حين لا تكفي عقلية المدير: متى تحتاج المنظمات غير الربحية إلى قائد يفكر بعين المبدع؟

ع ع ع

هذا المقال مستفاد فكريًا من مادة منشورة في Stanford Social Innovation Review للكاتبين Zac Hill وBen Marshall، وقد أُعيدت صياغته وتحريره بما يلائم سياق القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية، مع حفظ الحق الأدبي الكامل للمصدر والكاتبين.

ومن هنا ينطلق المقال من سؤال قيادي بالغ الأهمية: متى لا تعود الإدارة وحدها كافية، ويصبح من الضروري أن يفكر القائد غير الربحي بعقلية أكثر مرونة وابتكارًا وقدرة على إعادة تصميم المواهب والبرامج وطرق صناعة الأثر؟

تواجه المنظمات غير الربحية اليوم ضغوطًا متصاعدة، بين ارتفاع حجم الاحتياج، وتقلب الموارد المالية، وتراجع الثقة العامة إلى مستويات لا تزال مقلقة، وقد تشتد هذه الفجوة أكثر في البيئات التي يفترض أن تكون أشد احتياجًا إلى الدعم.

ومن واقع سنوات من العمل مع المنظمات غير الربحية تأسيسًا وقيادةً واستشارةً واستفادةً، كثيرًا ما نرى هذه الجهات تواجه تلك التحديات وغيرها بالتمسك أكثر بطرائق العمل الصارمة والمستقرة، بدءًا من تعزيز التوظيف الشفاف والتوثيق، ووصولًا إلى إطلاق خطط استراتيجية جديدة وتطبيق عمليات قياس دقيقة للأداء.

وهذا المزيج من السلوكيات يمثل ما نسميه نحن «النموذج المؤسسي» في العمل وهو نموذج نافع في كثير من الأحيان. لكنه يترك كذلك قيمة غير مستثمرة على الطاولة. 


نموذج إداري جديد لتعظيم الأثر

انطلاقا من هنا نطرح بديلًا آخر، وهو «النموذج الإبداعي» في صناعة الأثر الاجتماعي حيث نقارن بين الطريقتين، ونوضح فائدة التعلم من مجالات أخرى ثم نحدد ثلاث فرص نرى أن من المناسب فيها على وجه الخصوص أن تستفيد المنظمات غير الربحية من هذا المنظور.


ماذا نعني بالنموذج المؤسسي وغيره من النماذج؟

في جوهر عمل المنظمات غير الربحية أنها تصنع قيمة اجتماعية وهي تفعل ذلك عبر استقطاب العاملين والمتطوعين لتقديم منتجات أو خدمات للمستفيدين، مع استخدام الدعم المالي والعيني بأكبر قدر ممكن من الفاعلية والكفاءة وهذه المقاربة التي تجمع الأنشطة داخل كيان منظم، أي تحويل المخرجات إلى عمل مؤسسي، هي ما نطلق عليه «النموذج المؤسسي».

وبحكم عملها بهذه الطريقة، تشترك المنظمات غير الربحية في عدد من السمات لديها أدوار مهنية تشبه في كثير من الأحيان ما هو موجود في القطاع الربحي، بما في ذلك المديرون المشرفون على الثقافة والعمليات، ومجلس الإدارة الذي يضطلع بالحوكمة وهي في العادة لا تُبنى على أساس تاريخ انتهاء محدد، كما أن هناك علاقة مباشرة بين حجم المنظمة وقدرتها على إنتاج القيمة. 

النموذج المؤسسي هو كذلك النمط الغالب في القطاع الخاص. إنه، بتعبير بعض الكتّاب، أشبه بالماء الذي نسبح فيه، أي إنه مألوف ومفهوم إلى درجة تجعلنا ننسى أنه في الأصل اختيار وليس قدرًا محتومًا. ومع ذلك، فليس من المسلم به أن يكون هذا النموذج هو أفضل وسيلة دائمًا لتحقيق نتائج ذات قيمة اجتماعية. 

يوجد نماذج أخرى لإنجاز الأعمال النافعة. ففي النموذج الديمقراطي، يُنتخب الأشخاص أو يُعيّنون بدلًا من توظيفهم بالطريقة المعتادة ثم يعملون على إنتاج سياسات توجه سلوك جهات عامة أو خاصة أو أهلية أخرى. ويُمول هذا النموذج في الأساس من المال العام، كما تقيده التفويضات والأنظمة العامة. 

ويقابله مثلًا النموذج القانوني، حيث يُختار الخبراء لتمثيل البيئة القانونية أو تفسيرها أو التأثير فيها على نحو يقيّد تصرفات أطراف أخرى أو يعيد توزيع الموارد بينها وهناك أيضًا نموذج الحراك المجتمعي، حيث تتحرك مجموعات واسعة، غالبًا على نحو غير مدفوع أو غير رسمي، تسليط الانتباه على قضية معينة.

وما يميز هذه النماذج ليس فقط القطاعات التي تنتمي إليها أو الأنشطة اليومية التي تمارسها، بل إن الغاية نفسها، حتى حين تكون صناعة قيمة اجتماعية، تمر عبر هياكل تنظيمية مختلفة، وأدوات استراتيجية مختلفة، وتدفقات رأس مال مختلفة، وقيود مختلفة كذلك. 

والوعي بتعدد هذه الخيارات يدعو قادة المنظمات غير الربحية إلى البحث خارج النموذج المؤسسي عن طرق أخرى لصناعة القيمة.


ما هو النموذج الإبداعي؟

لقد نجح الفنانون، والمنظمات المجتمعية، وشركات التصميم والإنتاج كلٌ بطريقته في تحريك مليارات الدولارات نحو مشاريع إبداعية. وهذه الجهات، مثل المنظمات غير الربحية لا تقيس نجاحها بالعائد الاقتصادي وحده ولكنها تستقل عنه أو تضيف إليه معايير أخرى، غير أن الطريقة التي تحقق بها نجاحها مختلفة نظرا إلى أنّها تتبع ما يمكن وصفه بـ«النموذج الإبداعي». 

فإذا كان النموذج المؤسسي يسعى إلى خلق القيمة الاجتماعية عبر الإدارة الفاعلة للمؤسسة، فإن النموذج الإبداعي يسعى إلى ذلك عبر الإدارة الفاعلة للعملية الإبداعية نفسها وهو يقدم طرقًا مختلفة لتنظيم المواهب وربطها بالقيمة المتحققة، حيث تعتمد الجهات العاملة وفق هذا النموذج كثيرًا على مساهمين متميزين يُستقطبون عبر السمعة المهنية ويعملون على مخرجات محددة بزمن ومشروع واضح.

كما أن هذه المخرجات تُقيَّم بمقاييس مختلفة.

والناس هنا يميزون جودة العمل غالبًا من خلال تنمية الذائقة والحكم المهني أكثر من اعتمادهم على مؤشرات أداء شكلية أو جامدة. وفي النهاية، يبقى العمل محكومًا برؤية صاحبه أو بصمته الإبداعية. ولهذا فإن العمل داخل نموذج إبداعي يكون في الغالب أكثر مرونة، وأشد ارتباطًا بالمخرجات، وأقرب إلى الاحتكام لتمييز الخبراء.


ماذا يمكن أن تتعلمه المنظمات غير الربحية من القطاع الإبداعي؟

ليس في النموذج المؤسسي ما يجعله خاطئًا بطبيعته. هو نموذج مجرّب، مدعوم بعقود من نظريات الإدارة، ويبعث كذلك برسالة مهمة إلى العالم مفادها أن المنظمات غير الربحية جهات جادة، وهو أمر له وزنه حين يكون الهدف استعادة الثقة العامة.

لكن هذا النموذج يطرح أيضًا تحديات، فهو يقلل من شأن الفروق الجوهرية بين المنظمة الربحية التي يولّد سعيها إلى الربح الموارد اللازمة لاستمرارها، والمنظمة غير الربحية التي لا تملك هذا المصدر الذاتي نفسه، بل تتجه أساسًا إلى الأثر. 

كما أن هذا النموذج، في سياق المقال الأصلي الأمريكي لم ينجح دائمًا في إقناع الجمهور بسبب المكانة الخاصة للقطاع غير الربحي في الأطر النظامية والضريبية، في المقابل مع مواءمة الفكرة مع السياق السعودي يمكن القول إن الإشكال هنا ليس في الأنظمة نفسها وفي أن الشكل المؤسسي وحده لا يكفي دائمًا لإقناع المجتمع بأن الجهة تحقق أثرًا يبرر خصوصيتها ورسالتها. 

ويفرض النموذج المؤسسي كذلك قدرًا من الجمود في التوظيف والإدارة والتقييم أكثر مما يلزم في جميع الأحوال، والأهم من ذلك أنه حين يُتبنّى بلا فحص أو بدافع الاعتياد، قد يحجب عن المنظمات غير الربحية فرص التعلم من طرائق عمل أخرى. 

ومع حجم التحديات التشغيلية والمالية والاجتماعية التي يواجهها هذا القطاع، لا يبدو من الحكمة ترك هذا التعلم دون استثمار، ولهذا فنحن ندعو إلى خطوة للوراء، لا للتراجع بل للمراجعة أي إلى إدراك مواطن القوة والضعف في الطريقة الحالية، وفهم أن الأمر لا يقتصر على اختلاف في الإجراءات، حيث يمتد إلى اختلاف في النماذج نفسها التي تنظم المواهب وسير العمل والاستراتيجية. 

صحيح أن إنتاج مسرحية أو تنظيم حفل أو تصميم لعبة ليس هو نفسه تعليم الناشئة أو دعم الأسر أو معالجة مشكلة صحية عامة، لكن كثيرًا من الآليات قابلة للنقل والاستفادة.

وفيما يلي ثلاث فرص نرى أن النموذج الإبداعي يملك فيها أعلى قابلية لإحداث أثر: تبني نموذج مواهب أكثر مرونة، والتخطيط ضمن أطر زمنية أكثر تحديدًا، وتعزيز القياس الصلب برؤية الخبراء وتقديرهم المهني، وقد تكون هذه الأمثلة نقطة انطلاق مفيدة لقادة المنظمات غير الربحية الذين يريدون مواجهة تعقيدات الواقع بكل أداة متاحة لهم. 


الفرصة الأولى: نموذج مواهب أكثر مرونة

لقد وصل «مستقبل العمل» بالفعل، قد يستقر العمل الهجين والعمل عن بُعد عند مستويات أعلى بكثير مما كان عليه قبل الجائحة وارتفع حضور المستقلين في سوق العمل الأمريكيّ إلى مستويات كبيرة والفكرة الأهم هنا.

بالنسبة لنا محليًا يتجه سوق العمل في كثير من البلدان ومنها السعودية، هو الآخر نحو قدر أعلى من المرونة والتخصص والتعاقد المرحلي في عدد من المجالات.

ومع ذلك، ما زالت المنظمات غير الربحية تعتمد في الغالب على نموذج يتمحور حول العامل الدائم، وتستعين بالتطوع لاستعادة شيء من المرونة غير المتطوعين لا يقدمون دائمًا الدرجة نفسها من المساءلة أو المهارة الفنية أو الاتساع المهني الذي قد يقدمه المتعاقد المتخصص. 

أما في الصناعات الإبداعية، ليس التعاقد خيارًا ثانويًا، بل جزء تأسيسي من طريقة العمل.

ولهذا النموذج مزايا كثيرة نظرا إلى أنّه يتيح مرونة أعلى ويجعل بالإمكان ضم طاقات جديدة بسرعة، وتشكيل فرق العمل بحسب الحاجة التشغيلية من غير التزامات طويلة الأمد وهذه المرونة قد تكون بحد ذاتها عامل جذب للمواهب، خصوصًا حين تقابل محدودية التعويضات المالية في بعض الجهات غير الربحية. 

كما أن قِصر مدة العقود، وانخفاض الحاجة إلى اندماج ثقافي عميق في كل حالة، يساعدان على الاستفادة من العمل عن بُعد واستقطاب كفاءات أوسع نطاقًا.

بل إن التعاقد مع مساهمين ذوي جودة عالية لفترة محددة قد يخفف العبء الإداري عن المشرفين عليهم، ويؤدي إلى استخدام أكثر إنتاجية لوقت الفريق كله.

وبالنسبة للقادة الكبار، قد يمنحهم هذا النموذج وقتًا أكبر للبقاء قريبين من العمل الميداني أو من النشاط الجوهري للمنظمة حتى مع نموها ومن الأمثلة على ذلك من منظمة Playworks، حيث يواصل كبار المديرين قيادة برامج تدريبية بصورة منتظمة انطلاقًا من فكرة أن الترقية لا ينبغي أن تعني الانفصال عن جوهر العمل.

لكن هذا التوجه لا يخلو من مفاضلات بالنسبة للمتعاقد المحتمل، حيث يوجد دائمًا موازنة بين المرونة وفرص الدخل من جهة، وبين الاستقرار والدعم التنظيمي من جهة أخرى ولهذا لا ينبغي للمنظمات غير الربحية أن تكرر أسوأ ما في اقتصاد العمل المؤقت أي أن تخلق وظائف عالية الهشاشة على المدى الكلي، لكن ينبغي لها في المقابل ألا تجعل بقاء الوظيفة هدفًا أعلى من تحقيق الأثر نفسه. 

كما أن نموذج المواهب الأكثر مرونة ينعكس على أمور أخرى، مثل الثقافة التنظيمية، واتساع الوصف الوظيفي أو ضيقه، وسرعة التوظيف، ودرجة صلابة التسلسل الإداري ولهذا ينبغي للمنظمات التي تريد التحول في هذا الاتجاه أن تتأكد أولًا من تهيئة الظروف المناسبة. 

وأول هذه الظروف أن يكون الوقت شحيحًا بالفعل، كل منظمة غير ربحية تعرف صعوبة الحفاظ على التعلم والتطوير في ظل الطوارئ اليومية ووقت الدعم والإرشاد والإدارة محدود ولا تُحل المشكلة دائمًا بمجرد إضافة طبقات جديدة من الإدارة الوسطى. 

وفي مثل هذه الحالة، يكون الإشراف على مستقل متمرس أقل استهلاكًا للطاقة غالبًا من بناء موظف جديد من الصفر. 

والشرط الثاني أن تكون المنظمة محدودة الموارد ماليًا، لأن المستقل يمنحها التزامًا أقصر من التوظيف الدائم، أو أن تكون وفرة الموارد مؤقتة فقط بحيث يمكن استقطاب مستقل حتى بكلفة أعلى نسبيًا، مع معرفة أن انتهاء التمويل لن يخلق احتكاكات تشغيلية أو نظامية كبيرة عند نهاية المشروع.

وهذا مفيد على وجه الخصوص في البيئات التمويلية التي تتسم بتقلبات سنوية أو بمنح غير متكررة، كما قد يفتح المجال أمام مساهمة مختصين موهوبين في أعمال غير ربحية مهمة دون أن يكون مطلوبًا منهم الارتباط الدائم.

أما الشرط الثالث فهو أن تكون طبيعة العمل نفسها تحتاج إلى نوع مختلف من الإدارة، كما في الأعمال الموسمية، أو المتخصصة جدًا، أو المتقلبة من حيث التوقيت والمتطلبات. 

ويضرب المقال أمثلة لمنظمات تعمل بهذا المنطق، مثل جهات بحثية بيئية تستعين بباحثين موسميين، أو منظمات إنسانية دولية تستخدم نماذج تعاقدية متفاوتة المدة وفق طبيعة المهمة، ومنها ما يخص أصحاب المهارات الدقيقة مثل الجراحين والفكرة التي يمكن مواءمتها محليًا أن بعض الأعمال غير الربحية لا تحتاج بالضرورة إلى توسع دائم في الهيكل، بل إلى خبرة عالية في نافذة زمنية قصيرة.

لكن نجاح هذا النموذج يحتاج إلى حد أدنى من الجاهزية المؤسسية وبعض الدراسات التي أشار إليها المقال تبيّن أن المستقلين العاملين مع المنظمات غير الربحية قد يكونون أكثر نقدًا لطريقة معاملتهم أو لمستوى اطلاعهم على المعلومات من نظرائهم في القطاع الخاص. 

ولهذا ينبغي الانتباه إلى ملاءمة الكفاءة للتكليف، ووضوح التوقعات منذ البداية، لأن المتعاقد، حتى لو لم يُدار بالطريقة التقليدية، يظل بحاجة إلى تحديد واضح للمُخرجات وتغذية راجعة مناسبة، وسياق كافٍ يساعده على النجاح.


الفرصة الثانية: العمل ضمن أطر زمنية أكثر تحديدًا

يرتبط تغيير نموذج المواهب في بعض الأحيان بتغيير الأفق الزمني الذي تُدار فيه الأعمال داخل المنظمة. 

تجعل طبيعة النموذج المؤسسي كثيرًا من المنظمات، غير الربحية والربحية معًا، تعمل وفق خط زمني مستمر. بالنتيجة، هي تقدم باقة شبه ثابتة من الخدمات أو المنتجات على نحو دائم ويكون هدفها ليس مجرد النجاح وفق معيار أثر أو دخل، ولكن الاستمرار في هذا النجاح أطول مدة ممكنة.

وأما الصناعات الإبداعية تميل إلى أطر زمنية منفصلة أو قائمة على المشاريع، وتتحرك عادة حول إطلاق منتج أو عمل بعينه وعندما نقيس نجاحها، لا نسأل كم مضى على وجود المؤسسة، بل ننظر أكثر إلى الأعمال المحددة التي قدمتها.

وهذا المنطق الذي يقدّم النتيجة على الاستمرار المفتوح يبدو مناسبًا جدًا للمنظمات غير الربحية أيضًا، لأن وجودها من الأصل مرتبط بتحقيق قيمة اجتماعية والعمل ضمن أطر زمنية محددة يقلل من احتمال أن تطغى رغبة بقاء المؤسسة على الحاجة الحقيقية إلى حل المشكلة، كما يعزز الإحساس بالإلحاح والمسؤولية. 

وهو يدفع كذلك نحو كفاءة أعلى، لأنه يزيد الاستفادة من الخبرات النوعية مع تقليل الالتزامات المالية العامة كما أن وجود نقاط نهاية أو محطات أوضح يساعد المنظمة على رواية قصتها بصورة أكثر إقناعًا لأصحاب المصلحة، بما في ذلك الجمهور.

ويكون هذا التوجه أنسب حين يكون العمل عاجلًا أو محددًا بزمن، كما في بعض القضايا البيئية أو حملات الاستجابة أو البرامج المرتبطة بأهداف معلنة ومواعيد فاصلة كما يصلح حين تواجه المنظمة حدثًا يفرض عليها التحرك، مثل التزام عام، أو موعد نظامي، أو استحقاق وطني أو قطاعي واضح ويذكر المقال مثال أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 بوصفها إطارًا زمنيًا ضاغطًا ومحفزًا للعمل.

كما يكون مفيدًا إذا كانت هناك نقطة تحول يصبح ما بعدها أقل إنتاجية من حيث الجهد المبذول على المشكلة نفسها، قد يكون ذلك بسبب طبيعة القضية أو بسبب المرحلة التي تمر بها الفئة المستفيدة، أو بسبب نافذة زمنية ضيقة تتعلق بالفرصة أو والتحالفات الممكنة.

وقد يعود الأمر أيضًا إلى اعتبارات تتعلق بالقوى العاملة، كأن تكون المواهب المطلوبة متاحة لفترة قصيرة فقط، أو أن تكون المنظمة بحاجة إلى حشد كثافة من الحلفاء خلال مدة محدودة لإثبات زخم اجتماعي أو مهني، وهو أمر لا يمكن تجاهله لكنه ليس قابلًا للاستدامة دائمًا على المدى الطويل.

وتطبيق هذا المنهج عمليًا قد يعني استخدام آليات توظيف مختلفة، كما في الفرصة الأولى، أو تقسيم العمل إلى دفعات أقصر من الإطار المعتاد في التخطيط الاستراتيجي الذي يمتد غالبًا لسنوات. 

ومن الممارسات المفيدة هنا الانتقال من العمل المتسلسل المثقل بالتحضير المسبق إلى أسلوب أكثر رشاقة، بحيث يُجزّأ المحتوى أو البرنامج أو الخدمة إلى أجزاء يمكن تطويرها واختبارها وتحسينها وإطلاقها بسرعة أكبر.

ويستعير هذا التوجه بعض روحه من بيئات الشركات الناشئة، لكنه في حقيقته لا يتعلق بالتقنية بقدر ما يتعلق بالابتعاد عن إدارة المشاريع الخطية الجامدة، وبناء التغذية الراجعة من التطبيق الفعلي داخل عملية التصميم نفسها بدل محاولة توقع جميع المتغيرات منذ البداية.

من الأمثلة لمنظمات غير ربحية تغيرت نسختها الحالية كثيرًا عن صورتها الأولى عند الإطلاق، مثل Khan Academy التي بدأت سلسلة على منصة يوتيوب Youtube، وDonorsChoose التي بدأت داخل نطاق مهني محدود قبل أن تتسع، وYouthBuild التي تحولت من برنامج إسكان محلي إلى شبكة وطنية واسعة، والمغزى هنا أن المنظمة لا تخون رسالتها حين تطوّر شكلها، ولكنها قد تكون أكثر وفاءً لها عندما تسمح للممارسة أن تعيد تشكيل الوسيلة. 

وهذه العقلية التي تتمحور حول المخرجات تمنح مساحة للتجريب والابتكار، وتقصر دوائر التغذية الراجعة، وتقلل كُلفة الفشل، بما يسمح للمنظمات بإنتاج نتائج أفضل واختبار مسارات جريئة دون تعريض رسالتها كلها للخطر، و صحيح أنها تتطلب تغييرات ثقافية، غير انها تدفع أحيانًا إلى مواجهة فكرة التخطيط لزوال الشكل الحالي إذا انتهت الحاجة إليه وتفتح بابًا لأثر حقيقي، وهو أصل وجود المنظمات غير الربحية.


الفرصة الثالثة: تعزيز القياس بالرؤية والخبرة

الرهان في القطاع غير الربحي كبير ليس فقط لأن العمل مهم، بالعكس لأن تقييم هذا العمل معقد بطبيعته. ولهذا تتعرض المنظمات غير الربحية لضغوط خارجية وداخلية تدفعها إلى قياس مدخلاتها ومخرجاتها بأقصى قدر ممكن من الصرامة وثلاثة أرباع التنفيذيين في هذا القطاع يعدّون قياس الأثر أولوية عليا. 

وعلى الطرف الأكثر صرامة من هذا الطيف توجد التجارب العشوائية المضبوطة التي تقيس قوة التدخلات وسَببيتها إحصائيًا، مع أن لهذه الأدوات بدورها حدودًا وإشكالات وحتى خارج هذا المستوى الصارم، تستخدم المنظمات غير الربحية أنظمة قياس متعددة عبر مراحل مختلفة من نظرية التغيير ومن دورات التخطيط السنوية لمتابعة التنفيذ والنتائج. 

وبعض قطاعات الصناعات الإبداعية تفعل شيئًا قريبًا من ذلك، كما في العروض التجريبية للأفلام. فهي تساعد على اكتشاف مناطق اللباس، وتوجيه المراجعة، وتقوية الحجة الإبداعية أو المالية للعمل. لكن هذه العروض، إذا أسيء اختيارها أو أفرط في الاعتماد عليها، قد تُستخدم أيضًا في سحب العمل نحو اتجاهات جدلية أو إضعاف الرؤية الأصلية لصانعه. 

ولهذا فإن مفتاح الاستفادة منها هو «حسن التمييز»، أي القدرة على التعامل معها بوصفها بيانات نافعة، مع الاحتفاظ في النهاية بالحكم المهني المستنير لتقرير الجودة والاتجاه. وهو في تقديرنا، شيء ينبغي أحيانًا أن يمارسه المديرون التنفيذيون ذوو الخبرة في المنظمات غير الربحية أيضًا.

وأهم فائدة في ذلك أنه يخفف ضغط التحسين الزائد لمسارات قد تكون أسهل قياسًا لكنها أقل فعالية. وهو ما نعبّر عنه بمعنى قريب من: أن تصيب الهدف الرقمي وتفوت المعنى الحقيقي.

في التعليم مثلًا قد يكون من المغري التركيز على درجات الاختبارات والانضباط والمواظبة، مع أن هناك أبعادًا أصعب في القياس لكنها شديدة الأهمية، مثل المعنى، والتفكير الإبداعي، والتعلم السلوكي، والشعور بالامتلاء أو الإنجاز.

وصحيح أن تلك المخرجات السهلة القياس مهمة، لكن جعلها مركز التحسين قد يقود إلى حلقات تغذية راجعة خاطئة أما حين نضيف إلى القياس المباشر قدرةً على التمييز المهني، فإننا نمنح صانع القرار مساحة ليوجه المقترحات بعيدًا عن الأعراض ونحو الجذور. 

ويكون هذا النهج أكثر فائدة أيضًا في الحالة المعاكسة، أي حين لا تملك المنظمة بيانات كافية أو مقارنات تاريخية، لأنها تعمل في مجال جديد أو ناشئ، أو حين تكون البيانات الموجودة صعبة الوصول أو ضعيفة الموثوقية، كما يحدث في بعض الأعمال التنموية أو الميدانية المعقدة ويرتبط بذلك نوع من المشكلات التي يصعب حتى تعريفها بدقة في مراحلها المبكرة وهذه المشكلات الغامضة تشبه ما سماه بعض الباحثين «التحديات التكيفية»، أو ما يدخل ضمن البيئات المتقلبة والضبابية والمعقدة و الملتبسة.

ومع ذلك، لا ندعو إلى قرارات مزاجية ولا إلى الاحتكام للرتبة الوظيفية وحدها، ولا إلى الانفصال عن احتياجات المستفيدين في العكس، هو يؤكد أن القرار الجيد ينبغي أن يستند إلى فهم عميق لتلك الاحتياجات، ما يعني أن على القادة الكبار أن يظلوا على تماس حقيقي مع المجتمعات التي يخدمونها.

إنما المقصود هو أن احتياجات المستفيدين ليست معلومة دائمًا، ولا قابلة للقياس دائمًا، وفي هذه الحالات تملك المنظمات غير الربحية فرصة لبناء هياكل تسمح لأصحاب الخبرة والموهبة بممارسة حكمهم المهني وتكافُئهم عليه. 

وهذا يتطلب آليات إدارية تستطيع اكتشاف الفطنة والمصداقية، ورفع من يملكهما، ومكافأتهم عندما تكون هذه الصفات ذات قيمة حقيقية، و لكنه يبقى نهجًا أنسب عندما لا يكون التوسع السريع أو الاستنساخ الواسع أولويةً مباشرة على المدى القصير، نظرا لأنه يعتمد بدرجة أكبر على مجموعة محدودة من الأشخاص شديدي الانخراط والخبرة.


يوجد فرص أخرى لتبني النموذج الإبداعي ومن ذلك طريقة التمويل نفسها، هو يلاحظ أن ممارسات تمويل المنظمات غير الربحية لم تتغير بالسرعة أو الجرأة التي تغيرت بها ممارسات التمويل في القطاع الربحي رغم أن أكثر من 75 في المئة من المنظمات غير الربحية شهدت زيادة في الطلب، في حين أن قرابة النصف تفتقر إلى الموارد المالية الكافية لتوسيع الاستجابة. 

واستلهامًا من الصناعات الإبداعية، يوجد أفكار تتجاوز مجرد زيادة الدخل المكتسب أو خفض الأعباء الضريبية على غرار نماذج تمويل محلية مخصصة أو نسب دعم موجهة ومواءمة هذه الفكرة للسياق السعودي، المعنى الأهم ليس نقل الصيغة الأمريكية بحرفيتها ولكنه التفكير في أدوات تمويل تشاركية أو تنظيمية مبتكرة تدعم الأولويات التنموية أو الثقافية أو المجتمعية بآليات أكثر استدامة ووضوحًا. 

كما نشدد على أهمية وجود قطاع مانح داعم يتقبل تمويل المشروعات المصممة بمنطق «المهمة المركزة»، أي الجهات التي تُبنى من الأساس لتحقيق رسالتها بكل وسيلة مشروعة ممكنة، لا من أجل إدامة المؤسسة لذاتها فقط. 

وليست الفكرة هنا الانشغال بالتفاصيل الميكانيكية وحدها، ولكن فهم الكيفية التي يمكن بها للمنظمات غير الربحية أن تحشد الأشخاص والهياكل النظامية ورأس المال، وسائر الموارد بطرق جديدة تُعينها على تحقيق النتائج التي ما زالت تتعثر فيها. 


التنفيذ

بحسب «نموذج الانسجام»، فإن أداء المنظمة يتوقف على مدى توافق هيكلها، وأفرادها، ومهامها وعملياتها، وثقافتها، ولذلك لن يكون ممكنًا تعظيم فائدة الفرص السابقة بمجرد محاولة تغيير سلوك الأفراد وحدهم.

ولهذا يدعو الكاتبان المؤسسين، والمديرين التنفيذيين، وأعضاء المجالس، في المنظمات التي تعمل تحت بعض الظروف المذكورة، إلى التفكير في تصميم المنظمة نفسه، وافتراضات المواهب، وتوزيع الميزانية، والحوافز اللازمة لدعم هذا التغيير وجعله جزءًا رسميًا من العمل. 

والخبر الجيد أن كثيرًا من هذه الممارسات ليس غريبًا تمامًا عن الخبرة الإنسانية اليومية، نظرا لأنّ تنمية الذائقة المهنية، أو البدء من موعد إطلاق محدد ثم البناء إلى الخلف، أو استقطاب موهوبين أصبح لديهم وقت متاح لفترة قصيرة، كلها أمور خبرها كثير من القادة في سياقات مختلفة ولو خارج العمل غير الربحي.


ثم نقترح لكم خمس خطوات عملية يمكن أن تزيد فرص النجاح:

أولًا، بناء فهم واضح للمفاضلات التي ينطوي عليها تغيير طريقة عمل المنظمة، وتشمل هذه المفاضلات الكلف المباشرة، مثل كلفة التنسيق، إلى جانب اعتبارات أوسع تتعلق بتوقعات المانحين، والامتثال التنظيمي، ومعنويات العاملين أو قناعة الإدارة العليا. 

ثانيًا، تقييم الجاهزية الثقافية والبنيوية لتبني نموذج جديد في مشكلة معينة أو سياق معين، سواء تم ذلك بصورة رسمية أو غير رسمية، وسواء بالاستعانة بعين خبيرة موثوقة أو من داخل المنظمة نفسها، مع توضيح الحالات التي لا يُتوقع أن يكون فيها هذا النهج مفيدًا.

ثالثًا، تحديد تجارب أولية لاختبار الآليات الإبداعية عمليًا وقد يكون ذلك بسيطًا على غرار تجريب صيغة مختلفة لاجتماع، وقد يكون أوسع لتشكيل فرق أو وحدات تشغيلية بمنطق أقرب إلى مساهمي المشاريع الإبداعية من المنطق الهرمي التقليدي. 

والمشروعات الصغيرة أو المبادرات المحدودة تمنح المنظمة فرصة لاختبار هذا النهج دون أن تدخل فيه كليًا أو ترفضه كليًا. 

رابعًا، الاستعارة بوعي وأمانة، لا بالنسخ الأعمى ولا بالجري خلف الموضات الإدارية. 

يقدّم النموذج الإبداعي بدائل نافعة، لكنه يحتاج إلى تكييف واعٍ مع سياق كل منظمة ورسالتها وقيودها كما أن العمل مع قادة من الصناعات الإبداعية قد يساعد على كشف النقاط العمياء الشخصية والتنظيمية، وفهم أين تبنّت المؤسسة طرائق مؤسسية بحكم العادة لا بحكم الجدوى. 

خامسًا، خلق بيئة يشعر فيها المشاركون في التصميم والتنفيذ بأن الفشل الآمن ممكن، الصّناعات الإبداعية تتسامح مع المخاطرة والتكرار بدرجة أعلى من المنظمات غير الربحية التي تعمل في بيئات تتطلب مستويات مرتفعة من المساءلة وحسن الرعاية، ومن دون مساحة معلنة للتجريب مع احتمال التعثر أحيانًا تعود المنظمات على الأرجح إلى الأساليب المؤسسية التي اعتادتها كلما ارتفع الضغط.

وربما يكون التحدي الأكبر أمام المنظمات غير الربحية الراغبة في تبني نموذج أكثر إبداعًا تحديًا ذهنيًا في المقام الأول، لأن تعلم طريقة جديدة في التعلم نفسه ليس أمرًا سهلًا، خاصة حين تكون هناك طريقة راسخة في العمل تبدو كأنها المعنى الطبيعي لكلمة «نذهب إلى العمل» ونحن لا ندعو إلى انقلاب شامل أو إلى نسف كل ما هو قائم.


لكننا نؤكد أن هناك فرصًا على الأقل لبعض المنظمات.

وفي بعض الأوقات، لإضافة هذه الأدوات والزوايا الجديدة إلى صندوقها العملي ويبلغ النموذج الإبداعي أفضل نتائجه حين يدفعنا إلى مراجعة افتراضات نُعاملها كأنّها بديهية.

رغم أنها قد لا تخدمنا فعليًا، حتى لو كان السؤال في غاية البساطة: هل أفعل هذا لأن هكذا تُدار المؤسسات عادة، أم لأن هذا هو الطريق الأفضل لإنتاج أفضل نتيجة ممكنة؟

على أمل أن يمنح هذا الطّرح قادة المنظمات غير الربحية قدرًا من الإذن الفكري للاعتراف بحدود النموذج الذي يعملون به الآن ثم التفكير بطريقة مختلفة من حيث البنية، وبذلك يرفعون كفاءة الإنفاق، ويحسنون الثقة العامة والانخراط المجتمعي، ويقدمون الخدمات التي تمس الحاجة إليها على نحو أفضل. 


مقال مُترجم بتصرّف عن موقع ssir.org مع حفظ الحقوق الأدبيّة للمصدر الأصليّ.


  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top