لوقت طويل، تعاملت كثير من المنظمات غير الربحية مع الجيل زد كما لو أنه “مانح مؤجل”؛ جمهور شاب، كثير الحديث عن القضايا، حاضر في المنصات، سريع التفاعل، لكنه لم يدخل بعد إلى دائرة العطاء الحقيقي. غير أن البيانات الحديثة ترسم صورة أخرى أكثر تعقيدًا وأعمق دلالة: هذا الجيل لا يقف خارج العمل الخيري في انتظار أن يكبر دخله أو تستقر حياته؛ إنه يشارك الآن، ولكن بلغته، وبإيقاعه، ومن خلال شبكاته القريبة.
في البحث الذي أجرته GoFundMe بالتعاون مع GivingTuesday Data Commons، يظهر الجيل زد بوصفه جيلًا يمارس العطاء بوتيرة أعلى من غيره من البالغين، لا عبر التبرع المالي فقط، وإنما عبر المشاركة، والمناصرة، والتطوع، وجمع الدعم، وتحويل القضايا إلى أحاديث مرئية داخل الشبكات الرقمية. هذه النتيجة مهمة لأنها لا تقول إن الجيل الجديد أقل التزامًا، وإنما تقول إن تعريف الالتزام نفسه تغيّر.
تكشف الأرقام أن نحو 71% من أفراد الجيل زد شاركوا في شكل من أشكال العطاء خلال الأسبوع السابق للاستطلاع، مقارنة بنحو 65% من البالغين الآخرين، كما أن 42.7% منهم تبرعوا بالمال، مقابل 38.8% من البالغين الأكبر سنًا، على الرغم من أن هذا الجيل غالبًا ما يكون في مرحلة دراسية أو بداية مهنية أو دخل أقل استقرارًا. من هنا تصبح الرسالة أوضح: العطاء عند الشباب لا ينتظر الوفرة الكاملة، بل يبدأ أحيانًا من الشعور بالمعنى والانتماء والقدرة على التأثير.
ومتى نُقلت هذه النتيجة إلى السياق المحلي، فإنها تفتح سؤالًا مهمًا أمام الجمعيات والمؤسسات غير الربحية: هل نقيس علاقة الشباب بالمنظمة من خلال التبرع المالي وحده، أم من خلال شبكة أوسع من السلوكيات؟ قد لا يبدأ الشاب بدعم مالي كبير، لكنه قد ينشر قضية، أو يشرح مشروعًا لصديقه، أو يتطوع في فعالية، أو يحشد مجموعة صغيرة حول مبادرة إنسانية. في بيئاتنا الاجتماعية، حيث للعائلة والأصدقاء والروابط القريبة أثر عميق، يمكن لهذه الأفعال الصغيرة أن تكون بداية علاقة طويلة، لا مجرد تفاعل عابر.
الأكثر لفتًا في النموذج الغربي أن عطاء الجيل زد يبدو شخصيًا وعلاقاتيًا بطبيعته كونه لا يتحرك دائمًا لأن مؤسسة ما أعلنت حملة، بل لأنه رأى حاجة قريبة، أو قصة إنسانية واضحة، أو صديقًا موثوقًا يدعو إلى المشاركة.
في هذا الصدد، تشير البيانات إلى أن هذا الجيل يتقدم على غيره في المناصرة، والعطاء المباشر للأفراد، والعطاء غير الرسمي، والتطوع. معنى ذلك أن بوابة العطاء لديه ليست دائمًا “اسم المنظمة”، بل “قرب الحاجة” و“صدق القصة” و“وضوح الأثر”.
ومن هنا يمكن استخلاص درس شديد الأهمية للمنظمات المحلية: الشباب لا يحتاجون فقط إلى رسالة تقول لهم “تبرعوا”، بل إلى تجربة تجعلهم يرون الإنسان خلف المشروع، ويفهمون لماذا هذه الحاجة الآن، وكيف يمكن لفعل بسيط أن يصنع فرقًا واضحًا. المنظمة التي تعرض أثرها بلغة إدارية باردة قد تبدو موثوقة على الورق، لكنها قد تفشل في تحريك جيل يبحث عن الصلة الحية بين الفعل والنتيجة.
على مستوى الثقة، يقدم التقرير تحولًا لا ينبغي تجاهله. فالثقة لدى الجيل زد لا تُمنح تلقائيًا للمؤسسات، وإنما تنتقل غالبًا عبر الأشخاص والشبكات القريبة و نحو 57% من داعمي الجيل زد يقولون إن العائلة أو الأقران يؤثرون في قراراتهم المتعلقة بالعطاء، مقابل 43% لدى البالغين الآخرين. هذه ليست مجرد معلومة تسويقية، بل مفتاح لفهم بنية الثقة الجديدة: المؤسسة لا تكسب الشاب لأنها تتحدث عن نفسها كثيرًا، وإنما لأنها تصبح قابلة لأن يوصي بها شخص يثق به.
في المجتمع المحلي، تبدو هذه الفكرة أكثر قابلية للتطبيق لا أقل. فالثقة الاجتماعية في منطقتنا لا تتحرك غالبًا عبر الإعلان المباشر وحده، وإنما عبر التزكية، والمعرفة، والسمعة، وشهادة القريب، وتجربة من حضر وتطوع ورأى. لذلك فإن بناء سفراء شبكيين حول المنظمة قد يكون أكثر أثرًا من الاكتفاء بحملة عامة واسعة. ليس المقصود أن يتحول المتبرعون إلى أدوات دعائية، وإنما أن تمنحهم المنظمة قصة صادقة وسهلة المشاركة، وتجربة تستحق أن تُروى.
كما يبين التقرير أن المشاركة العلنية ليست تفصيلًا هامشيًا في سلوك الجيل زد وهذا الجيل يميل إلى جعل دعمه مرئيًا: يشارك الحملة، يعلن تضامنه، يدعو غيره، ويحوّل العطاء من قرار فردي صامت إلى فعل اجتماعي قابل للانتشار. ووفق بيانات التقرير، فإن المشاركة الرقمية تعمل كمضاعف للسخاء، لأنها لا تكتفي بجمع المال، بل تجذب الانتباه، وتفتح باب الثقة، وتدعو الآخرين إلى الدخول.
وهذه النقطة، عند تكييفها محليًا، لا تعني استنساخ ثقافة الاستعراض الرقمي، هي تعني تصميم مساحات مشاركة رصينة ومحافظة وذكية، ويمكن للمنظمة أن تجعل رسائلها قابلة لإعادة الإرسال، وأن تقدم أثرها في صور محترمة، وأن تصمم محتوى يشرح القضية دون ابتذال، وأن تتيح للشباب أن يكونوا جزءًا من نشر الخير دون أن يشعروا أنهم يشاركون في دعاية مباشرة.
يصبح الفارق هنا دقيقا: الشاب لا يريد أن يُستخدم كقناة إعلان، لكنه قد يفتخر بأن يكون جزءًا من معنى نزيه وواضح.
ومن الزاوية نفسها، يعيد التقرير النظر في منصات التمويل الجماعي. فقد كان القلق الشائع أن هذه المنصات قد تصرف الناس عن التبرع للمنظمات المسجلة، لأنهم سيذهبون إلى المبادرات الفردية المباشرة غير أن البيانات تشير إلى اتجاه مختلف: مستخدمو التمويل الجماعي من الجيل زد أكثر قابلية للتبرع للمنظمات غير الربحية المسجلة مقارنة بغير مستخدمي هذه المنصات، بل إن 91% من مستخدمي التمويل الجماعي من هذا الجيل قدموا دعمًا لمنظمات غير ربحية مسجلة.
هذه النتيجة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها دعوة إلى نقل النموذج الغربي كما هو، فلكل مجتمع أنظمته وثقافته وأطره التنظيمية و لكنها تقول شيئًا مهمًا: المشاركة غير الرسمية ليست دائمًا خصمًا من العمل المؤسسي؛ قد تكون مدخلًا إليه. في السياق المحلي، يمكن فهم ذلك من خلال المبادرات الصغيرة، والحملات الموسمية، والتطوع العائلي، والمبادرات الشبابية التي تبدأ من دائرة محدودة ثم تحتاج إلى مؤسسة ناضجة تحتضنها وتضبطها وتمنحها الاستدامة.
ومن ثم، فإن السؤال الاستراتيجي أمام المنظمات غير الربحية ليس: كيف نقنع الجيل زد بالتبرع مثل الأجيال السابقة؟ السؤال الأذكى هو: كيف نبني مسارات تسمح له أن يبدأ من حيث هو؟ من مشاركة قصة، إلى حضور فعالية، إلى تطوع قصير، إلى مساهمة رمزية، إلى عضوية أعمق، إلى علاقة طويلة الأمد. وحين تُصمم هذه الرحلة بعناية، يتحول التفاعل السريع إلى ولاء مؤسسي، ويتحول الشاب من متابع إلى شريك.
في خلفية هذه النتائج، تظهر رسالة تحريرية أوسع: العطاء لم يعد صندوقًا واحدًا اسمه “التبرع المالي”، ولكن منظومة من السلوكيات المتداخلة. في المقابل، قد يبدأ العطاء بنشر رابط، أو الدفاع عن قضية، أو مساعدة فرد، أو جمع دائرة صغيرة حول احتياج محدد ولا تحتقر المنظمة الذكية هذه البدايات لأنها لا تشبه نماذجها القديمة، وإنما تفهمها كإشارات مبكرة على قابلية الارتباط، ثم تبني حولها تجربة أعمق.
ولعل أجمل ما تكشفه هذه البيانات أن الجيل زد لا يفتقر إلى السخاء، وإنما يفتقر أحيانًا إلى منظمة تفهم لغته. فهو يريد وضوحًا لا مبالغة، وقصة لا شعارات، وأثرًا لا وعودًا عامة، ومسارًا للمشاركة لا نموذج تبرع جامدًا. وحين يجد هذا كله، فإنه لا يكتفي بأن يعطي، بل يدفع غيره إلى العطاء أيضًا.
بالنسبة للقطاع غير الربحي المحلي، يمكن قراءة المقال كتنبيه مبكر لا كخبر عابر.
لن يكون المستقبل فقط للمنظمات التي تطلب الدعم بكفاءة، وإنما للمنظمات التي تصمم الثقة، وتبني المشاركة، وتحوّل المجتمع المحيط بها إلى شبكة واعية من المؤيدين وفي زمن الجيل زد، لا تبدأ العلاقة من زر التبرع، بل من لحظة يشعر فيها الشاب أن القضية قريبة، وأن صوته مهم، وأن مشاركته الصغيرة يمكن أن تفتح بابًا أكبر.
الخلاصة أن الجيل زد ليس جمهور الغد؛ إنه حاضر اليوم، لكنه حاضر بطريقة مختلفة. ومن يفهم هذه الطريقة مبكرًا سيكسب أكثر من تبرع عابر؛ سيكسب جيلًا قادرًا على تحويل العطاء من معاملة مالية إلى حركة اجتماعية حيّة.
المصدر: اعتمدت هذه المعالجة التحريرية على تقرير GoFundMe Pro بالتعاون مع GivingTuesday Data Commons حول سلوك العطاء لدى الجيل زد، مع الاستئناس بالتغطية المنشورة في NonProfit PRO وبيان GoFundMe الصحفي الصادر عبر Business Wire.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
