مجالس الإدارة ومتلازمة المؤسس في القطاع غير الربحي: قراءة نقدية في جدلية الرحيل والاستقرار

ع ع ع

في الحلقة الخامسة من بودكاست حكاية القطاع، اجتمع هلال القرشي، ومحمد المطيري، وحامد الذيابي لطرح ملف شائك وحساس: مجالس الإدارة، متلازمة المؤسس، واستقرار القيادات. حلقة تكشف عمق الإشكاليات البنيوية التي يعيشها القطاع غير الربحي، وتضع المستمع أمام أسئلة صعبة لا تحتمل المجاملة.


بين المجالس الصورية وضعف الحوكمة

منذ البداية، سلّط المتحدثون الضوء على مأزق مجالس الإدارة. محمد المطيري وصفها بأنها تتجاوز دورها الاستراتيجي لتغرق في تفاصيل تنفيذية، فيما أشار هلال القرشي إلى أن كثيرًا منها لا يعرف المطلوب أصلًا: إما أن يعرقل العمل أو يرفعه عن كاهله تمامًا. حامد الذيابي أضاف بُعدًا آخر حين اعتبرها مجرد "أسماء على ورق"، لا أثر لها إلا في المحاضر، بينما الإدارة الفعلية بيد المدير التنفيذي أو رئيس المجلس. هذه الصورة الصادمة تعكس فجوة عميقة بين النصوص النظامية والممارسة الواقعية، وتعيد السؤال: أين تقف الحوكمة حين يتحول المجلس إلى عبء بدل أن يكون أداة ضبط واتزان؟


متلازمة المؤسس: حين يتحول العطاء إلى قيد

الحلقة عرّفت متلازمة المؤسس بوصفها تمسكًا مرضيًا بالمؤسسة وعدم القدرة على التخلي عنها. الأسباب متعددة: علاقة عاطفية مع الجمعية، غياب صف ثانٍ مؤهل، ضعف أنظمة التفويض، وضبابية مفهوم "الملكية" في كيانٍ من المفترض أن يكون للمجتمع.
النتائج كارثية: منظمات مشوهة تتوقف بغياب المؤسس، دوران وظيفي عالٍ، وانقطاع صلة المانحين حين يرحل "الشخص–الرمز". الدراسات العالمية تؤكد أن 70% من الجمعيات في بعض الولايات الأمريكية ما زال المؤسس فيها هو المسيطر، وأن نصفها لا يملك خطة تعاقب. أي أن الظاهرة ليست محلية بل كونية.


التعاقب القيادي: فراق مؤلم… لكنه لذيذ

الحلقة لم تكتفِ بالتشخيص، بل وضعت وصفة علاجية تقوم على أربعة أركان: التمكين، التخطيط، التفويض، وتطوير الكفاءات. وجود نائب للمدير التنفيذي، واختبار غياب القائد لفترات قصيرة، وإيجاد أدوار بديلة للمؤسس كلها حلول عملية تقلل من المخاطر. والأهم هو "الخروج اللائق": لحظة يترك فيها المؤسس القيادة بكرامة، تاركًا المجال لتجديد الدماء، دون أن يتحول الخروج إلى كسر أو خصومة.
تجربة حامد الذيابي مع جمعية أم الدوم كانت نموذجًا واقعيًا: خروجه ترك فراغًا وانخفاضًا في الأداء، لكنه أثبت أن الجمعية تستطيع الاستمرار – وإن بمستوى أدنى – حين يُرفع ثقل المؤسس عنها.


ثقافة يجب أن تتغير

محمد المطيري دعا إلى تقبّل فكرة أن الجمعيات قد تفشل، تمامًا كما تفشل الشركات الناشئة، معتبرًا أن الفشل جزء من دورة الحياة الطبيعية للمنظمات. أما هلال القرشي، فذهب أبعد حين طالب بتدوير القيادات وتحرير القطاع من الأسماء "المزمنة" التي ارتبطت بمؤسسات بعينها لعقد أو أكثر. فيما استعار حامد الذيابي عبارة ملهمة من أمير المدينة: "لا نريد أن يأتي الناس للقطاع غير الربحي ليموتوا فيه، بل ليعيشوا من خلاله."


خلاصة: مرض قيادي أم قوة خفية؟

متلازمة المؤسس ليست مجرد عارض نفسي أو إداري؛ إنها مرآة تكشف هشاشة البنية التنظيمية، وضعف الحوكمة، وغياب خطط التعاقب. لكنها في الوقت ذاته قد تكون قوة خفية حين تتحول إلى التزام وشغف إذا ما أحسن المؤسس إدارتها وحدد لحظة خروجه.
الرسالة الجوهرية واضحة: الاستقرار لا يعني الجمود، والرحيل لا يعني النهاية. ما يحتاجه القطاع هو شجاعة الاعتراف بالمشكلة، وصياغة ثقافة جديدة تجعل القيادة دورة لا ملكية، والمجلس شريكًا لا متسلطًا، والمؤسسة كيانًا يعيش للمجتمع لا للفرد.


توصية صريحة إلى المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي

لتحويل النقاش إلى ممارسة، نقترح أن يعتمد المركز الوطني حزمة سياسات إلزامية لخطط التعاقب القيادي، وفق الآتي:

  1. خطة تعاقب معتمدة سنويًا: إلزام كل جمعية بخطة تعاقب مكتوبة ومصادق عليها من المجلس، تُحدّث سنويًا وتُرفع ضمن تقرير الالتزام بالحوكمة.

  2. تعيين نائب/مساعد للرئيس التنفيذي: اشتراط وجود منصب نائب بصلاحيات محددة ومفعّلة، مع جدول تفويض معتمد ومُعلن داخليًا.

  3. اختبار الغياب الإلزامي: تنفيذ تمرين “غياب القائد” ليومين على الأقل سنويًا، وتوثيق الدروس التصحيحية الناتجة عنه.

  4. حدود مدد قيادية ذكية: تحديد نطاق زمني تراكمي للرئيس التنفيذي (مثلاً 6–8 سنوات) مع آلية تمديد مشروطة بمؤشرات أداء جودة/أثر لا مؤشرات نشاط وعدّاد فعاليات.

  5. فصل الأدوار والعلاقات: منع الجمع بين رئاسة المجلس والتنفيذ، وإلزام توثيق العلاقات مع المانحين على مستوى المؤسسة لا الأفراد، مع سياسات تسليم منهجية عند التغيّر القيادي.

  6. شفافية وتعهدات: نشر ملخص خطة التعاقب ضمن التقرير السنوي العلني (دون إفشاء بيانات حساسة)، وربط درجة التزام الجمعية بسُلّم تصنيف واضح.

  7. الربط بالحوافز والتمويل: جعل الحصول على منح حكومية/شبه حكومية أو تصنيفات متميزة مشروطًا بنسبة التزام مرتفعة بخطة التعاقب وتفعيل التفويض.

  8. بناء قدرات إجباري: برنامج إلزامي قصير لقادة الجمعيات وأعضاء المجالس حول التعاقب، التفويض، وإدارة التحوّل، مع اعتماد مهني بسيط متجدد كل عامين.

  9. صندوق أدوات وتعريفات قياسية: توفير قوالب جاهزة (Succession Toolkit) تشمل سياسات، نماذج تفويض، مصفوفة صلاحيات، وخطة تواصل مع المانحين عند الانتقال.

  10. لوحة متابعة عامة: إطلاق “لوحة قياس التعاقب” على موقع المركز، تعرض مؤشرات التزام الجمعيات (بصيغ تجميعية عادلة) لتحفيز المنافسة الإيجابية.

إطار زمني مقترح: اعتماد السياسات خلال 90 يومًا، بفترة توفيق أوضاع لا تتجاوز 12 شهرًا، ثم بدء الربط بالحوافز والتصنيف.
بتبنّي هذه الحزمة، سينتقل القطاع من إدارة الأشخاص إلى مأسسة الأثر؛ ومن الخوف من رحيل المؤسس إلى الاطمئنان لاستمرارية الرسالة.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top