في بيئة تنظيمية تتطور بسرعة كما هو الحال في المملكة، أصبح وجود محامٍ أو مستشار قانوني داخل الجمعية الأهلية ليس رفاهية، بل ضرورة استراتيجية لحماية الكيان وضمان استدامته.
فالمملكة اليوم تشهد تحديثًا مستمرًا في أنظمة ولوائح القطاع غير الربحي، بدءًا من اللائحة التنفيذية لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية (2025)، مرورًا بـقواعد الحوكمة، ووصولًا إلى القواعد التنظيمية للصناديق الأهلية والعائلية وغيرها من التشريعات المكملة.
في ظل هذا الحراك النظامي المتسارع، أصبحت المخاطر القانونية التي تواجه الجمعيات ليست في المخالفة الصريحة، بل في الاجتهاد غير الموفق أو التفسير غير المنضبط.
المستشار القانوني.. حارس البوابة النظامية
وجود مستشار قانوني متابع للتشريعات الجديدة يعني أن الجمعية تمتلك نظام إنذار مبكر ضد الأخطاء قبل وقوعها.
فهو الجهة التي:
-
تراجع محاضر مجلس الإدارة والجمعية العمومية قبل اعتمادها.
-
تضمن أن القرارات تتوافق مع اختصاصات المجلس كما نصت عليها اللائحة التنفيذية (المادة 24 وما بعدها).
-
يتحقق من سلامة العقود الموقعة مع الجهات المانحة والموردين، ويقي الجمعية من البنود المجحفة أو الغامضة.
-
يتابع التزامات الجمعية تجاه المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي والجهات المشرفة، وفق النماذج الدورية المطلوبة.
المستشار هنا لا يعمل بعد الأزمة، بل يمنعها قبل أن تبدأ.
إنه شريك في الحوكمة، وليس مجرد مراجع قانوني.
التحدي الحقيقي: تعدد الأنظمة وتشابك الاختصاصات
أحد أبرز الإشكالات التي تواجه الجمعيات اليوم هو تعدد المرجعيات النظامية:
فالجمعية قد تخضع لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية، لكنها في الوقت ذاته تتأثر بلوائح جمع التبرعات، وتنظيمات الصناديق، وتعليمات الجهات المشرفة.
وفي ظل هذا التشابك، يصبح وجود محامٍ أو مستشار قانوني مطّلع على المنظومة الكاملة ضرورة لا غنى عنها.
القيمة المضافة القانونية
وجود المستشار القانوني لا يقتصر على الحماية، بل يضيف قيمة تشغيلية وتنظيمية ملموسة، منها:
-
رفع كفاءة الحوكمة عبر مواءمة القرارات مع القواعد النظامية المعتمدة.
-
ضمان الشفافية والمساءلة من خلال مراجعة التقارير المالية والإفصاحات قبل الرفع للمركز.
-
تسريع الموافقات والاعتمادات الرسمية بتجهيز الملفات النظامية بشكل متكامل.
-
تعزيز الثقة مع الجهات المانحة والرقابية باعتبار الجمعية كيانًا منضبطًا قانونيًا.
في زمن التحديث.. الغياب القانوني مكلف
النظام اليوم لا يعفي من الجهل، والخطأ النظامي لم يعد يُنظر إليه كـ"سوء فهم"، بل كـ"إخلال بالحوكمة".
إن جمعية بلا مستشار قانوني تُشبه سفينة بلا بوصلة في بحرٍ من الأنظمة المتغيرة.
والمؤسسات التي استثمرت في وجود مستشار قانوني ثابت داخلي أو خارجي، أثبتت قدرتها على التحرك بثقة في بيئة تنظيمية معقدة، وضمنت استدامة أعمالها دون خوف من التعثر النظامي أو الوقوع في المخالفة.
الاستثمار في الأمان
الخطوة التالية للجمعيات ليست في زيادة مشاريعها بقدر ما هي في تأمين بنيتها النظامية.
فوجود مستشار قانوني متخصص في القطاع غير الربحي ليس تكلفة تشغيلية، بل استثمار في الأمان المؤسسي والسمعة النظامية.
في النهاية، الأنظمة تتغير، لكن الثقة لا تُمنح إلا للجمعيات التي تتقن الالتزام بها.