتماعي من مصاعب مالية:

وفقًا لأحدث تقرير ALICE الصادر عن منظمة Independent Sector، فإن 22٪ من موظفي المنظمات غير الربحية يكسبون دخولًا تقل عن عتبة ALICE (محدودي الأصول، مقيدو الدخل)، ويواجهون صعوبات مالية.
وتنعكس التفاوتات القائمة في سوق العمل العام داخل القطاع غير الربحي أيضًا: إذ يواجه 34٪ من الموظفين السود، و35٪ من الموظفين ذوي الأصول اللاتينية في المنظمات غير الربحية مصاعب مالية.
أما النساء، وعلى الرغم من أنهن يشكلن ثلثي القوى العاملة في هذا القطاع، فإنهن يتقاضين أجورًا أقل بكثير من الرجال العاملين في نفس المجال.

يجب أن نواصل الدعوة إلى نماذج تمويل في القطاع غير الربحي تُغطي التكاليف الحقيقية للتشغيل، بما في ذلك الأجور التنافسية والمناسبة للعيش لجميع العاملين في هذا القطاع.
وتتولى منظمة Social Current قيادة جهود التأثير الاجتماعي المستوحاة من فيلم UnCharitable.
وتهدف هذه المبادرة إلى معالجة مشكلة نقص التمويل المزمن في القطاع الاجتماعي، وضمان توفير الموارد الكافية لتلبية احتياجات مجتمعاتنا، مع تحفيز الابتكار والنمو في هذا القطاع الحيوي.

لا تزال حالات النقص في القوى العاملة تعيق تقدم المنظمات غير الربحية وابتكارها.

سوف تستمر أزمة نقص الموظفين في المنظمات غير الربحية خلال عام 2025 وما بعده، لا سيما في المناصب القيادية.
فبحسب تقرير حديث صادر عن مجموعة PNP Staffing، فإن نحو منظمة واحدة من بين كل ثلاث منظمات غير ربحية تواجه صعوبات في الاحتفاظ بالموظفين ومعدلات دورانهم، وأفادت 59٪ من المنظمات أن ملء الوظائف كان أكثر صعوبة بشكل ملحوظ في عام 2024 مقارنة بالسنوات السابقة.
ومن المرجّح أن يستمر هذا الاتجاه في العام القادم وما بعده، حيث أشارت 55٪ من المنظمات غير الربحية إلى أن عدم قدرتها على تقديم رواتب تنافسية يُعدّ تحديًا كبيرًا.


وفقًا للبيانات الواردة في تقرير مجموعة PNP Staffing، فإن 59٪ من المشاركين أفادوا بأنهم يجدون صعوبة أكبر بكثير في شغل الوظائف الشاغرة، وهو اتجاه مستمر منذ عام 2022. ولا تزال الاعتبارات المتعلقة بالرواتب تتصدر قائمة التحديات؛ إذ ذكر 35٪ من المستجيبين أن منظماتهم لا تستطيع مجاراة الرواتب المتوقعة من المرشحين. كما أشار 33٪ إلى نقص المرشحين المؤهلين، و23٪ إلى شدة المنافسة على الكفاءات ذات الخبرة.
أما التحديات الأخرى فتشمل قبول المرشحين لفرص عمل أخرى قبل إتمام عملية التوظيف (11٪)، ورفض بعض المرشحين العمل الحضوري حيث يفضلون العمل عن بُعد في حين تتطلب المنظمة التواجد الفعلي (10٪).

تُظهر التوقعات المتعلقة بالرعاية فجوة كبيرة، حيث يُتوقع أن تنمو الوظائف الشاغرة في هذا المجال بمعدل يعادل ثلاثة أضعاف نمو جميع الوظائف الأخرى خلال العقد المقبل.
وتتفاقم الحاجة في المناطق الريفية داخل الولايات المتحدة، حيث لا يحصل نحو 122 مليون شخص على خدمات الصحة في الولايات المتحدة.
وفي الواقع، يُقدّر أن حوالي 27 مليون أمريكي ممن يعانون من اضطرابات صحية لا يتلقون أي علاج.
وتواجه المنظمات المتخصصة في رعاية الصحة للشباب عجزًا أكبر في القوى العاملة؛ إذ تخلو 70٪ من مقاطعات الولايات المتحدة من أي طبيب رعاية للأطفال أو المراهقين، ولا يتلقى سوى 20٪ من الأطفال المصابين باضطرابات نفسية الرعاية التي يحتاجونها من مزودين متخصصين في الصحة.


تكشف الفجوات في المناصب القيادية عن وجود تفاوتات وعوائق تحول دون التقدم المهني.

تتراجع الرغبة في تولي المناصب القيادية في المنظمات غير الربحية بشكل مستمر.
فبحسب استطلاع حديث أجرته منظمة Building Movement Project، شهد الاهتمام بهذه المناصب تراجعًا ملحوظًا. ففي عام 2016، أبدى 50٪ من المشاركين البيض و40٪ من المشاركين من الأعراق الأخرى (BIPOC) اهتمامهم بتولي المناصب القيادية العليا، بينما انخفضت هذه النسبة في عام 2022 إلى 46٪ للبيض و32٪ للأشخاص من خلفيات غير بيضاء.
وعلى الرغم من أن أزمة انكماش القيادات في القطاع غير الربحي ممتدة منذ عقود، إلا أن الجائحة فاقمت الوضع من خلال ارتفاع معدلات الاستقالة، والإرهاق الوظيفي، والتقاعد المبكر في مستويات القيادة.
إن قطاعنا يقف اليوم عند لحظة حاسمة، ويجب علينا معالجة العوائق التي تعترض مسار القيادة، بما في ذلك نقص فرص التوجيه والدعم، خاصة للقادة من ذوي البشرة الملوّنة، وتجاوز متطلبات الوظائف الصارمة، والعمل بجدية لمعالجة الإرهاق الوظيفي وضعف الرواتب، إذا أردنا سد هذه الفجوات في عام 2025.

بدعم من مؤسسة روبرت وود جونسون (Robert Wood Johnson Foundation - RWJF)، دخلت منظمة Social Current في شراكة مع الجمعية الأمريكية للخدمات العامة الإنسانية (American Public Human Services Association - APHSA) في مبادرة بعنوان "Equip the Flip".
تهدف هذه المبادرة إلى بناء إطار جديد للقيادة يقدّم دعمًا حقيقيًا للقادة من خلال معالجة العنصرية البنيوية، وتحويل مراكز القوة بما يضع أصوات المجتمعات في قلب العمل بشكل أصيل، وتعزيز مبادئ التنوع، والإنصاف، والشمول، والانتماء على مستوى القطاع بأكمله.

ومن خلال جلسات مجموعات التركيز، وجمع القصص، ومراجعة الأدبيات والتجارب الحياتية، تمكّنا من رسم ملامح الجيل القادم من الكفاءات القيادية في قطاع الخدمات الإنسانية، مع الحفاظ على طابعها العملي وتمحورها حول الإنسان.
وقد أظهرت الكفاءات التي طُوِّرت ضمن مبادرة "Equip the Flip" أن قادة القطاع غير الربحي بحاجة إلى تطوير المهارات التالية:

الأثر المستقبلي الملهم (Visionary Impact):
القدرة على إيصال رؤية واضحة وجذابة لمستقبل عادل للأفراد والمجتمعات التي تُقدَّم لها الخدمات، وتحفيز الآخرين لاتخاذ خطوات فعلية لتحقيق هذه الرؤية.

التصميم التشاركي (Participatory Design):
القدرة على تهيئة الظروف المناسبة لتصميم الحلول بشكل تشاركي، وتمكين المجتمع من دفع الأهداف التي يقودها بنفسه إلى الأمام.

رفاهية القوى العاملة (Workforce Well-Being):
القدرة على تقديم نموذج يُحتذى به وتعزيز الرفاهية لجميع الموظفين بشكل فعال، وبناء فريق عمل منتج وشامل يعمل بشراكة وتعاون مع جميع الأفراد والمجتمعات.

الشراكات المولدة (Generative Partnerships):
القدرة على تعزيز الشراكات التي تدعم الحلول التي يقودها المجتمع، وبالتعاون معًا توليد إمكانيات وموارد جديدة وتحقيق نتائج محسّنة.

الانتماء الثقافي (Cultural Belonging):
القدرة على تقبّل واحترام أصالة الفرد وتجربته وممارساته الثقافية الخاصة.

الأثر التشغيلي (Operational Impact):
القدرة على إدارة موارد وعمليات المنظمة بما يخدم تحقيق نتائج إيجابية للمجتمع.

المعرفة السياسية (Political Literacy):
القدرة على التركيز على بناء القدرات اللازمة للمشاركة والفهم في الشؤون الحكومية، والعمل السياسي، وجهود المناصرة، والشؤون التشريعية.


تُولي المنظمات أولوية متزايدة لصحة الموظفين النفسية بسبب ارتفاع معدلات الإرهاق الوظيفي.

يكشف أحدث مسح لحالة المنظمات غير الربحية الصادر عن مركز الفاعلية في العمل الخيري (Center for Effective Philanthropy) أن 95٪ من الرؤساء التنفيذيين في هذه المنظمات يعبرون عن قلقهم من ظاهرة الإرهاق الوظيفي داخل مؤسساتهم، كما أشار أكثر من 50٪ منهم إلى شعورهم بزيادة في الإرهاق مقارنة بالسنوات السابقة.
وفي تقرير "Mind the Workplace" الصادر عن منظمة Mental Health America، سجل جيل الألفية (Millennials) وجيل زد (Gen-Z) أسوأ نتائج في الصحة النفسية المتعلقة بالعمل، حيث أفاد 59٪ و71٪ منهما، على التوالي، بتقييمات غير صحية لصحتهم النفسية في بيئة العمل.

في عام 2025، ادعم مكان عمل منظمتك غير الربحية بأفضل الممارسات في تعزيز مرونة القوى العاملة ورفاهية الموظفين. بالإضافة إلى دفع أجور تكفي للمعيشة وتوفير حزم مزايا شاملة، قدّم إجازات مدفوعة تشجع على الراحة والتجديد، واعتمد جداول عمل مرنة أو أقل من 40 ساعة في الأسبوع، وحقق ثقافة مرنة من خلال تدريب الموظفين على أساليب العمل المرتكزة على الوعي بالصدمات النفسية، وخصص أوقاتًا محمية للنمو والتطور المهني.


تحسين الجودة المستمر (PQI): تعمل المنظمات غير الربحية على تطوير وتحديث نماذج تحسين الجودة المستمر الخاصة بها لضمان الاستدامة والتركيز المستمر على تحقيق رسالتها.

مصطلح VUCA (التقلب، عدم اليقين، التعقيد، الغموض) عمره أكثر من 30 عامًا، ومع ذلك، فإنه يتكرر بشكل متزايد في المقالات والمدونات التجارية الحديثة مع بداية عام 2025 في ظل مشهد سياسي يتسم بشدة بـ VUCA.
في مجال القطاع الاجتماعي، أصبح مفهوم VUCA هو الثابت الجديد، ويجب على المنظمات غير الربحية أن تبقى مرنة ومستعدة للتغيير لمواجهة هذا الواقع.

عندما يتعلق الأمر بتقييم البرامج والتحسين المستمر، تقوم المنظمات غير الربحية بتحديث استراتيجيات تحسين الأداء والجودة (PQI) لتكون أكثر مرونة وديناميكية، مع جمع ردود فعل فورية تسمح بتصحيح المسار بسرعة. توفر نماذج PQI نهجًا منظمًا لتقييم البرامج، وتحديد مجالات التحسين، ودعم اتخاذ القرارات المبنية على الأدلة لتحسين نتائج المنظمة.
من خلال تتبع مؤشرات الأداء الرئيسية وتحليل البيانات، يمكن للمنظمات غير الربحية اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن تخصيص الموارد، وتدريب الموظفين، وتصميم البرامج. يساعد هذا النهج القائم على البيانات المنظمات على إظهار المسؤولية تجاه الممولين والمتبرعين والمجتمع، كما يعزز ثقافة التحسين المستمر.

في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه القوى العاملة في القطاع غير الربحي، يصبح تبني ممارسات مرونة القوى العاملة ورفاهيتها ضرورة استراتيجية لا غنى عنها.

يعكس ذلك إيماننا في «البنك الثالث» بأن الإنسان هو جوهر العمل الخيري والتنموي، وأن الاستثمار في صحة ورضا الموظفين هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل مؤسساتنا ومجتمعاتنا. من خلال الاستفادة من الخبرات والأدوات التي تقدمها مبادرات مثل Social Current، يمكن لمنظماتنا أن تبني بيئات عمل أكثر إنسانية وفعالية، وتخطو خطوات واثقة نحو تحقيق رسالتها النبيلة بكل احترافية واستدامة.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top