في قراءة نشرها موقع Candid، يقدّم Steve Froehlich وWoodrow Rosenbaum منظور مختلف لفهم عطاء الجيل زد؛ إذ لا يظهر هذا الجيل بوصفه جمهورًا مؤجلًا للمنظمات غير الربحية، وإنما قوة حاضرة تعيد تشكيل الكرم عبر الثقة، والقصص، والمشاركة الرقمية، وأشكال متعددة من الدعم تتجاوز التبرع المالي وحده.
ما الذي تحتاج المنظمات غير الربحية إلى فهمه عن الجيل الذي يعيد تشكيل العطاء؟
لوقت طويل، تشكّلت صورة جاهزة عن الجيل زد: جيل يرفع صوته من أجل القضايا، ويتفاعل مع الأحداث بسرعة، ويملأ المنصات بالمواقف، ثم يتردد حين يصل الأمر إلى التبرع. غير أن البيانات الجديدة التي جمعتها GoFundMe وGivingTuesday تضع هذه الصورة تحت مراجعة جادة. هذا الجيل لا يكتفي بالتعبير عن الاهتمام، ولا ينتظر أن يصبح “متبرع المستقبل”. حضوره في العطاء بدأ بالفعل، وبأشكال أوسع من التصور التقليدي للكرم.
تشير النتائج إلى أن الجيل زد يشارك في العطاء بمعدلات مرتفعة، سواء عبر المنظمات غير الربحية، أو من خلال الدعم المباشر للأفراد، أو التطوع، أو المناصرة، أو مشاركة القضايا، أو حشد الأقران، أو التبرع بالمواد. هنا يتبدل معنى السخاء: لم يعد فعلًا ماليًا منفردًا، ولا علاقة تبدأ وتنتهي عند زر التبرع. وفي السياق نفسه، صار ممارسة رقمية واجتماعية وإنسانية، تتحرك داخل دوائر الثقة القريبة، وتتصل بالقصص اليومية التي يراها الشباب ويتفاعلون معها.
هذه القراءة تمنح المنظمات غير الربحية درسًا مهمًا: الوصول إلى الجيل زد يتطلب توسيع تعريف العطاء ذاته، حيث أنّ من يشارك حملة قد يكون مانحًا للانتباه، ومن يدعو أصدقاءه إلى قضية قد يكون مساهمًا في نقل الثقة، ومن يتطوع بوقته قد يبني علاقة أعمق من تبرع عابر. لذلك، لا يكفي قياس التفاعل عبر المال وحده.
الجيل زد يشارك في العطاء بمعدلات أعلى من الأجيال الأكبر
تكشف البيانات أن الجيل زد، رغم أنه غالبًا في مراحل عمرية ذات دخل أقل، يتقدم على البالغين الأكبر سنًا في كل صور العطاء التي شملها القياس، و أكثر من 70% من المشاركين من هذا الجيل قالوا إنهم مارسوا شكلًا من أشكال العطاء خلال الأسبوع السابق للاستطلاع، كما أن نحو 43% منهم تبرعوا ماليًا، مقارنة بنحو 65% و39% لدى البالغين الآخرين في المؤشرين نفسيهما.
تقترح هذه الأرقام أن الكرم لا يرتبط فقط بحجم الدخل المتاح وهناك عناصر أخرى تصنع القرار: الهوية، والانتماء، والقرب من القضية، والشعور بأن الحاجة لا تحتمل التأجيل حيث أنّه حين يرى الشاب قصة واضحة، وأثرًا مفهومًا، وطريقًا بسيطًا للمشاركة، تصبح مساهمته ممكنة حتى لو كان دخله محدودًا.
على مستوى أوسع، لا يتوقف عطاء الجيل زد عند المال. في المقابل يعتبر التبرع بالأغراض، التطوع، المناصرة، مشاركة حملات جمع التبرعات، ودعوة الآخرين إلى المشاركة، جميعها صور تتحرك خارج ملفات المتبرعين التقليدية. ومع ذلك تؤثر هذه الممارسات في انتقال الموارد، وتوسيع الانتباه، وتحريك الدعم داخل المجتمعات.
من هنا، تحتاج المنظمات غير الربحية إلى إعادة النظر في معنى “المتبرع المتفاعل” إذ ليس كل متفاعل شخصًا دفع مبلغًا عبر صفحة التبرع، قد يكون المتفاعل أحيانًا هو من فتح نافذة ثقة، أو نقل قصة إلى دائرة جديدة، أو منح القضية وقتًا، أو ساعد في جعلها مرئية.
عطاء الجيل زد شخصي و علائقي وفوري
يظهر تميز الجيل زد بوضوح عند مقارنته بالأجيال الأكبر سنًا في المناصرة، والعطاء غير الرسمي، والدعم المباشر للأفراد، والتطوع وليست هذه تفاصيل جانبية؛ بل هي تشير إلى نموذج مختلف في بناء العلاقة بين الشباب والمنظمات.
يميل هذا الجيل إلى فرص عطاء تحمل ملامح إنسانية واضحة و يريد قصة محددة، حاجة مفهومة، اتصالًا قريبًا بالمجتمع الذي يهتم به، وأثرًا يمكن تخيله كما أنه يستجيب للصدق أكثر من الخطاب العام، وللأثر المرئي أكثر من الوعود البعيدة، وللعلاقة المباشرة أكثر من اللغة المؤسسية الباردة.
والسؤال الذي يحرك هذا الجيل ليس: ما اسم المنظمة؟ السؤال الأقرب إليه: من الذي سيتغير واقعه؟ لماذا الآن؟ كيف ترتبط مساهمتي الصغيرة بنتيجة ملموسة؟ هذا التحول يفرض على المنظمات أن تجعل الإنسان حاضرًا داخل الرسالة، لا أن تضعه في الهامش خلف المصطلحات والإجراءات.
غالبًا ما تبدأ رحلة السخاء لدى الجيل زد من شخص، أو قصة، أو صديق، أو منشور، أو موقف قريب ولا تكون العلامة المؤسسية دائمًا نقطة البداية ولكنها الفرصة الحقيقية للمنظمات التي تكمن في تحويل تلك اللحظة السريعة إلى علاقة أعمق، دون إطفاء صدقها أو تعقيدها.
هذا لا يعني أن الجيل زد يعادي المؤسسات ولكن المعنى أدق وهو أنّ المؤسسة مطالبة بأن تجعل علاقتها بالإنسان أكثر وضوحًا و المنظمة التي تتواصل بلغة صادقة، وإيقاع سريع، وأثر واضح، تستطيع بناء الثقة مع جيل اعتاد اكتشاف القضايا، والتحقق منها، ومشاركتها في الزمن الرقمي المباشر.
المشاركة الاجتماعية تحوّل الكرم إلى قوة مضاعفة
من النتائج اللافتة أن الجيل زد يميل إلى جعل دعمه مرئيًا وأنّ أفراده أكثر استعدادًا من غيرهم لإعلان دعمهم لأنشطة المجموعات المجتمعية، والمنظمات غير الربحية، وجهود التمويل المستقلة، وتشير البيانات إلى أن داعمي الجيل زد أكثر احتمالًا بعشر مرات من جيل الطفرة السكانية لمشاركة تبرعاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.
ليست هذه الرغبة في الإظهار مجرد استعراض رقمي وحين يشارك شخص ما قضية، فإنه لا يعلن موقفًا وحسب، وإنما يفتح بابًا لشبكته كي تهتم، وتفهم، وتتحرك وينتقل الكرم داخل البيئة الرقمية عبر الثقة الشخصية: صديق يشارك حملة، زميل يضيف سياقًا، فرد من المجتمع يساهم، ثم تتسع الدائرة.
من هذه الزاوية، تتحول المشاركة إلى مضاعف للأثر وقد تجذب داعمين جددًا، وترفع الوعي، وتساعد في جمع موارد إضافية.
كما أنها تخفف عتبة الدخول لمن يشارك للمرة الأولى وقد يكون شخص لا يملك استعدادًا للتبرع اليوم مستعدًا لنشر الحملة ومن ينشر اليوم قد يتبرع لاحقًا، ثم يصبح متطوعًا، أو مناصرًا، أو داعمًا مستمرًا. لهذا، لا يكفي أن تكون قضية المنظمة مهمة بل ينبغي أن تكون سهلة الاكتشاف، واضحة الفهم، قابلة للمشاركة، ومهيأة للتحول إلى فعل.
في هذا الصدد، الجيل زد لا يتحرك داخل مسار طويل ومعقد؛ يحتاج نقطة دخول بسيطة، ثم طريقًا واضحًا إلى مشاركة أعمق.
التمويل المجتمعي قد يعمّق علاقة الجيل زد بالمنظمات
يوجد لا محالة قلق مألوف لدى بعض المنظمات غير الربحية: هل تسحب منصات التمويل المجتمعي، مثل المنصة الأمريكية العالمية الشهيرة GoFundMe، الدعم بعيدًا عن العمل المؤسسي؟ البيانات المعروضة تمنح إجابة مختلفة و مستخدمو منصات التمويل الجماعي من الجيل زد أكثر احتمالًا للتبرع للمنظمات غير الربحية بفارق 16 نقطة مئوية مقارنة بمن لا يستخدمون هذه المنصات.
تغيّر هذه النتيجة زاوية النظر إلى التمويل المجتمعي. وليس بالضرورة منافسًا للمنظمة، وإنما قد يكون مدخلًا مبكرًا إلى علاقة أوسع مع القضايا، حيث أنّ الشخص الذي يدعم حملة لجار أو قريب قد يحمل اهتمامًا حقيقيًا بالقضية الأكبر خلف تلك الحاجة ومن يتبرع كذلك لحملة علاجية لشخص يعرفه قد يكون قابلًا لاحقًا للتفاعل مع منظمة تعمل على المرض نفسه أو تدعم المتأثرين به.
في المسار ذاته، من يشارك حملة مجتمعية قد يكون مستعدًا للمناصرة، أو التطوع، أو الانضمام إلى حركة أوسع ولا يخبرنا السلوك الأول بكل شيء، لكنه يكشف عن استعداد يمكن تنميته إن أحسنت المنظمة قراءة اللحظة.
السؤال الأجدى ليس: هل سيختار الجيل زد العطاء غير الرسمي أم العطاء عبر المنظمات؟ حيث تشير البيانات إلى أن كثيرين يجمعون بين المسارين و السؤال الأكثر أهمية: كيف تبني المنظمة جسرًا ذكيًا بين التعاطف الفردي والالتزام المؤسسي؟
ما الذي يعنيه ذلك لإشراك الجيل زد؟
بالنسبة للمنظمات غير الربحية، تؤكد هذه النتائج أن الجيل زد لا يتحرك في خط واحد نحو التبرع وهو يعيش رحلة سخاء أوسع؛ تبدأ أحيانًا بمشاركة منشور، أو دعم شخص، أو تطوع قصير، أو تفاعل مع قصة، ثم يمكن أن تتطور إلى علاقة مستدامة.
يحتاج الوصول إلى هذا الجيل تصميمًا مختلفًا للتجربة وينبغي أن تكون المشاركة ممكنة قبل التبرع، وأثناءه، وبعده ولا ينبغي أن تُختصر المساهمة في المال بل تحتاج القصص إلى قابلية للنشر ويحتاج الأثر إلى ظهور سريع ومقنع ويحتاج الدعم غير الرسمي إلى مسار يحوّله تدريجيًا إلى علاقة أعمق مع المنظمة.
كما يتطلب الأمر التعامل مع المناصرة، وتحريك الأقران، والتطوع، والدعم المباشر، والتبرع المالي بوصفها سلوكيات متصلة و هذه ليست أبوابًا منفصلة، وإنما أشكال مختلفة لحضور الناس تجاه القضايا التي تعنيهم.
تستطيع المنظمات أن تستثمر هذه الطاقة حين تذهب إلى المساحات الرقمية والاجتماعية التي يوجد فيها الجيل زد، وتمنح الفعل الأول قيمة حقيقية، ثم تفتح أمامه طريقًا طبيعيًا إلى مشاركة أكبر ولا ينبغي خلال ذلك التقليل من البداية الصغيرة إذ قد تكون مدخلًا لعلاقة طويلة.
يعيد الجيل زد تشكيل الكرم عبر الثقة، والعلاقات، والظهور الاجتماعي، والمشاركة الرقمية وأمام المنظمات غير الربحية فرصة واضحة: أن تبني حضورها على الطيف الكامل للعطاء، وأن تجعل المشاركة، والتبرع، والتطوع، وتحريك الآخرين، مسارات متصلة نحو دعم طويل الأمد.
ترجمة وتحرير بتصرف عن Candid، استنادًا إلى بيانات GoFundMe وGivingTuesday.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
