الوقف الإسلامي يعود بصيغة استثمارية عالمية

ع ع ع

في جوهره، لم يكن الوقف تبرعًا مؤجل الأثر، وإنما نموذجًا حضاريًا مبكرًا لتحويل المال إلى منفعة مستمرة ولا يقف عند إغاثة حاجة عابرة، ولا ينتهي بانتهاء لحظة العطاء؛ يحفظ أصل المال، ويوجّه منافعه لخدمة الإنسان عامًا بعد عام.

لهذا ظل الوقف حاضرًا في التعليم، والرعاية، والمياه، والصحة، وإعانة المحتاجين؛ لأنه يقوم على فكرة بسيطة وعميقة: أن يبقى الأصل منتجًا، وأن تتحول عوائده إلى خير متجدد. واليوم، تعود هذه الفكرة إلى الواجهة العالمية من خلال نماذج استثمارية حديثة تحاول الجمع بين المعنى الشرعي، والحوكمة المؤسسية، والاستدامة المالية.

في هذا السياق، أعلنت جمعية هيومن أبيل (Human Appeal)، وهي منظمة إنسانية بريطانية، إطلاق كيان تابع جديد باسم صندوق الوقف (The Waqf Fund) : والمقصود بالكيان التابع أنه مؤسسة مرتبطة بالمنظمة الأم، تعمل ضمن مجال محدد، ولها هوية تشغيلية واضحة. أما الصندوق الوقفي، فهو وعاء تُجمع فيه التبرعات، ثم تُستثمر بطريقة متوافقة مع الشريعة، على أن تُستخدم عوائد الاستثمار في تمويل المشروعات الإنسانية والتنموية.

تستند الفكرة إلى الفرق الجوهري بين التبرع المباشر والوقف. التبرع المباشر يعالج حاجة قائمة في لحظتها، أما الوقف فيسعى إلى بناء مورد مستمر يمكن أن يخدم الحاجة نفسها مرات متكررة عبر الزمن. ومن هنا تأتي قوته؛ لأنه لا ينظر إلى الخير بوصفه إنفاقًا لحظيًا، وإنما بوصفه قدرة مالية قابلة للنمو والاستمرار.

ويشير الخبر الأصلي إلى أن قيمة الأصول الوقفية عالميًا تُقدَّر بما يتراوح بين 700 مليار دولار وتريليون دولار وهنا ينبغي التنبيه إلى نقطة مهمة: هذا الرقم لا يعني أن صندوق الوقف الجديد يملك هذه القيمة، ولا أنه جمع هذا الحجم من الأموال، وإنما يشير إلى تقديرات حجم السوق الوقفية العالمية. والمقصود بالسوق هنا مجموع الأصول والأموال والفرص المرتبطة بالوقف حول العالم، لا السوق بالمعنى التجاري الضيق.

هذا التوضيح ضروري حتى لا يُقرأ العنوان بوصفه إعلانًا عن صندوق ضخم بقيمة 700 مليار دولار، وإنما بوصفه دخولًا مؤسسيًا جديدًا إلى مجال عالمي واسع، تتزايد فيه محاولات تحويل الوقف إلى أداة مالية أكثر تنظيمًا وشفافية وقدرة على النمو.

يقوم نموذج صندوق الوقف على استقبال مساهمات من المتبرعين، ثم استثمارها في أصول حلال ومتوافقة مع الشريعة، مثل العقارات والأصل الاستثماري هنا يعني ما يحتفظ بقيمته ويمكن أن يدر دخلًا، كالمباني المؤجرة أو الأصول المدرة للعوائد. وبعد توليد الدخل من هذه الأصول، تُوجَّه العوائد إلى مشروعات هيومن أبيل في مجالات إنسانية متعددة.

وتشمل هذه المجالات، بحسب الخبر، المياه والصرف الصحي، والتعليم، ورعاية الأيتام، والإغاثة في حالات الطوارئ، والرعاية الصحية. وهي مجالات لا ترتبط بتقديم مساعدة عابرة فقط، وإنما تمس احتياجات إنسانية أساسية تحتاج عادة إلى تمويل مستقر لا ينقطع سريعًا.

اللافت في النموذج أنه لا يكتفي بفكرة الاستثمار ثم الصرف، إذ يتحدث أيضًا عن إعادة استثمار جزء من العوائد، وهذه الفكرة تُعرف في المجال المالي بالتراكم أو المضاعفة (Compounding)، ويُقصد بها أن جزءًا من العائد لا يُصرف مباشرة، وإنما يُعاد ضمه إلى الأصل أو يُستثمر من جديد، حتى يكبر حجم الصندوق تدريجيًا. بهذه الطريقة يمكن للأثر أن يتوسع مع مرور الوقت، بدل أن يبقى محصورًا في قيمة التبرع الأولى.

ويذكر الخبر أن الصندوق يستهدف متوسط عائد سنوي يقارب 7%. وينبغي التعامل مع هذه العبارة باعتبارها هدفًا استثماريًا أو تقديرًا محتملًا، لا ضمانًا قطعيًا. الاستثمار، بطبيعته، يرتبط بالمخاطر وتغيرات السوق، حتى حين يكون في أصول تبدو مستقرة مثل العقارات. لذلك تزداد أهمية الحوكمة، والإفصاح، وإدارة المخاطر في أي نموذج وقفي حديث.

من زاوية المتبرع، يحاول صندوق الوقف تقديم الوقف بطريقة أكثر سهولة. المشاركة لا تبدو محصورة في أصحاب الثروات الكبيرة، وإنما متاحة لمساهمات مختلفة الحجم وهذا تطور مهم؛ لأن الوقف في الذاكرة الاجتماعية ارتبط أحيانًا بكبار الواقفين أو بالأصول الضخمة، في حين تسعى النماذج الحديثة إلى إتاحة المشاركة الوقفية لشرائح أوسع من الناس.

غير أن الأهمية الأعمق لا تقف عند سهولة التبرع، بل عند تغيير طريقة التفكير في العطاء نفسه. فعندما يشارك الفرد في وقف، لا يقدّم مساعدة تنتهي بإنفاقها، وإنما يسهم في بناء أصل يمكن أن يستمر أثره سنوات طويلة. هنا ينتقل المتبرع من منطق الاستجابة العاجلة وحدها إلى منطق بناء القدرة المستمرة على الاستجابة.

ويربط القائمون على صندوق الوقف هذه الفكرة بمفهوم الصدقة الجارية (Sadaqah Jariyah)، وهي الصدقة التي يبقى نفعها مستمرًا. وهذا الربط مهم دينيًا ومعرفيًا؛ لأنه يوضح أن النموذج ليس أداة مالية حديثة أُلبست لباسًا خيريًا، وإنما محاولة لإعادة تشغيل معنى شرعي قديم داخل بيئة مؤسسية واستثمارية معاصرة.

من جانبه، أوضح البروفيسور كامل أوموتيسو، رئيس مجلس أمناء صندوق الوقف، أن الصندوق يسعى إلى تقديم وقف آمن ومؤثر يدعم القضايا الخيرية، ويمنح المتبرعين المسلمين وسيلة عطاء منسجمة مع مبادئهم الدينية. وتكشف هذه العبارة جانبًا مهمًا في الفكرة؛ إذ إن الصندوق لا يخاطب المتبرع فقط من زاوية العائد الاجتماعي، وإنما أيضًا من زاوية الاطمئنان الشرعي والمعنى الروحي للعطاء.

كما أشار الدكتور محمد عشماوي، الرئيس التنفيذي لهيومن أبيل، إلى أن إطلاق صندوق الوقف يعزز قدرة المنظمة على الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا حول العالم، وتفتح هذه النقطة سؤالًا مهمًا أمام المؤسسات الخيرية: كيف يمكن بناء موارد لا تعتمد فقط على حملات موسمية أو تبرعات متقطعة، وإنما على أصول قادرة على توليد دخل مستمر؟

وتقدم التجربة مثالًا عمليًا على ذلك من خلال استثمار وقفي في مبنى مكتبي بمنطقة مانشستر الكبرى، مؤجر بعقد طويل الأجل لإحدى الشركات القانونية الكبرى. أهمية هذا المثال أنه يقرّب الفكرة من الواقع؛ فالوقف هنا ليس شعارًا عامًا، ولا حسابًا مصرفيًا ساكنًا، وإنما أصل عقاري مؤجر، ينتج عائدًا، ثم يُعاد توجيه ذلك العائد لخدمة أغراض خيرية.

ومع ذلك، لا ينبغي قراءة التجربة من زاوية الإعجاب وحدها. فالنماذج الوقفية الاستثمارية تحتاج إلى أسئلة دقيقة حول الشفافية، ومصارف العوائد، وآلية احتساب المصروفات، ونسبة ما يُعاد استثماره، ونسبة ما يُصرف على المشروعات، وطريقة إدارة المخاطر. وكلما كبر الأصل الوقفي، ازدادت الحاجة إلى حوكمة أكثر وضوحًا؛ لأن الثقة في الوقف لا تُبنى بالنية الحسنة وحدها، وإنما بحسن الإدارة والإفصاح.

تكمن قيمة هذا الخبر في أنه يعيد طرح الوقف ضمن لغة عالمية مفهومة للمؤسسات المالية والخيرية في آن واحد. إذ يجمع بين مفردات مألوفة في التراث الإسلامي، مثل الوقف والصدقة الجارية، ومفردات حديثة مثل الاستثمار، والعائد، والأصول المدرة للدخل، والاستدامة المالية. وهذا الجمع ليس تفصيلًا لغويًا؛ إنه يعكس تحولًا في موقع الوقف داخل النقاش العالمي حول تمويل الأثر.

ولعل الدرس الأبرز هنا أن الوقف لا يحتاج إلى أن يفقد روحه حتى يصبح حديثًا. يمكنه أن يحافظ على معناه الشرعي والإنساني، وفي الوقت نفسه يتطور في أدواته، وحوكمته، وطريقة عرضه للمتبرعين. الأصل في الوقف أنه يحمي المال من الاستهلاك السريع، ويحوّل العطاء إلى منفعة مستمرة، وهذه الفكرة ما زالت قادرة على العمل في عالم اليوم متى أُديرت بكفاءة ووضوح.

بهذا المعنى، لا يمثل صندوق الوقف التابع لهيومن أبيل مجرد خبر عن إطلاق مبادرة خيرية جديدة، وإنما إشارة إلى اتجاه أوسع: عودة الوقف الإسلامي إلى المجال العالمي بوصفه صيغة استثمارية للأثر. وحين يُدار الوقف بعقلية مؤسسية، لا يعود المال مجرد تبرع يُنفق، وإنما يتحول إلى أصل نافع، وذاكرة مالية عاملة، وقدرة مستمرة على صناعة الخير بعد أن تنتهي لحظة العطاء الأولى.


هذه المادة مترجمة ومحررة بتصرف عن خبر منشور في موقع هيومن أبيل (Human Appeal) حول إطلاق صندوق الوقف (The Waqf Fund)، مع إعادة صياغتها بما يناسب القارئ العربي المهتم بالقطاع الوقفي وغير الربحي.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top